بيروت – «القدس العربي» : في العاشر من الشهر الجاري يُكمل «المطبخ الشعبي» في صيدا عامه الأول. نشاط تضامني وتكافلي شقّ طريقه سنة 2020 في عز الأزمة الإقتصادية والمعيشة. المستفيدون من وجبة ساخنة ظهراً بحدود ال700 من المقيمين في المدينة. العاملون في المطبخ الشعبي متطوعون. المستفيدين من الوجبات يتصلون سائلين المساعدة في تنظيف الأواني أو تحضير مستلزمات الوجبة اليومية. وهذا كان حال «ليلى» التي حضرت ظهراً لمساعدة الشيف بما يحتاجه، بخاصة تنظيف الأواني.
«ليلى» ربة عائلة من سورياً تستفيد من وجبات المطبخ الشعبي منذ سبعة أشهر. تقول «أولادي يحبون جداً الوجبات وبخاصة التي تتضمن الأرز. بدوري آتي متطوعة عندما انجز مهام بيتي باكراً. ومن يمد لك يد العون عليك إعانته.»
تعود سناء دبّاغ المشرفة الإدارية على مستوصف الشهيد رشيد بروم، الذي إنبثق منه المطبخ الشعبي سناء دبّاغ إلى بدايات الفكرة، وبدء العمل في العاشر من شباط 2020، حيث اللحظات الإجتماعية الصعبة. تقول: كثيرون خسروا عملهم ودخل لبنان في مرحلة الإقفال الأول بسبب كورونا. إمتدّت يد العون للمطبخ من قبل الميسورين في صيدا ولبنان وحتى من الخارج. كان الإحساس الإنساني عالي جداً.
تنظر دبّاغ إلى تحديات المستقبل والإستمرارية وتقول: نحن في حال جهوزية دائمة وإبتكار للأفكار لنستمر. مؤخراً اطلقنا صناعة الحلويات وبيعها بأسعار رمزية لمن يرغب دعماً لموازنة المطبخ، ومنها المفتقة والقمحية والمغلي. وجدنا الإقبال جيدا وللمستقبل أفكار أخرى. ورغم عمر مطبخنا الصغير نسبياً فقد قمنا بواجب دعم المتضررين من تفجير الرابع من آب/أغسطس في بيروت، وعلى مدار شهر. فرق المتطوعين من المستفيدين من خدمات المطبخ ساهموا برفع الأنقاض، وتوزيع الوجبات لمن رغب. وهكذا أثبت المستفيدون أنهم ليسوا فقط متلقين للخدمة، بل هم فاعلون حين يدعوهم الواجب الوطني والإنساني.
بالسؤال عن علاقة تجّار صيدا بالمطبخ الشعبي الذي يحتاج المواد الأساسية للطهي تقول سناء دبّاغ: تضامنهم واضح، منهم من يقدّم مساعدة عينية إلى جانب ما المواد التي نشتريها. وفي كل الحالات نتابع عملنا باقتصاد ودون تقصير في المتوجبات الغذائية للمستفيدين من المطبخ. نسير بين السطور بهدف إطالة عمر المطبخ قدر الممكن. الطلب زاد على وجباتنا خلال الإقفال التام الذي نعيشه، ونحن لا نرد سائلاً. المطبخ الشعبي بمتناول كل من يعيشون في صيدا، فلا هوية للعمل الإنساني. عملنا الإنساني والتطوعي بعيد عن الإستعراض وهذا ما يلمسه الشباب الذين ينضمون إلينا.
يفرح الشيف محمد مرعي وهو يتذكر بدايات التأسيس وجمع الأواني الأساسية من الفائض لدى المعارف وأهل الخير «سكين من هون، صينية من هون وهلم جراً».
ويقول لـ»القدس العربي» خلال إعداده لوجبة «رز بدفين»: بدأ المطبخ الشعبي في بيروت خلال الأشهر الأولى من عمر الثورة. كانت الحاجة ماسة لوجبة طعام ساخنة للمعتصمين. تراجع العدد بالتدريج، ولم يعد وجودنا مفيداً. اقترح أحدهم نقل المطبخ الشعبي إلى صيدا، ففي المدينة عائلات تعيش على الكفاف وبصمت. درسنا الفكرة وبدأنا جمع الأواني وأنطلق العمل من مستوصف الشهيد رشيد بروم الذي كان يملك «داتا» عن العائلات المحتاجة، ومن ثمّ جددناها، بالتركيز على سكان صيدا القديمة الأكثر تهميشاً.
لا تغيب عن ذاكرة الشيف محمد مرعي وجبة اليوم الأول. يقول: يوم لا أنساه، كانت الوجبة أرز بالدجاج تكفي لـ120 شخصاً. قصدنا غير المسجلين للحصول على الوجبة. جمعنا مالا من المتطوعين واشترينا بعض الأرز وفروجاً مشوياً وأسرعنا بإعداد كمية اضافية تكفي السائلين.
ومنذ اليوم وإلى الآن وال «داتا» إلى إزدياد، والعدد يتراوح بين الـ700 والـ500 وجبة.
عن نوعيات الوجبات يقول الشيف: في منازلنا نطبخ يوم قاطع «بدون ظفر» ويوم لحمة، نعود للقاطع، ومن ثم الدجاج. «ونحن في الحوار يسأل المتطوعون عن كيفية تقطيع البصل لليوم التالي؟» والشيف يوضح: «جوانح لوجبة داوود باشا». ويشرح: «داوود باشا» وجبة تركية تحتاج لكرات مصنوعة من الكفتة. كلفتها كبيرة وكذلك زمن تحضيرها، لهذا نصنعها من اللحمة المفرومة، وهي تتمتع بالطعم نفسه. نحن مضطرون للإقتصاد والتدبير للتمكن من الإستمرار أطول فترة ممكنة.
كيف يضبط الشيف محمد الكمية المطلوبة لـ700 وجبة؟ يقول: إنها مهنتي وسبق وعملت في تحضير وجبات لـ500 شخص في المطاعم. لدينا حجم لوجبة تكفي شخص. والمنتمون للمطبخ الشعبي يأتون بأوعيتهم من منازلهم. نخبرهم عبر المجموعة الخاصة بنا على «واتس أب» عن نوع الطبخة قبل يومين، وهم يسجلون أسماءهم. وبناء عليه نعرف عدد الوجبات المطلوبة مسبقاً. وهكذا تكون الوجبة يومياً «راس براس».
فرِحٌ الشيف محمد بعمل التطوعي. ومنه يحصل على وجبة عائلته اليومية. يلتزم بعمل صباحي مبكر في احد مطاعم صيدا، بعده يقصد المطبخ الشعبي الذي يحتاج بين ساعتين وخمس ساعات يومياً، وتبعاً لعدد المتطوعين اليومي الذي لا ينقص عن خمسة ولا يزيد عن عشرين. وعندما يتناقص عدد المتطوعين شتاء بسبب الدراسة اختار وجبات يلزمها تحضير أقل.
حين أنهت فاطمة عملها في المستوصف انضمت إلى زميلين لها لتحضير وجبة اليوم التالي. أحمد ومصطفى كانا يقشران البصل وهي تقطعه «جوانح». تقول فاطمة بأنها امضت أكثر من نصف عمرها متطوعة. هذا النوع من العمل يبدِّل العلاقة بالذات. التطوع عطاء دون مقابل، وعطاء لمن لا نعرفهم. وتقول مستغربة: في منزلي بصلة واحدة تبكيني، و20 كيلو بصل اقطعه في المطبخ الشعبي دون أي أثر سلبي. فيما أحمد «الذي يقصد المطبخ الشعبي فور انتهاء عمله» أنه لم يقطّع البصل يوماً في منزله، لكنه مقتنع بما يقوم به في المطبخ الشعبي ولا تؤذيه رائحة البصل. وتعلق فاطمة «بدون التطوع يستحيل متابعة عمل المطبخ». ويضحك مصطفى قائلاً: لم يسبق أن ساعدت زوجتي بأي مهمة في المطبخ، إنما التطوع بدّل حياتي.
علاء غُربي من جيل الشباب المتطوعين يرى مهمته في اعداد الطعام امراً طبيعياً نظراً لحاجة الناس لخدمات المطبخ الشعبي. المطبخ بحد ذاته «لا يستهويني والتطوع جعله عملاً عادياً». وقال: فكرة العمل الجمْعي، وأن نكون إلى جانب المحتاجين للمساندة، تؤدي إلى تقييم مختلف للأمور التي تواجهنا في الحياة. ففي المطبخ الشعبي أقشر واقطع شوال بصل. كذلك تغيرت نظرتي لمهام المرأة في المطبخ وبخاصة والدتي.
معلومات:
• تحتاج 700 وجبة مع الأرز ل 70 كيلو أرز.
• كيلو الأرز يحتاج لكيلو ونصف من الماء.
• في المطبخ الشعبي الطلب كبير على كبسة اللحمة أو الدجاج، والأرز على دجاج والمغربية.
• يحرص الشيف على تغنيج منتظري وجباته مرتين أسبوعياً.
• ممنوع التقاط الصور خلال توزيع الوجبات.
• يحضر المستفيدون وفق مواعيد تلافياً للإكتظاظ ووقاية من كورونا ويدخلون بعد قياس الحرارة.
• يراعي الشيف محمد الشروط الصحية من تخفيف للزيوت والملح. ويؤكد: طعامي أكيد صحي.
