هل تبخر حلم رئيس ريال مدريد على يد المدرب زيدان؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»:  يضرب جمهور ريال مدريد «أخماسا في أسداس»، حزنا على أوضاع الكيان، سواء داخل المستطيل الأخضر أو خارجه، بعد التراجع الصادم على مستوى النتائج والأداء في الآونة الأخيرة، والذي وصل الى حد الخروج من بطولتي الكأس السوبر وكأس ملك إسبانيا في غضون أيام تعد على أصابع اليد الواحدة، كآخر جرس إنذار، قبل الاستفاقة على كابوس الخروج من كل البطولات الشهر المقبل، فيما ستكون أسوأ نهاية موسم بالنسبة لزين الدين زيدان طوال مشواره التدريبي في «سانتياغو بيرنابيو».

تحول المشهد

قبل الهبوط الكبير في منحنى الريال هذا الموسم، كان واضحا أن انحراف الرئيس فلورنتينو بيريز عن سياسته، من أعظم قوة شرائية في العالم، إلى مؤسسة للاستثمار واكتشاف المواهب الشابة، أشبه بالمقامرة، ليس فقط بالسمعة التي رسمها لنفسه على مدار العقدين الماضيين، كرئيس دّشن أسطورته وجماهيريته في بداية الألفية، بفضل سياسته الجريئة، التي كانت ترتكز في الأساس على شراء أعظم وأفضل لاعبي العالم، فيما تحولت بعد ذلك إلى المصطلح الدارج الآن صفقات «غلاكتيكوس»، بل أيضا قامر بهيبة وشخصية النادي الأكثر شعبية على هذا الكوكب، لصعوبة، وإن جاز التعبير، لاستحالة التوفيق بين تطلعات وطمع الجمهور الأبيض، الذي لا يقبل بأقل من الأداء الملكي والانتصارات والفوز بكل البطولات، وبين تنمية المواهب الشابة، وذلك بطبيعة الحال، لحاجة هؤلاء الشباب لمزيد من الوقت والخبرة، قبل أن يتسلموا الراية من عظماء جيل «لا ديسيما». لكن الملياردير الإسباني، عاش على أمل أن تنجح المقامرة، بمشروع قصير الأجل، يكون حجر أساسه إقحام اللاعبين الشباب مع أصحاب الخبرات، ليضرب عصفورين بحجر واحد، الأول بإعداد وتهيئة الجيل القادم على أكمل وجه، وفي نفس الوقت، مواصلة الاستفادة من سيرخيو راموس وباقي رجال زين الدين زيدان المخلصين، الذين سطروا معه التاريخ على مدار السنوات الخمس الماضية، بتحقيق 11 بطولة، إلى جانب بطولة كأس العالم للأندية تحت قيادة المؤقت سانتياغو سولاري، ومع ذلك، لم تسر الأمور كما خطط لها بيريز، على الأقل حتى وقتنا الراهن، كما يتجلى في انعدام تأثير الشباب، الذين انطفأ بريقهم تحت قيادة المدرب الفرنسي.

طريق وعر

بدأ كشاف نجوم ريال مدريد جوني كالافات، مهمة التنقيب عن الجواهر الخام في العام 2015، بضم الموهوب الاسكندينافي مارتن أوديغارد، وتبعه جيش من المراهقين والشباب، منهم على سبيل المثال لا الحصر، فيديريكو فالفيردي، وفينيسيوس جونيور، ورودريغو غوس، وإيدير ميليتاو وغيرهم من قليلي الخبرة، أو بالأحرى معدومي المستوى الاحترافي للعلامة التجارية للنادي، واللافت أن هؤلاء كبدوا الخزينة البيضاء مئات الملايين، وليس كما هو شائع، بأن الريال لم ينفق الأموال بشكل معتاد في السنوات الماضية، فيكفي أن حجم الإنفاق على هذه النوعية من الصفقات بلغ 670 مليون يورو، منهم ما زاد على 62 مليون يورو، لشراء عقد الصربي لوكا يوفيتش من آينتراخت فرانكفورت، وأقل بـ12 مليوناً للتوقيع مع البرازيلي إيدير ميليتاو، و90 مليون يورو في الجناحين فينيسيوس جونيور ورودريغو، وأسماء أخرى لا تندرج تحت مسمى «صفقات رخيصة»، وذلك لهدف عميق وحاجة في نفس فلورنتينو، بدفع عشرات الملايين الآن قبل أن يُجبر على ضمهم بمئات الملايين بعد 2020، معتقدا على سبيل المثال أن فينيسيوس سيسلك طريق أعجوبة فرنسا كيليان مبابي، وميليتاو سيظهر مؤشرات خلافة القائد الأندلسي، وأمثلة أخرى، أو على أقل تقدير، تعويض المبالغ المدفوعة وتحقيق ربح من إعادة بيع غير الموفقين، كمخرج ومسار مثالي للمشروع.
لكن لا يُخفى على أحد، أن الدلائل تُشير إلى عدم وصول هؤلاء اللاعبين للمستوى المطلوب. وما زاد الطين بلة، أن القيمة السوقية للأغلبية منهم، لم تأخذ مسارها المتوقع، كأن الريال أقحم نفسه في طريق وعر ولم يعد قادرا على الخروج منه، في ظل وجود زيدان، الذي على ما يبدو، أنه أقسم على الولاء للحرس القديم، بتفضيلهم على اللاعبين الشباب، إلا في استثناءات نادرة، كما فعل مع مارسيلو، بتثبيت فيرلاند ميندي في التشكيلة الأساسية، أما باقي أفراد المشروع الشاب، إما يعانون من أزمة ثقة مع المدرب، لحصولهم على دقائق لعب قليلة، أو انفجرت موهبتهم بعد بيعهم لأندية أخرى، أبرزهم ثيو هيرنانديز، الذي تحّول إلى واحد من أفضل لاعبي العالم في مركزه كظهير أيسر مع ميلان الايطالي، ومثله سيرخيو ريغيلون مع توتنهام الانكليزي، ناهيك عن الطفرة التي يعيشها أشرف حكيمي مع الإنتر الايطالي، وعودة لوكا يوفيتش إلى الحياة، بمجرد إرساله إلى ناديه الألماني السابق على سبيل الإعارة، حتى أنه عادل سجله التهديفي مع الريال على مدار 18 شهرا في 20 دقيقة فقط في ظهوره الأول مع فرانكفورت أمام شالكه في البوندسليغا، دليلا على المشكلة التي يواجهها زيدان، للوصول إلى التوليفة السحرية بين المواهب الشابة وبين المخضرمين، الذين ساهموا في نجاحاته العظيمة، خصوصا في ولايته الأولى في وجود المدمر كريستيانو رونالدو.

كلمة السر

يبقى نموذج أوديغارد، أكبر دليل على انهيار مشروع بيريز الاستثماري في الشباب، كيف لا وهو الصفقة الافتتاحية لهذا المشروع، ومع ذلك، لم يحصل على فرصته لتقديم أوراق اعتماده، كلاعب ساحر بإمكانه خلافة لوكا مودريتش في المستقبل، رغم تطور مستواه في إعارته قبل الأخيرة مع ريال سوسييداد، لكنه واجه مصير أسلافه ماركو يورينتي وريغيلون وكوفاسيتش وباقي الضحايا، الذين وجدوا صعوبة في منافسة ما تبقى من جيل «العاشرة»، كلوكا مودريتش، الذي ما زال يؤدي في الملعب، كما لو أنه في أواخر العشرينات وليس على حافة النصف الثاني في عقد الثلاثينات من عمره، بفضل البرنامج الغذائي والتدريبي الصارم، الذي اتبعه في الشهور الماضية، ليظهر بالصورة الخيالية التي يبدو عليها، خاصة في المباريات الفارقة في مسيرة زيدان مع النادي، على غرار توهجه ليلة قهر الغريم برشلونة بثلاثية مقابل هدف في «كامب نو»، منها هدف خرافي من توقيعه، وبالمثل، لا أحد يتجرأ على منافسة مهندس الوسط توني كروس، الذي يصنف على أنه واحد من أفضل الممررين في التاريخ، للدقة الغريبة في تمريراته، على طريقة مايسترو برشلونة القديم تشافي هيرنانديز، وهو الآخر لا يزال في ذروة مسيرته الاحترافية. وما زاد الطين بلة، وعقد موقف أوديغارد في النصف الأول من الموسم، ثقة المدرب المفرطة في لوكاس فاسكيز على الرواق الأيمن. وفي نفس الوقت، كان يطبق مبدأ المداورة بين ماركو أسينسيو وإيسكو، ولا ننسى، أن المدرب لم يكن يفوت أي فرصة للدفع بإيدين هازارد، كلما كان جاهزا لركل الكرة، ورغم ظهور الأخير بمستوى لا يُقارن بالنسخة التي كان عليها مع تشلسي، إلا أن زيدان، كان وما زال يتقمص دور المحامي عن النجم البلجيكي، ربما لأنه يستحق الصبر باعتباره صفقة مكلفة، مقارنة بالشاب الدنماركي، الذي تعرض لعملية «اغتيال معنوي» من قبل مدربه الفرنسي، أولا بقطع إعارته الناجحة في الإقليم الباسكي، ثم بإخراجه من الحسابات، تارة بالجلوس على مقاعد البدلاء من دون استخدامه، وتارة أخرى، باستبعاده من قائمة الـ18 لاعباً، ما يعكس قيمته بالنسبة للمدرب، مقارنة بالكبار ومن كلف الخزينة ملايين طائلة.

قصة حزينة

الأمر المحير بالنسبة لعشاق النادي الميرينغي، أن أوديغارد عاد الصيف الماضي، بثوب اللاعب النجم، لا سيما بعد انفجار موهبته مع سوسييداد، بإنهاء الموسم الأول من الإعارة، في المركز الثاني ضمن أفضل 10 لاعبين من المساهمين بالأهداف، وصناعة الفرص والتمريرات الحاسمة والمراوغات الناجحة في الثلث الأخير من الملعب، وهذا ما جعل زيدان يأمر باستدعائه، كحل سهل وسريع للتغلب على السياسة التقشفية، التي فرضتها ظروف كورونا، وحرمت النادي من إبرام صفقة جديدة للمرة الأولى منذ عقود. والغريب بحق، أن زيزو دفع به في بداية الموسم، لكن بمجرد أن تعرض للإصابة التي أبعدته 10 مباريات، خسر مكانه في التشكيلة الأساسية وترتيبه بين لاعبي الوسط، حتى بعد تعافيه وعودته للحالة البدنية التي كان عليها قبل الانتكاسة، ولم يتمكن من شق طريقه مرة أخرى، رغم حاجة الفريق للاعب مبدع بإمكانه إعطاء حلول جديدة لكريم بنزيما وباقي المهاجمين، بدلا من الرهان على فكرة الانتصار بهدف نظيف، التي ساهمت بشكل أو بآخر في حصول الريال على لقب الليغا بعد استئناف النشاط، لكن كما كان متوقعاً، واجه الفريق صعوبة للحفاظ على سلسلة انتصاراته بفارق هدف، وبالتبعية، استمر صداع نقص الفاعلية الهجومية منذ رحيل كريستيانو رونالدو، الذي سجل بمفرده 87 هدفا بقميص اليوفي، أكثر مما سجله أسينسيو ورودريغيو وأسينسيو وفاسكيز ويوفيتش وماريانو وبيل وخاميس ورودريغيز مجتمعين، حيث سجل جميعهم 78 هدفا، والاستثناء في بنزيما، الذي حفظ ماء وجه الهجوم المدريدي بـ72 هدفا في آخر عامين ونصف العام.

سيناريو معقد

مع استمرار مودريتش وكروس وبنزيما والبقية لموسم آخر، وهو السيناريو المتوقع، خاصة إذا حافظ زيدان على وظيفته ليومه الأخير في العقد، فلن يتغير الريال ولا وضعه الحالي كثيرا الموسم المقبل، إلى جانب ذلك، سيتعقد موقف الشباب أكثر من أي وقت مضى، وقد تكون رصاصة الرحمة الأخيرة لمشروع بيريز الاستثماري في الشباب، لصعوبة تغير أو تحسن وضع لاعبين مثل أوديغارد أو يوفيتش في وجود أصحاب الخبرات وقبلهم زيدان، حتى ريغيلون أو ثيو هيرنانديز، ستتقلص فرصهما في العودة، بموجب بند «حق إعادة الشراء»، وذلك لوجود ميندي وقريبا سيكون معه ديفيد ألابا في مركز الظهير الأيسر، وهنا سيكون آرسنال الرابح الأكبر بعد فرانكفورت، الذي تحسن هجومه كثيرا بعد إعادة مهاجمه الصربي على سبيل الإعارة، وذلك لحاجة المدرب ميكيل آرتيتا الماسة، للاعب بنفس مواصفات ضحية زيدان، يُجيد اللعب في مركز (رقم 8) وأحيانا (10)، بخلاف قدرته على الانطلاق من على الأطراف، آملا في أن يتقمص دور «منقذ» المرحلة الانتقالية، أمام توماس بارتي أو محمد النني وخلف قلب الهجوم، ليعطي الإضافة التي يفتقدها المدفعجية في الثلث الأخير من الملعب، بحلوله الإبداعية، التي تظهر عادة في المواقف الصعبة والمساحات الضيقة، حيث تظهر براعته في المراوغة وبعثرة المدافعين، وأهم من هذا وذاك، حُسن تصرفه بالكرة، باختيار الوقت المناسب لدس سمومه في دفاعات المنافسين، وإذا فعلها وأحدث طفرة في هجوم المدفعجية مع أوباميانغ وساكا وباقي الرفاق، ستكون صفعة مؤلمة جديدة لزيدان، وتهديد حقيقي لانهيار سياسة ريال مدريد مع الشباب، إلا إذا دفع زيزو الثمن، بالاستغناء عنه في منتصف الموسم، في حال صدقت التقارير التي تجمع على أن مواجهة أتالانتا في ثمن نهائي دوري الأبطال ستكون فرصته الأخيرة للنجاة من الموج العالي المطالب بإقالته، أو في نهاية الموسم على أقصى تقدير، لإفساح المجال أمام مدرب بأفكار تتماشى مع المشروع الشاب، أو يلجأ الرئيس للخيار الثاني، بالعودة إلى سياسته القديمة، بشراء النجوم القادرة على تحقيق تطلعات الجماهير بأثر فوري، بضم كيليان مبابي وصفقة أخرى من الوزن الثقيل إلى جانب المنتظر ألابا. والسؤال الآن: هل يرفع بيريز الراية البيضاء أمام زيدان وخططه التي لا ترتكز على الشباب؟ أم يراجع حساباته إذا سار أوديغارد على نفس نهج يوفيتش وباقي الضحايا؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية