تصاعدت الحرب الكلامية بين البلدين بعد ان استعاد الجيش السوداني السيطرة على مستوطنة إثيوبية داخل الحدود السودانية بعد اشتباكات مع قوات وميليشيات إثيوبية بالفشقة الصغرى.
الخرطوم ـ «القدس العربي»: يصل الخرطوم اليوم وفد رفيع من الاتحاد الأوروبي بغرض التوسط بين السودان وإثيوبيا في قضية الحدود وسد النهضة، بعد ان تصاعدت الحرب الكلامية بشكل حاد بين البلدين يومي الخميس والجمعة الماضيين، حيث تحدت الخرطوم أديس أبابا «إن كان باستطاعتها أن تُثبت للعالم أن السودان قد أخذ شبراً من أراضيها وان تأتي به ان كانت تريد حل القضية سلميا» وذلك على لسان وزير الخارجية المكلف عمر قمر الدين الذي اتهم إثيوبيا ببث اتهامات غير صحيحة، إثر تصريحات السفير الإثيوبي في الخرطوم اتهم السودان بغزو بلاده، وقال للتلفزيون الإثيوبي من مقر إقامته الحالية في أديس أبابا «إن غزو السودان لأراضي إثيوبيا يُعتبر خطأً تاريخيا من حيث الأخلاق والقانون» وهي التصريحات التي اعتبرها رئيس مفوضية الحدود دكتور معاذ تنقو «غير مسؤولة ومضللة للرأي العام ولا تخدم الأمن والتعايش السلمي الإقليمي بين البلدين». كل ذلك صبيحة استرداد السودان لمساحة كانت إثيوبيا تقيم بها مستوطنة بعد اشتباكات عنيفة قتل فيها جندي سوداني وجرح 9 آخرون.
وكشفت وكالة السودان الرسمية للأنباء عن وصول وفد من الاتحاد الأوروبي في زيارة رسمية للبلاد تستغرق يومين، وقالت «إن الزيارة تأتي لمعرفة ما يدور في الحدود السودانية الإثيوبية والدعوة للتوصل للحل السلمي بين السودان وإثيوبيا وسيتم النقاش حول القضايا الحدودية وقضية سد النهضة على ان يقوم الوفد في التاسع من فبراير الجاري بزيارة لإثيوبيا لذات الموضوع».
وأشارت مصادر صحافية متطابقة ان الوفد يقوده مفوّض الاتحاد الأوروبي وزير الخارجية الفنلندي باكو هافيستو ومبعوثه للقرن الأفريقي اليوناني ألكساندر روندوس و7 خبراء في الأمن المائي وحل النزاعات والقرن الأفريقي للتوسط بين السودان وإثيوبيا في أزمتي الحدود وسد النهضة.
ويلتقي وفد الاتحاد الأوروبي مسؤولين حكوميين في الخرطوم كما يجري مناقشات مع مهتمين ومحللين وخبراء في الشأن الإثيوبي والأفريقي.
وأفادت الخرطوم في وقت سابق أنها ستلجأ لوسطاء أكثر قوة ونفوذا للضغط على إثيوبيا بخصوص سد النهضة الذي تبنيه على بعد 20 كلم من حدود السودان حيث يطالب الأخير بتوقيع اتفاق ملزم للملء والتشغيل قبل البدء في الملء الثاني في تموز/يوليو المقبل.
يذكر أن وزير الخارجية الفنلندي باكو هافيستو تم تفويضه في الفترة السابقة من الدول الأوروبية للتوقيع على الوثيقة الدستورية بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري في اب/أغسطس 2019 كما شغل باكو هافيستو في وقت سابق منصب مبعوث الاتحاد الأوروبي لدارفور.
يأتي ذلك بعد تصاعد حرب كلامية بين البلدين بعد مناوشات عسكرية على الحدود، اتهم خلالها وزير الخارجية عمر قمر الدين، الخميس الماضي، أديس أبابا، بـ «بث اتهامات غير صحيحة في وسائل الإعلام».
وقال في تصريحات إعلامية «إن الحكومة السودانية تتحدى إثيوبيا إن كان باستطاعتها أن تُثبت للعالم أن السودان قد أخذ شبراً واحداً من أراضيها» مؤكداً «على رغبة السودان في حل النزاع سلمياً».
كما تساءل قمر الدين قائلاً، «إن كانت إثيوبيا – شأنها كشأن السودان – تنوي حل النزاع سلمياً، فلماذا لا تأتي بأدلتها وما يثبت دعاواها أنها تملك جزءا من أراضي السودان؟» وشدد على «أن السودان قادر ومستعد لتخطيط الحدود غداً».
جاء ذلك كله ردا على اتهام السفير الإثيوبي لدى الخرطوم، يبلطا اميرو، السودان بغزو الأراضي الإثيوبية، عندما قال للتلفزيون الإثيوبي أن: «السودان غزا أراضي إثيوبيا وانتهك اتفاق الحدود المبرم بين الحكومتين في العام 1972» مؤكدا أن هذا تسبّب في وقوع أضرار بالمُمتلكات العامة للمزارعين وأرواح المواطنين.
وأكد السفير الإثيوبي أن بلاده ستمارس حقها القانوني في الدفاع عن النفس، حال لم ينسحب السودان ويتراجع عن عدوانه، على حد تعبيره. ليأتي الرد السوداني سريعا عبر رئيس المفوضية القومية للحدود السودانية، معاذ تنقو في، الذي قال في تصريحات لموقع صحيفة «السوداني» إن: «حدود الدول تحكمها معاهدات دولية والتزامات رؤساء دول ووزراء خارجية، وليس من بينهم سفراء أو دبلوماسيون». في وقت قال فيه مصدر عسكري سوداني رفيع لـ»القدس العربي» إن «السفير الإثيوبي في الخرطوم أحد أسباب تأجيج المشكلة بين البلدين، فهو يفضل مصلحته الشخصية ومصلحة حزبه (الحركة الديمقراطية لقومية أمهرا) إذ لديهما استثمارات بمليارات الدولارات في أراضي السودان المغتصبة قبل تحريرها، وكانوا يستأثرون بها هو وقادة الحزب ومن بينهم نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الحالي يميك ميكونين. وهم لا ينظرون للعلاقة بين شعبي البلدين وفي سبيل مصالحهم الضيقة يريدون جر المنطقة لحرب لا يستفيد منها الشعب الإثيوبي ولا الأمهرا أنفسهم». وتابع قائلا «السفير الإثيوبي الحالي وشريكه وزير الخارجية ظلا في مفوضية ترسيم الحدود المشتركة بين البلدين لنحو عشر سنوات، يماطلان بطريقة عجيبة عملية ترسيم الحدود رغم إقرار رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هايلاي مريم ديسالين بخط الحدود لكنهما ضغطا عليه وتراجع عن المذكرة التي وقع عليها، ويجب ان يعلم الشعب الإثيوبي ان هؤلاء يدفعونهم لتحطيم صداقة بين الشعبين استمرت لعقود وعهود طويلة».
ووفق مصادر عسكرية قالت لـ»سودان تربيون» إن الجيش تمكن من السيطرة مجددا على مستوطنة «ملكامو» الإثيوبية والمشيدة بمحلية القريشة بالفشقة الصغرى المحاذية للشريط الحدودي تجاه إقليم الأمهرا الإثيوبي، وأضافت «احتسب الجيش قتيل وأصيب 8 آخرين».
وكانت القوات السودانية استعادت ذات المستوطنة أواخر كانون الأول/ديسمبر الماضي خلال احتدام المعارك على الحدود وغادرت المنطقة بعد طرد القوات الإثيوبية، إلا أن الأخيرة عادت من جديد وتمركزت فيها حتى استعادها الجيش السوداني مجددا الخميس. وتقع مستوطنة «ملكامو» داخل الأراضي السودانية شرق بركة نورين من جهة نهر عطبرة وتبعد حوالي 8 كلم عن الحدود الإثيوبية.
وكان عضو مجلس السيادة السوداني محمد الفكي سليمان قال في تصريحات سابقة إن إثيوبيا وميليشياتها يحتلون 17 نقطة داخل الحدود السودانية. وحسب مصادر عسكرية فإنه بعد السيطرة على مستوطنة ملكامو تبقت أمام الجيش السوداني خمس أخريات ما زالت في قبضة الميليشيات الإثيوبية وهي اشاقر، ملس، ارقاء ام باشا بجانب مستوطنة ال للي.
وتحتل الميليشيات الإثيوبية 50 ألف فدان من المساحات المزروعة من محصول الذرة والقطن داخل الأراضي السودانية.
فيما تواصلت جولات حكومة السودان المكوكية لشرح الوضع على الحدود بين السودان وإثيوبيا، حيث عاد إلى الخرطوم صباح الجمعة عضو مجلس السيادة الانتقالي محمد حسن التعايشي بعد زيارة رسمية لكينيا استغرقت ثلاثة أيام، ضمن سلسلة جولات لمسؤولين سودانيين لتنوير دول المنطقة بأزمة الحدود مع إثيوبيا.
وقال المدير التنفيذي بوزارة الخارجية السفير إبراهيم بشرى والذي رافق التعايشي، في تصريح صحافي إن عضو مجلس السيادة سلم الرئيس الكيني أهورو كينياتا رسالة خطية من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان تتصل بالعلاقات الثنائية.
وأكد أن التعايشي قدم للرئيس الكيني شرحاً حول موقف السودان من قضية سد النهضة وقضية الحدود الشرقية مع إثيوبيا في أعقاب انتشار القوات المسلحة السودانية داخل الأراضي السودانية.
وأشار إلى تأكيد الرئيس الكيني على أهمية معالجة قضايا القارة داخل البيت الأفريقي واستعداد كينيا الدائم لدعم ومساندة السودان على كل المستويات الإقليمية والدولية.
فيما انهى عضو مجلس السيادة الفريق ياسر العطا مطلع الأسبوع الماضي زيارة مماثلة لدولة جيبوتي التقى خلالها الرئيس عمر قيله ورئيس الأركان لجيش جيبوتي زكريا شيخ ابراهيم أكد خلالها الحرص على تعزيز العلاقات مع إثيوبيا، وشدد في الوقت نفسه على عدم التفريط في شبر من الأراضي السودانية، بحسب ما نقل عنه إعلام مجلس السيادة في تعميم صحافي «إن السودان حريص على تعزيز علاقاته الثنائية مع إثيوبيا باعتبارها دولة جارة وصديقة» وأضاف: «الحدود تم ترسيمها، والسودان يملك كافة الوثائق التي تؤكد ذلك والمودعة لدى المؤسسات والمنظمات الدولية والإقليمية». وأعرب عن ثقته بعدم نشوب حرب بين السودان وإثيوبيا لإيمانه بالحل السلمي.
وتشهد العلاقات بين السودان وإثيوبيا توترا لافتا بعد أن أعاد الجيش السوداني في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي انتشاره وتمركزه في مناطق الفشقة على الحدود الشرقية لأول مرة منذ عام 1995 وقال لاحقا إنه استرد هذه المساحات من قوات إثيوبية.