الشللية والانتفاعية في الوسط الفني… قتل الإعلامية الجزائرية: ألم الواقع والإشاعة

قبل الحاجة للقاح كورونا، نحن في أمس الحاجة للقاح اجتماعي، لقاح إنساني يعيدنا إلى دائرة الأمان على النفس والأهل والمحيط.
كم نحن بأمس الحاجة لأن نفكر في الآخرين من الأقارب والجيران، نحن نفكر في الأشياء المستحيلة التطبيق، لكن الأشياء الممكنة نتغاضى عنها لأننا فعلا فقدنا إنسانيتنا الحقيقية.
إذا أردنا المساعدة نبدأ بالأقربين، لكننا تعودنا على الفرجة دون أن نتدخل، نريد فرجة «ببلاش» نريد جنازة دون لطم، لم نعد نهتم بشباب كتب عليهم أن يقذفوا نحو شراك اليأس بعد أن فقدوا أرزاقهم وأقواتهم في هذا الزمن الصعب، الذي زادته ظروف كورونا صعوبة، وقلصت فرص الإسترزاق، كما حدث للشاب «الياس» في منطقة درقانة في العاصمة الجزائرية، بعد تشميع محله التجاري وسحب سجله وأخذ سيارته للحجز.
لم يجد حلا سوى صب البنزين على جسده مهددا بإحراق نفسه، لم يكن ينوي الانتحار بالطريقة البشعة، لكن خانته الولاعة، فاحترق وسارع صديقه لإنقاذه، فالتهمته النيران «غير الصديقة» هو الآخر! المفارقة أن الكاميرا تتتبع زوج شارلومنتي الخامس أو السادس وهو يحاول الإنتحار، لكن تعمى عيون المهتمين، عن كل شاردة وواردة في حياة «النوادي الليلية» حتى تقع الفأس في الرأس، عندما ينتحر شباب في عمر الزهور بعيدا عن الإهتمام، فمن ينعاهم ومن يواسي أمهاتهم؟
هذا الزمن الذي لا يظهر فيه الأسوياء الأتقياء من يملأون محيطهم بالخير والمحبة، من لا يمكن لأحد أن يطالهم بتكريمات القطيع، وإن ذكرهم الإعلام فعلى استحياء، السيدة التي بنت جسرا وترغب في بناء قرية، الشيخ الذي وهب جهده وحياته من أجل الحفاظ على البشر والشجر، المحافظ على البيئة التي تسعفنا في التنفس، دون صعوبة، نماذج لا يراد تعميمها ولا تكريسها في مجتمع طفح كيل الرداءة فيه والمحسوبية ورشاوى الجيب والضمير، ماذا ننتظر في مواطن فقد شهية الحياة وتحدياتها في غياب بصيص أمل في تغيير وضعه وحياته؟ سيصبح الإنتحار المر حلا سهلا.
في هذه الظروف التي تشهد استقالة المجتمع من قيمه ومسؤولياته وفشل سياساته، التي لا تضعه في حسبانها وحساباتها، فيها كمشة تغرف من خزينة الشعب إلى آخر نفس في حياتها والباقون يتجرعون الخيبات والعيش المر والحياة دون كرامة، لا نحتاج للقاحات العالم أجمع، نحتاج للخير في قلوبنا وعلى بعضنا البعض.

هل تقتل المرأة مرتين؟

تستجوب القبيلة القتيلة؟ ماذا فعلت لتذبحين؟ وكذلك ترفض القبيلة أن تكون القتيلة قد ذبحت خوفا من شرفها الذي قد يدنس؟ القبيلة من تسم وتصم وهي من تفضح وتستر، جدل كبير عبر منصات التواصل الاجتماعي حول مقتل الصحافية تينهينان لاصب سعدون من طرف زوجها، بينما نشرت الكثير من المواقع الإخبارية وصفحات عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي أن الضحية ذبحت من طرف زوجها، وهذا نقلا عن موقع القناة الرابعة الناطقة بالأمازيغية، بينما يصر والدها على تكذيب هذا الخبر الذي آلمه أكثر من فقدان ابنته، والذي نقلت تصريحاته عدة قنوات تلفزيونية يوضح من خلالها أسباب وفاة ابنته، والتي لم تكن ذبحا، كما وضح لـ «بربر تيفي» حيث ذكّر بأنه أول من أسمى ابنته تينهينان في وقت كان مضيق فيه على الأمازيغية (1981) (الربيع الأسود الأمازيغي 1980) سماها باسم ملكة الطوارق، كما كذب بشكل رسمي ما تناقلته منصات التواصل الإجتماعي وخاصة الفيسبوك، وبأن ابنته لا تستحق هذه النهاية، وهذا «الجزاء» وبأنه جرح مرتين بسبب فقدانه لابنته وبسبب إشاعة الذبح التي طالتها، الفيسبوك فضح الناس والأسر والبلد، وفرق بين الناس كما قال، ومنذ السابعة صباحا بدأوا في نشر «الأكاذيب» وبأن تينهينان ذبحت وأمام ابنتيها!
يقول السيد جعفر لاصب «الله يخزيك يا شيطان» كما يواصل، حقيقة، كانت تتعرض للضرب من طرف زوجها، وكانت هناك مشاكل بينهما منذ أكثر من سنة، وأرغمها على ترك برنامج البيئة في القناة، ولم يتركها تلبس كما كانت (أرغمها على ارتداء الحجاب) وكذلك أرغمها على عدم التزين (نزع المكياج) وفرد شعرها، وأخذ منها هاتفها، وكانت الضحية قد غادرت بيت الزوجية لتلتحق بأهلها ثلاث مرات، وفي أول مرة وصلت الأمور للمحكمة، ويضيف الأب «ناديته وأحضرت له المصحف وأقسم عليه بأن لا يكررها، ووعدني بذلك، لكن، حدث ما حدث، فلا أحد يعلم إن كان قد طعنها بسكين في الظهر أو بمفك براغي أو بمسمار، الله أعلم، والجيران من أخذوا البنات وطلبوا الإسعاف، أخذوا تينهينان فماتت في الطريق بعد نزيف حاد، المرأة لا تستحق هذه النهاية، لقد خدمت البلاد والأمازيغية والبيئة، وعيب على من نشروا هذه الإشاعة، فقد أصيب جميع زملائها بصدمة، بل كل الجزائريين الذين بمجرد الرغبة في تجاوز جريمة من الجرائم تأتي أخرى أبشع من سابقتها من حيث الملابسات والآثار المترتب عليها، هذا ولم يستسغ مستمعو قناة إذاعة نوميديا (قناة على اليوتيوب، لصاحبتها صونيا آيت أحمد التي كانت في السابق مقدمة برامج على القناة الإذاعية الثانية الأمازيغية في الجزائر والتي أسست فيما بعد أول قناة إذاعية على الويب من الولايات المتحدة الأمريكية) ما قاله والد الضحية، واستنكروا ما أسموه ببرودة اعصاب الوالد، فبينما بدا زملاء المرحومة متأثرين لفقدانها بدا الوالد متماسكا، وتساءلوا عن تكذيبه لخبر الطريقة التي قتلت بها؟ هل هو بسبب العرف الاجتماعي وتصورات المجتمع عن «ذبح المرأة» الذي لا يكون إلا بسبب الشرف، وهذا ما جعل الوالد ينفي بشدة ما أشيع عن ذبحها؟ كما قام الكثير من المتصلين بالبرنامج بلوم الوالد الذي علم بوجود خلافات كثيرة بين ابنته وزوجها وكان يرجعها له، وهنا أيضا توقفوا عند نظرة المجتمع القبائلي للمرأة المطلقة، وبأنه لا يرغب فيها ولا يريد للمرأة أن تتطلق وتصبح مضغة تلوكها الألسن، ثم ماذا ينقص امرأة موظفة ولها راتب في أن تستقل بحياتها وتربي بناتها، وتقوم بخلع هذا الزوج لتتخلص منه، وربما كانت ستتخلص من هذه النهاية المأساوية؟!
المهم، وكما جاء على لسان صاحبة القناة أنها لم تصدق رواية الأب، لأنها الرواية الاجتماعية التي لا تشوبها شائبة الخيانة والشرف والنيف، الخ، تينهينان انطفأت قبل أن تقتل، ومهما كانت الطريقة، فقدت حيويتها ونضارتها ونشاطها منذ مدة، كما لاحظ ذلك زملاؤها، وكما عبروا عن ذلك عبر حساباتهم على الفيسبوك، غابت تينهينان كنجمة في الصباح الباكر تاركة فلذات كبدها، وهما في أمس الحاجة لوالدتهما، هل فكر في كل هذا زوجها، الذي تصرف برعونة وفظاظة؟
هل كان ذلك بوخز من إبليس أم بوخز اجتماعي وذكوري؟ وهل يحتاج مثل هؤلاء القتلة لعقوبة الإعدام كما ينادي بها الكثيرون بعد كل جريمة، أم يحتاج من مثله لعلاج نفسي وتأهيل اجتماعي؟ كل هذه الحلول لا تطفئ النيران التي أحرقت أهل وذوي المرحومة تينهينان.

الفن بين الشللية والتجاهل الرسمي

في برنامج «أما بعد» على «الشروق نيوز» والذي تقدمه الصحفية آسيا شلبي، تناول البرنامج موضوع «قانون الفنان» أو ما قام به المجلس الوطني للآداب والفنون بإطلاق ما أسماه مشروعا تنفيذيا خاصا بالفنان لتنظيم المهنة ولإعادة النظر في الجانب الاجتماعي، لغياب ترسانة قانونية تثري مشروع قانون الفنان ليمر بعدها على المجلس الوطني. الاجتماع الذي لم يلم شمل الفنانين وانشغالاتهم، وكان على مقاس البعض وليس على مقاس الجميع.
البرنامج استضاف الفنان القدير عبد النور شلوش، والصحافي فيصل، والفنان القدير كريم بريبر والممثل القدير الذي قدم من مدينة سطيف سليمان بن والي. بداية فأن الفنانين الحاضرين لم يكونوا على علم بهذا الاجتماع وهذه النقاشات التي تهمهم كممثلين في المسرح والتلفزيون. واعتبر الفنان القدير عبد النور شلوش، أن الفنان في الجزائر أشبه بعابر سبيل أو غريب غير مرغوب فيه، همش وضاعت حقوقه، هذا رغم أهمية الفنان في المجتمع، هناك إنتقائية وانتفاعية في الوسط الفني وعصب تشكلت مع جيراننا في الشرق وأخرى من وراء البحار، ويواصل الفنان شلوش قائلا: «والإنسان اللي يحشم (الذي يخجل) اللي ماعندوش اكتاف (ليس له سندا) من لا يملك امتدادا ولا توغلا في الأوساط الانتفاعية يضيع حقه. ليس لدينا أدوات لتقييم الفنان الحقيقي ولا من يستطيع أن بشارك ويصنع القانون، وعبر بقوله عما آلت إليه أوضاع الفنانين وتهميشهم: اليوم سأنفجر، حتى في المناسبات الأخرى، كمناسبة يوم الشهيد وأنا بن شهيد لا توجه لي الدعوة، لا بد من إعادة تدبير الأمور، أشياء رهيبة تقع.
كذلك انتفض الممثل كريم بريبر، على الوضع واعتبر من هم في المجلس الوطني للآداب والفنون بأنهم لا يمثلون الفنانين من موسيقيين ومسرحيين، والجزائر ليست «عاقرا» فهي تملك كبار الفنانين، لكن هناك «كلانيزم» شللية، والجزائر ليست رزق أب أحد وكذلك التلفزيون، حيث تمنح أموال الانتاج لنفس العصابة (لمحتكري الانتاج) الذين يعيثون بالمال وبدون محاسبة، والفنان يموت بصمت وبلا مبالاة، مثل الفنان مصطفى برور.
إنها لعنة الثقافة، إما السقوط واقفا وشعارك الغاية تبرر الوسيلة، والارتماء في أحضان شلة نافذة تجعلك نجما رغم الأنوف، أو رفض السقوط والمقاومة، وفي هذه الحالة تهمش ولا تنتج شيئا وقد تجوع، ثم قد يأتي جلادك ينعيك ويغرس على قبرك نخلة تتدلى عراجينها وتمورها عليك أيها الفنان الفذ العبقري الميت!

٭ كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية