نيويورك ـ «القدس العربي»: في آخر عمل لها قبل الاستقالة من منصبها كمبعوثة للأمين العام لليبيا بالإنابة، وتسلم المبعوث الخاص الجديد يان كوبتش، أعلنت ستيفاني ويليامز، أن ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف قد توصل بعد خمسة أيام من الحوار إلى اتفاق عن طريق الانتخابات حول قيادات المرحلة الانتخابية. فبعد الجولة الثانية، انتخبت قائمة محمد يونس المنفي للمجلس الرئاسي حيث سيرأس المنفي المجلس يساعده النائبان موسى الكوني وعبد الله حسين اللافي، إضافة إلى عبد الحميد محمد دبيبه رئيس الوزراء. وستعطى هذه التوليفة 21 يوما لتشكيل الحكومة المؤقتة والتي ستقود مسيرة الشعب الليبي لغاية أن توصله للانتخابات الشاملة يوم 24 كانون الأول/ديسمبر المقبل. ومن الملاحظ أن قائمة عقيلة صالح، رئيس البرلمان الليبي ومقره طبرق، المرشح لرئاسة المجلس الرئاسي ومعه في نفس القائمة فتحي علي عبد السلام باشاغا، وزير الداخلية السابق، المرشح لمنصب رئيس الوزراء، لم تحصل إلا على 34 صوتا مقابل 39 صوتا للقائمة الفائزة. وبهذا يثبت الليبيون أنهم تعالوا على خلافاتهم وانتصروا لليبيا الموحدة. وهذا ما كنت أردده في كل مداخلاتي عن الوضع الليبي بعد أن عملت على ملفات ليبية لمدة سبع سنوات، بأن الشعب الليبي قريب جدا من بعضه البعض إذا ما تركوا لوحدهم دون تدخل خارجي. وكما قالت ويليامز في إعلانها عن القائمة مخاطبة الشعب الليبي وممثليه في الاجتماع: «قد تغلبتم على خلافاتكم وانقساماتكم والتحديات العديدة التي واجهتموها خلال هذه الرحلة الصعبة ولكن المثمرة، لصالح بلدكم والشعب الليبي. لقد تفهمت عبء مسؤوليتكم والقيمة الهائلة لمساهماتكم. لقد أوفيتم بالتزاماتكم أمام جماهيركم. سيتذكر أبناء بلدكم لسنوات عديدة قادمة هذا الضمير الوطني الذي أظهرتموه باقتدار. لقد كان رهاننا أنكم ستكونون قادرين على التوصل لحلول ليبية حقيقية. وهذا ما فعلتموه».
المهمات العاجلة
بعد تشكيل الحكومة الانتقالية يتم عرضها على مجلس النواب للمصادقة عليها وإن تعذر ذلك فيعود الأمر إلى ملتقى الحوار السياسي الليبي بأعضائه الخمسة والسبعين للحسم. تنتقل بعدها الحكومة التنفيذية الانتقالية لأداء المهمات العاجلة التالية:
أولا: تثبيت وحدة الشعب الليبي في كل مكان والتعامل مع ليبيا لا على أساس ثلاث مناطق بل على وطن واحد، همه واحد وآماله واحدة وتوجهاته نحو الخروج من المأساة واحدة. كل عضو في الحكومة الليبية مدعو أن يمثل مطالب الشعب كله لا جهة بعينها. وعلى الآلية الجديدة وهي تعمل على ملء المناصب السياسية الأخرى أن تأخذ بعين الاعتبار الكفاءة والتنوع وإدماج الشباب والمرأة.
ثانيا: التمسك بخريطة الطريق التي ثبتها الملتقى الليبي والتي تسير خطوة خطوة باتجاه انتخابات 24 كانون الأول/ديسمبر المقبل. وعليها أن تدعم لجنة الانتخابات المستقلة في عملها وهي تحضر للانتخابات.
ثالثا: على الحكومة الانتقالية أن تدعم اتفاق وقف إطلاق الذي أقرته اللجنة العسكرية 5+5 في جنيف في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. إن وقف إطلاق النار هو الاختبار الحقيقي لكافة الأطراف لإشاعة جو من الأمن والطمأنينة لكافة المواطنين الليبيين كي تبدأ عملية التفاعل الحقيقي بين مكونات الشعب وخاصة حرية التنقل من أي مكان في ليبيا وهذا يتطلب تأمين المواصلات البرية والجوية في كافة أنحاء البلاد.
رابعا: الشعب الليبي بحاجة إلى طي سنوات الصراع والتوجه بشكل نحو المستقبل بروح من التسامح والعفو وإغلاق صفحات كثيرة من التحريض والتخوين والتهديد. إن حوارات المصالحة الوطنية من شأنها أن تكون الضامن الحقيقي لتثبيت واستدامة كافة المخرجات المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي ومن بينها إقرار دستور دائم للبلاد. إن المصالحة الوطنية لا تعني عدم تحقيق العدالة ضد من ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وقصف المدن والمطارات والموانئ والأحياء السكنية والمدارس والمستشفيات وارتكب مجازر جماعية تمثلت في تلك المقابر الجماعية في مدينة ترهونة وغيرها.
خامسا: العمل وبسرعة على توحيد المؤسسات السيادية وخاصة البنك المركزي ومؤسسة النفط. النفط هو عصب الاقتصاد الليبي وبدون تفعيل عملية استخراجه وتصديره سيبقى الاقتصاد متعثرا ينعكس على معاناة الناس وهو ما سيضعف من شرعية الحكومة الانتقالية.
سادسا: الضغط على المجتمع الدولي لإعادة النظر في نظام العقوبات لوقف تآكل الأموال الليبية المجمدة في المصارف الغربية ومعالجة ما أصابها من ضرر وتمكين المؤسسة الليبية للاستثمار من إدارة الأموال والأصول حتى دون رفع التجميد عنها، كما قال السفير الليبي، طاهر السني أمام مجلس الأمن في جلسته الخميس 28 كانون الثاني/يناير التي خصصت لمناقشة الشأن الليبي. وحذر السني قائلا: «لن نقف مكتوفي الأيدي أمام محاولات بعض الدول المساس بهذه الأموال كما حدث مؤخرا من قبل بعض مؤسسات الحكومة البلجيكية في محاولة منها لحجز 14 مليار يورو من أموال ليبيا السيادية ووضع اليد على قرابة خمسين مليون دولار كتعويضات لقضايا حكومية. ونحمل هذا المجلس مسؤولية الوقوف أمام هذا الانتهاك الخطير وبشكل حازم”.
سابعا: التوجه إلى مجلس الأمن الدولي لاعتماد قرار يرحب بالاتفاقات الأخيرة، والأهم من ذلك إقرار إرسال مجموعة مراقبين دوليين لمراقبة وقف إطلاق النار ومساعدة الحكومة الليبية الانتقالية في أداء عملها وبسط سلطتها على كافة الأراضي الليبية.
تخطي حقول الألغام العديدة
وما دام ممثلو الشعب الليبي قد تجاوزا عقدة الحكومة الانتقالية، على أهميتها، نود أن نذكر بأهم المطبات التي تعترض عمل هذه الحكومة من الآن ولغاية فرز نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية في 24 كانون الأول/ديسمبر المقبل.
أولا: انقضت فترة التسعين يوما التي أقرتها لجنة 5+5 دون أن يخرج أحد من المرتزقة الذين يقدر عددهم بعشرين ألفا. هل سيخرج مرتزقة فاغنر المدعومين من روسيا؟ هل ستتعاون تركيا مع الحكومة الجديدة في تخفيف الوجود التركي كي تطمئن الآخرين أنها ليست لها مطامع في ليبيا لكنها دخلت بناء على طلب من الحكومة الشرعية والآن هناك حكومية شرعية أخرى تطالب بانسحاب جل القوات التركية إن لم يكن كلها. وماذا عن الميليشيات السودانية والتشادية وغيرها التي جندتها الإمارات لدعم قوات حفتر؟ هل ستتمكن الحكومة الانتقالية من إخراجهم من البلاد؟ لقد أعربت ويليامز في آخر مداخلة لها أمام مجلس الأمن يوم الخميس 28 كانون الثاني/يناير الماضي عن قلقها لاستمرار تشييد التحصينات والمواقع الدفاعية من قبل «القوات المسلحة العربية الليبية» التابعة للجنرال حفتر، داخل قاعدة القرضابية الجوية في سرت وعلى طول محور سرت-الجفرة في وسط ليبيا. كما عبرت عن قلقها من استمرار «أنشطة الشحن الجوي مع وصول الرحلات الجوية إلى المنطقة الغربية لليبيا والقواعد العسكرية والقواعد الجوية التابعة لحكومة الوفاق الوطني». فهل التزوّد بالمزيد من السلاح والعتاد ينسجم مع روح الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بين الأطراف الليبية منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي ولغاية الآن؟
ثانيا: الخطر الحقيقي والمهم هو موقف الجنرال خليفة حفتر، والذي يسيطر على جزء هام من الجيش العربي الليبي والمدعوم من مصر والإمارات وروسيا، هل سيقبل بهذا الاتفاق؟ هل سيتعاون في مسألة إخراج المرتزقة وهل سيقبل بتوحيد الجيش في كل أنحاء ليبيا تحت قيادة جديدة وقد تكون مدنية؟ وهل سيتعاون في مسألة تسليم المطلوبين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟ وهل سيتعاون في مسألة التحقيق في من ارتكب مثل تلك الجرائم ومن أهمها المقابر الجماعية؟
ثالثا: تدخلات بعض القوى الإقليمية التي استثمرت مليارات الدولارات على الميليشيات ودعمت انشقاق الجنرال حفتر وراهنت عليه وزودته بالمال والسلاح. هل فعلا ستتوقف هذه الدول عن التدخل في الشأن الليبي وتقبل إخراجها تماما من المعادلة الليبية؟
رابعا: نزع سلاح الميليشيات الليبية ودمجها في قوات الجيش الموحد وقوات الأمن والشرطة. وهذه المهمة لم تستطع أي من القيادات الليبية بعد ثورة شباط/فبراير 2011 إنجازها.
الكرة الآن في الملعب الليبي وعلى الحكومة الانتقالية أن تستثمر هذه الأجواء الإيجابية لتثبيت كل هذه الإنجازات التي تحققت في الشهور الأربعة الأخيرة والتي قد تطوي سنوات النزاع إذا ما أحسن الليبيون إدارة المرحلة الانتقالية بدعم من المجتمع الدولي وكف الأيدي العابثة في الشأن الليبي.