ابن سينا مُمسرحا

للمسرح أدوار عديدة، فعلاوة على وظيفته النقدية التي تتجلى أساسا في مساءلة الواقع ومحاولة تجاوزه، نجد أن له وظيفة تربوية، لاسيما إذا ارتبطت موضوعاته بمعالجة الاختلالات وتمرير القيم. ومن هنا، يمكن الإشارة إلى ما يلعبه مسرح الطفل في علاج مجموعة من الظواهر المؤرقة التي باتت تنخر أذهان الأطفال، ومنها: هيمنة الوسائل الإلكترونية والإقامة فيها، مع ما يرافق ذلك من إهمال للكتاب وأدواره. وفي هذا السياق، تتجلى أهمية الكتابة المسرحية، خصوصا تلك المنشغلة بقضايا المجتمع وهمومه.

ابن سينا والمدينة الإلكترونية

يحتفي كتيب «ابن سينا في المدينة الإلكترونية» للكاتب المغربي سعيد موزون، بشخصية ابن سينا باعتبارها شخصية تاريخية قادمة من القرن الرابع للهجرة، لتجد نفسها بالصدفة أمام كائنات إلكترونية متغولة، غازية، مستحوذة على عقول المتعلمين. ويمكن اختزال فحوى المسرحية، التي تتكون من مشهدين، يتضمنان سبع عشرة شخصية في ذلك الصراع الدائر بين الكتاب والوسائل الإلكترونية، التي استحوذت على الإنسان. وأمام تغول تلك الوسائل، تنبري شخصية ابن سينا الآتية من كبد التاريخ، إذ يصورها النص المسرحي باعتبارها شخصية منقذة، شافية من هيمنة سكان المدينة الإلكترونية، وهم: الفيسبوك، الواتساب، اللوحة الإلكترونية، الهاتف النقال، التويتر، والتلفزيون. تسخر هذه الشخصيات الإلكترونية من ابن سينا والكتاب، ينتهي الأمر بسجنهما، يحاول الكتاب تخليص ابن سينا، يُربط هو الآخر بحبل، إنه اعتقال مقرون بعدم إفساد مملكة تلك الكائنات الإلكترونية. يقول الهاتف النقال مجيبا عن سؤال طرحه الواتساب:
ـ «إنه الكتاب المهجور، جاء ليفسد منظر مدينتنا الإلكترونية».
في المشهد الثاني من النص المسرحي الذي يبدأ بدخول ابن سينا والكتاب إلى السجن، يكتشفان أن خطبا ما وقع للشخصيات الإلكترونية. يدخل التلاميذ مسرح الأحداث، وبعد تشاور للتفكير في كيفية تجاوز الكسل الناجم عن الإقامة في المدينة الإلكترونية، يتم التفكير في الطبيب ابن سينا.
« التلميذ 1: ماذا سنفعل لمرضنا المزمن هذا يا أصدقاء؟
التلميذ 3: أتقصد مرض الكسل؟
التلميذ 4: لقد سمعنا عن مجيء طبيب يقال له ابن سينا.. ما رأيكم أن نستنصحه في الأمر؟
التلميذ 2: أهو من الألفية الثالثة؟
التلميذ 3: لا إنه من كبد التاريخ».
بعد تجمهر الجميع حول ابن سينا، يكتشف القارئ أنه يوجه للكائنات الإلكترونية رسالة تعلي من شأن الكتاب، وتدعو إلى الاهتمام به، ولعل اختيار الكاتب المسرحي لكتاب «الشفاء» للتمثيل به، علاوة على اعتباره شخصية داخل النص المسرحي له أكثر من دلالة. كما أن انتهاء المشهد الثاني برحيل ابن سينا وتصالح تلك الكائنات الإلكترونية مع الكتاب، يجعل القارئ يستشف الغاية من كتابة هذا النص المسرحي.

ابن سينا بين النص والعرض

يكتب سعيد موزون بعين المخرج، ذلك أن نصه المسرحي مؤثث بشكل افتراضي يجعل القارئ يعيش العرض المسرحي داخل النص المسرحي. ثمة خشبة مؤثثة وديكور وشخصيات تتبادل الأدوار فوق ركح افتراضي، ولعل ذلك ما يسهم في تحقيق «التلقي المسرحي». يمكن تلمس ذلك من خلال ما يلي:

الإرشادات المسرحية

لا يحتاج قارئ كتيب «ابن سينا في المدينة الإلكترونية» إلى كثير يقظة حتى يكتشف الانتشار اللافت لمجموعة من الكلمات والعبارات والجمل المكتوبة بين قوسين، التي تعرف عادة في لغة المسرح بـ»الإرشادات المسرحية»، ومنها: « تدخل الشخصيات الإلكترونية إلى الخشبة، وهي ترتدي اللباس المناسب لفيسبوك، والتلفزيون»، «يصيح مندهشا»، «يتقدم نحو ابن سينا فيجره من خارج الخشبة ليصعدا معا إلى الخشبة»،
علاوة على الوظيفة التوجيهية التي تلعبها تلك الإرشادات المسرحية، نجد أنها تعين على تمثل النص بصريا، ثم إنها تأخذ بعين الاعتبار إمكانية ارتحال النص المسرحي إلى فضاء الركح. وفي هذا السياق، يشير باتريس بافي في معجمه المسرحي إلى أن «كل نص (ما يكتبه عادة المؤلف المسرحي، ويضيف له بعض الناشرين، كما بالنسبة إلى شكسبير) لا ينطق به الممثلون يكون مخصصا لتنوير القارئ، من أجل الفهم، أو لطريقة تقديم عرض المسرحية». في هذا الصدد، يمكن استحضار التعليمات التي كتبها الشاعر والروائي والكاتب المسرحي جان جينيه للممثل والمخرج على حد سواء، إذ نقرأ في مقدمة مسرحيته الرائدة «الزنوج» جملة من التوجيهات التي تعين الممثل على أداء المسرحية. لا يخفى ما لهذه الإرشادات المسرحية من أهمية، فعلاوة على كونها تساهم في التعرف على انفعالات الشخصيات، وما يخالجها من أحاسيس، فإنها تجعل القارئ يعيش العرض داخل النص المسرحي.

الحوار المسرحي

يعرف باتريس بافي الحوار المسرحي بأنه: «تبادل كلامي بين الشخصيات»، ويضيف أن «المعيار الأساسي في الحوار هو ذلك التبادل وازدواجية التواصل». وتبعا لذلك، فكتيب «ابن سينا في المدينة الإلكترونية» هو مسرحية صيغت في قالب حواري، ويتجلى ذلك أساسا في تلك التبادلات الكلامية الدائرة بين الكتاب وابن سينا من جهة، وبين الكائنات الإلكترونية في ما بينها من جهة أخرى، علاوة على ذلك الحوار الدائر بين التلاميذ، من خلال سعيهم للخروج من مرض الكسل. ولئن كان الحوار ـ تعميما ـ يبطئ عملية السرد، ويعطي مساحة أكبر للشخصيات، فإنه يسهم أيضا في اكتشاف أحاسيس الشخصيات وانفعالاتها، آلامها وآمالها.

الصراع الدرامي

علاوة على عنصر الحوار، نجد أن كتيب «ابن سينا في المدينة الإلكترونية» ينهض على عنصر الصراع، ويمكن القول إن هذا العنصر يشكل عصب الدراما، ذلك أن «الصراع يشكل أيضا إحدى ركائز البناء الدرامي، ولذلك نرى أن المسرحيات التي لا تقوم على صراع فعلي قوي، غالبا ما تكون ضعيفة الحبكة والبناء الدرامي، والعكس بالعكس». وبالتالي، فجوهر هذا النص المسرحي مبني على عقدة الصراع الفعلي الدائر بين الكتاب والكائنات الإلكترونية، وهو صراع يهدف من خلاله الكاتب إلى مساءلة ظواهر مؤرقة، ومن ثمة، «نقد الواقع المعاصر بواسطة توظيف الرمز التراثي والأسطوري حتى لا يقع في المباشرة التي تقتل الفن المسرحي».
يصور كتيب «ابن سينا في المدينة الإلكترونية» للكاتب المغربي سعيد موزون تغول الوسائط الإلكترونية، وذيوعها المهول بين شرائح معينة من المجتمع، خاصة في صفوف التلاميذ. وقد صيغ النص المسرحي ـ الذي اتخذ صبغة تعليمية ـ في قالب حواري، وبلغة مسرحية تعكس بجلاء ذلك الصراع الدائر بين الكتاب والوسائل الإلكترونية التي استحوذت على الإنسان.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية