الخرطوم ـ «القدس العربي»: توزع المشهد في السودان، أمس الثلاثاء، بين حكومة جديدة سيؤدي أعضاؤها اليمين الدستورية، وتعد بحلول للأزمات المعيشية، وبين تظاهرات غاضبة في الشارع، ترفع شعارات ضد الجوع وتردي الخدمات، في وقت طالبت فيه إحدى الحركات المسلحة بإشراكها في التشكيل الوزاري الجديد الذي يواجه تحديات شتى، وفق مراقبين.
وشهدت مدينة بورتسودان، صباح أمس، مظاهرات طلابية متفرقة، في أنحاء المدينة، ما أدى إلى تعطيل الدراسة وإغلاق معظم المحلات التجارية، وذلك احتجاجا على أزمة الخبز التي نتجت عن إضراب أصحاب المخابز عن العمل للمطالبة بزيادة أسعار الخبز من (2) جنيه إلى (5) جنيهات نسبة للزيادات التي حدثت في أسعار مدخلات إنتاج الخبز.
وقد تعرض مبنى محلية بورتسودان إلى رشق بالحجارة، وتم إشعال النار في إطارات السيارات في بعض الشوارع الرئيسية.
كذلك أطلقت الشرطة السودانية قنابل الغاز المسيل للدموع وطلقات الرصاص الحي في الهواء لتفريق تظاهرات بمدينة نيالا، مركز ولاية جنوب دارفور غربي السودان، الثلاثاء، احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية.
ونقلت وكالة «الأناضول» عن شهود عيان قولهم إن مئات المتظاهرين خرجوا في وسط نيالا؛ حيث أحرق بعضهم إطارات سيارات في الشوارع.
وأضاف الشهود أن الشرطة أطلقت عبوات الغاز المسيل للدموع والأعيرة النارية في الهواء لتفريق المتظاهرين الذين رددوا شعار «سلمية.. سلمية».
وأشار الشهود إلى انتشار كثيف لقوات الأجهزة الأمنية في سوق نيالا الكبرى، التي شهدت مصادمات بين قوات الشرطة والمتظاهرين؛ ما اضطر السلطات المحلية إلى إغلاق السوق، مع ارتفاع وتيرة المظاهرات وتتريس الشوارع.
وحسب وكالة «فرانس برس» فإن المحتجين في نيالا رشقوا قوات الشرطة بالحجارة وأحرقوا إحدى سياراتها كما أضرموا النار في عدد من المتاجر في سوق المدينة.
وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين الذين كانوا يهتفون «لا لا للغلاء» و«لا لا للجوع».
ورفض والي (حاكم) ولاية جنوب دارفور، موسى مهدي، التعليق على التظاهرات والأوضاع الأمنية في ولايته؛ عازيا ذلك إلى انشغاله بمتابعة ما يجري في الشارع.
وقررت لجنة أمن الولاية، مساء الإثنين، تعليق الدراسة لمرحلتي الأساس والثانوي، اعتبارا من اليوم، بسبب التظاهرات المستمرة في المدينة خلال الأيام الماضية.
ونُظمت تظاهرات مماثلة في مناطق أخرى بينها ولاية شمال كردفان في وسط البلاد.
ونُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور لم يتسن التحقق منها تظهر طلابا محتجين يحملون أكياسا من الطحين نُهبت من مخازن ومتاجر في مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان.
وأعلن عبد الله حمدوك الإثنين تشكيلة حكومته الجديدة التي تضم وزراء يمثلون حركات تمرد سابقة، ولا سيما الخبير الاقتصادي جبريل إبراهيم وزيرا للمالية.
وسيؤدي أعضاء التشكيل الوزاري الجديد اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وحمدوك، بحضور رئيسة القضاء نعمات عبد الله محمد خير، في القصر الجمهوري.
في السياق، وعد إبراهيم الشعب السوداني بأنه «لن يغمض له جفن حتى تنتهي صفوف الخبز والمحروقات، وتوفير الدواء المنقذ للحياة بسعر مقدور عليه».
وقال: «تعاون شعبنا وسلوكه المعبر عن وطنيته وإيثاره للآخر، ركن أساسي لإنجاز هذه المهمة في أقرب وقت».
«مهمة عسيرة»
وأشار إلى أن «التكليف بحقيبة المالية والتخطيط الاقتصادي في هذا الظرف الدقيق الذي يمر به وطننا العزيز، مهمة عسيرة، ولكننا نعتمد على توفيق الله أولا، ثم على أرضنا المعطاءة، وتعاون شعبنا بكل قطاعاته، وشركائنا الاستراتيجيين في المحيطين الإقليمي والدولي لوضع اقتصادنا في مساره الصحيح».
وأضاف أن «استقرار اقتصاد البلاد ونموه، مصلحة ليس لأهل السودان فقط، ولكن أيضا لاقتصاديات الإقليم والعالم. ونمد أيدينا لرجال أعمالنا في القطاع الخاص، وننتظر تعاونهم اللامحدود بروح وطنية خالصة، لننتشل معنا اقتصاد بلادنا مما آل إليه».
وبين أن «جزءا كبيرا من نجاح أو فشل الحكومة الجديدة سيكون من نصيب وزارته، حيث تواجه البلاد مخاطر كبيرة في ظل ارتفاع الديون الخارجية إلى نحو 70 مليار دولار وانهيار الجنيه السوداني الذي فقد أكثر من 80 في المئة من قيمته خلال أقل من 4 أسابيع، حيث بلغ سعر الدولار 405 جنيهات في السوق الموازي الأحد، إضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات تفوق الـ 300 في المئة، حسب تقديرات مستقلة، مما خلق أزمات معيشية خانقة وندرة كبيرة في السلع الأساسية كالخبز وغاز الطبخ والوقود والدواء».
البرامج والسياسات
ورغم تعهدات إبراهيم، لكن محمد شيخون عضو اللجنة الاقتصادية لقوى «الحرية والتغيير» أكد في تصريحات إعلامية أن «المشكلة لا تكمن في الأشخاص، لكنها تتعلق بالبرامج والسياسات التي ستتبناها الحكومة الجديدة ومدى قدرتها على تحقيق متطلبات الثورة وتخفيف حدة المعاناة الحالية».
جناح في «العدل والمساواة» يطالب بـ«المشاركة في مؤسسات الحكم التنفيذية والتشريعية»
بينما شدد الخبير المصرفي، ورئيس الحزب الاتحادي الموحد، محمد عصمت على أن «حل الأزمة الحالية يحتاج إلى إرادة سياسية قوية وقدرة عالية على تنفيذ البرامج المطلوبة».
وقال إن «نجاح وزير المالية الجديد مرهون بمدى قدرته على مواجهة التحديات الاقتصادية ووقف جماح التضخم ومحاربة الفساد والإصلاح المالي والنقدي عبر سياسات واضحة تشمل ضبط الإنفاق وتحسين موقف العملة المحلية عبر وقف فوضى أنشطة تجارة الذهب وسحب الفئات النقدية الكبيرة وتكثيف الاعتماد على التبادلات المالية الإلكترونية».
برنامج قصير
وكان حمدوك أكد توافق مكونات الفترة الانتقالية على برنامج قصير قابل للتنفيذ سيتم التوقيع عليه خلال هذا الأسبوع.
وقال في المؤتمر الصحافي الذي عقده مساء أمس الأول بمناسبة إعلان التشكيل الوزاري الجديد «إن البرنامج يقوم على معالجة القضايا الاقتصادية وفق رؤية موحدة وتنفيذ سلام جوبا وإكمال المرحلة الثانية من السلام وبناء علاقات خارجية متوازنة، إلى جانب تحقيق العدالة بمفهومها الشامل والعدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا وتحقيق العدل وعدم الإفلات من العدالة، فضلاً عن إصلاح مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية».
وشدد على «ضرورة التركيز خلال الفترة المقبلة على الاستثمار والإنتاج لحل الأزمة الاقتصادية، مشيراً إلى أن «الحكومة الجديدة اشتملت على وزارات جديدة وفقاً لمعيار الاقتصاد والإنتاج».
وسبق لقوى «الحرية والتغيير» أن تقدمت ببرنامج سمته برنامج البدائل الوطنية، والذي يركز على تعظيم الاعتماد على المكون المحلي والابتعاد عن سياسات صندوق النقد ومؤسسات التمويل الدولية الأخرى والتي اعتبرها التحالف الحاكم سببا في التدهور الاقتصادي الحالي.
ويبدو أنه ليست فقط التحديات الاقتصادية ستشكل تحدياً أمام الحكومة الجديدة، إذ أن حركة «العدل والمساواة» بقيادة بخيب دبجو، طالبت بـ«المشاركة في مؤسسات الحكم التنفيذية والتشريعية واستكمال الترتيبات الأمنية، وذلك لتعزيز العملية السلمية».
الترتيبات الأمنية
وقال الأمين السياسي للحركة، نهار عثمان نهار، في بيان رسمي، أمس الثلاثاء: «ندعو القيادة السياسية في الدولة إلى تضمين الموقعين على اتفاقيات السلام السابقة، إلى جهود السلام الشاملة». وأشار إلى أن ذلك يتم عبر «استكمال ملفات الترتيبات الأمنية وإشراكهم وتمثيلهم في المؤسسات التنفيذية والتشريعية بما يعزز العملية السلمية».
وطالب حكومة الانتقالي بـ«العمل على التواصل مع بقية الأطراف والمجموعات خارج مظلة سلام جوبا حتى يكون الانتقال كاملا والسلام شاملا».
وفي سياق توسعة مؤسسات الحكم، كشف مصدر مطلع في «الحرية والتغيير» أن هناك تغييرا سيشهده مجلس السيادة من ناحية المدنيين. وقال، دون كشف هويته «بعد الفراغ من التشكيل الحكومي سنمضي بجهة إحلال وإبدال في أعضاء المجلس من المدنيين، وهو أمر متفق عليه في مجلس شركاء الفترة الانتقالية، وكان من المفترض أن تتم في نفس وقت إضافة قيادات أطراف السلام الثلاثة للمجلس الأسبوع الماضي، لكن التوافق على الأسماء تأخر كثيرا ما عجل بتعيين أعضاء جماعات السلام، لكن في الأسبوع المقبل بالتأكيد، سنكون توافقنا على عضوين جديدين ليحلا محل اثنين من أعضاء المجلس الحاليين». وتابع «العمل في اختيار أعضاء المجلس التشريعي يسير بشكل طيب حيث تبقت لنا أربع ولايات فقط لم تكمل ترشيحاتها، وتوجد وفود هناك لإكمال هذا الأمر».
ورغم اعتراض قوى سياسية على استبعادها من الحكومة، جدد جعفرالصادق الميرغنى، نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي – الأصل، دعم حزبه للفترة الانتقالية، متمنياً للحكومة الجديدة التوفيق.
وقال فى تصريحات صحافية «إنّ التحديات التي تواجه البلاد كبيرة وتحتاج إلى تضافر الجهود، وتماسك كل القوى السياسية، والقوات النظامية» مشيراً إلى أنّ «الوصول للحد الأدنى من الإجماع الوطني أصبح ضرورة وجودية».
وأضاف أن «السلطة الانتقالية قد واجهت تحديات كبيرة، مع ضرورة الاستفادة من الإخفاقات، وعلى أهمية تأسيس اللبنة الأولى للتحوّل الديمقراطي، والعمل على إعلان الانتخابات في موعدها، لأنها استحقاق وطني».
وتابع أن « قضايا رئيسية تنتظر هذه الحكومة أولّها معالجة الأوضاع الاقتصادية، وتحقيق الوفاق الوطني والمصالحة الوطنية ورعاية السلام».