يمثل العنوان أهمية كبيرة في الخطاب الروائي لأنه مفتاحه، وأول عتبة يقف عليها القارئ قبل الولوج إلى عالمه، واقتحام فضائه السردي وسبر أغواره، فهو يستفز أفق انتظاره، ويحثه على الغوص في بنيته، لاستنباط صلتها الدلالية بالمتن الروائي، وإيحائها بما يود المؤلف الإفصاح عنه.
أدب الرحلات
ولا شك في أن اختيار العنوان ليس أمرا هينا، فالمؤلف يتوخى من خلاله التأثير في القارئ وجذبه إلى إبداعه، وهذا يفيد بأن صياغة العنوان جزء من الكتابة الفنية لما له من أهمية على المستوى الإعلامي والفكري والجمالي «ونظرا إلى كل هذه الاعتبارات فإن العنوان ذو أهمية خاصة بالنسبة للمؤلف والمتلقي على السواء؛ لأنه جماع النص وملخصه». وعلاقة العنوان بالنص الروائي مشوبة بالتفاعل والانسجام، فهو تمطيط له وتلخيص لمضمونه وإضاءة لبؤرته، كما أن تفسيره وتذوق جماله، وصيغ أساليبه مرتبط بمعانيه ضمن السياق الكلي للرواية، لكن بعض العناوين الروائية لا تميط اللثام عن متون نصوصها بوضوح، بل تتسم بالإبهام والغموض، وتفرض على المتلقي الانسياق وراء أبعادها الدلالية الخفية، واعتقد أن رواية «رحلة العلقم» تلامس هذا المذهب الفني، لأن عنوانها ينطوي على دلالة مجازية تُجاوِز المعنى اللغوي الدال على الانتقال، وتراوغ أيضا ما يسمى بأدب الرحلات، كما أن دلالة «العلقم» المضاف إلى لفظة «رحلة» لا تحيل على شجر الحنظل وكل ما هو مرّ، بل لها بعد إيحائي يفيد مرارة الحياة التي ذاقها الراوي البطل «طويرة» الأمر الذي أسهم في إضفاء الغرابة على العنوان، والتمويه على القارئ لكسر أفقه، وإثارة شهيته لقراءة الرواية الحبلى بألفاظ الرحلة الرمزية والحقيقية، ومعاني العلقم المجازية.
استهل الراوي حكايته بما يدل على أنه عَلْقَمَ أولَ رحلةٍ له في قوله: «لاحت فوق غصون أشجار التين عصافير، وبدأت تعد حناجرها لغناء معزوفاتها، تنبئ بيوم شاق وطويل، شرعت المواشي في انتظام تتأهب لرحلتها المتكررة بحثا عن غذائها». فهذا اليوم الشاق لفح حره حياة طويرة، فأدمن الرحلة باحثا عن الشفاء والراحة «بينما هما يركضان خلف القطيع كان طويرة الذي انطلق كالسهم لا يدري ماذا يخبئه له الزمن قد انزلق من أعلى الجبل.. سقوط دمر مسار الفتى المغامر». وتبدأ رحلة الراوي العلقمية في الحياة، وسيشاركه فيها والده «في مقتبل خريف عاصف سيباشر الفتى رحلة المعاناة والألم الممزوجة بالأمل في الشفاء، معاناة أب مكلوم أصيب في فلذة كبده».
وأول رحلة بمعناها الحقيقي كانت صوب مدينة مازغان، لكن أمل الأب خاب فـ«حمل الفتى على كتفه في اتجاه المحطة.. ليستقل حافلة اعريبات في رحلة عودة إلى مسقط الرأس» لكن طويرة باح بهوسه بالشفاء وهو في الطريق. يقول «واصل الأب والفتى رحلة البحث عن الكنز المفقود، رحلة الألم والأمل المأمول، الرحلة على مشارف الدوار، وفي الانتظار الابن الأكبر مصحوبا بعربته يتكلف بإتمام الرحلة إلى قرية بوسعيدة».
ويكشف الراوي عن إيمان والده بما هو غيبي، عندما يروي عنه قوله له «غدا نمشيو لسيدي مسعود بن حسين، يردد الأب، قبل أن يشرع في رحلة تعقب الأضرحة».
لم يظفر الأب ببركة الأولياء فشد الرحال إلى المستشفى في مدينة الدار البيضاء، مكث فيه البطل طويلا بدون علاج فغضب أبوه قائلا: «ما كاين لا طبيب ولا هم يحزنون، الطبيب هو الله نوض أولدي نرجعو للبلاد، فرح الفتى، حمل الأب الابن من جديد… قادته رحلة العودة هذه المرة إلى تعقب إحدى قريباته». كابد طويرة وهو ملقى في البيت يتجرع مرارة رحلة من علقم، بل كابر للعودة إلى الحياة «لاح بصيص أمل حين تلمس الفتى حائط البيت، ووقف وصاح بصوت مبحوح أماه أماه، لقد وقفت لقد وقفت».
هذا الغموض يرغم المتلقي على إتمام قراءة الرواية بتأن، كي يهتدي إلى دلالة العنوان المختبئة في زوايا السرد، لأن الراوي يتلاعب به حتى لا يقبض عليها، ولا يكاد يبوح له بهذا السر، خاصة عندما يتخلى عن ضمير المتكلم في نهاية الرواية، متعمدا الجنوح إلى ضمير الغائب، ليختم الحكي بكلمات توحي بنجاته من رحلة العلقم التي أودت بأبيه.
رحلة أسى
وهكذا عاد الراوي إلى دراسته إلا أنه بعد تخرجه من الجامعة أجبر على خوض رحلة علقمية مريرة، فقصد العاصمة باحثا عن شغل يقيه شظف العيش، لكنه قاسى الأمرين قبل نيله مراده «أرتب لرحلة جديدة للبحث عن بصيص أمل من شأنه أن يزيلهما جاثما على صدري.. أخذ مني العياء مأخذه، ولجت غرفتي، نمت لعلني أنسى رحلة الأسى».
هذه الرحلة المأساوية لم تدم كثيرا، لأن بطل الرواية حقق غايته وصار موظفا، لكنه لم يتنكر لتجربة العطالة «استفدت كثيرا من رحلتي في البحث عن عمل، تعلمت دروسا وتشبعت بأفكار» وقد يتوهم القارئ أن هذا النص يوحي بحل عقدة الرواية، لكن الراوي سرعان ما يصدمه، لما يوغل في الحديث عن رحلة من علقم لا شفاء منها أبدا، لارتباطها بموت أبيه الذي باح بمكنونه وهو يحتضر «قال بصوت متقطع: إننا لا محالة راحلون» وهو ما أكده طويرة في قوله: «اليوم تغير مكان إقامته رحل على وقع صدمة ظلت تمزق الأحشاء» وكأنه يقر بأن معاناته القاسية في الحياة منذ طفولته لم تنته بعد، لأن وفاة رفيق هذه الرحلة صوب الأضرحة والمستشفى يوحي باستمرار رحلته العلقمية، لكن المتلقي يفاجأ بتغيير مسار السرد، وإغواء المتلقي بدلالة أخرى لعنوان الرواية، تشوش عليه أفق انتظاره، فيعتقد تارة أن العنوان يوحي برحلة الراوي المريرة في حياته، ثم يجد أمامه نصوصا تدل على رحلة والده إلى الموت، فلا يدري هل المراد رحلة الحياة أم الموت أم هما معا، وما يؤكد هذا الغموض حديث طويرة عن أبيه الميت «نم قرير العين، فالعيال بخير وأنا في الدرب سائر التحف رضاك، أتابع الرحلة وأتشبث بالأمل» وقوله عنه «رحل الرجل الذي طالما كان سندا لقرية بوسعيدة».
هذا الغموض يرغم المتلقي على إتمام قراءة الرواية بتأن، كي يهتدي إلى دلالة العنوان المختبئة في زوايا السرد، لأن الراوي يتلاعب به حتى لا يقبض عليها، ولا يكاد يبوح له بهذا السر، خاصة عندما يتخلى عن ضمير المتكلم في نهاية الرواية، متعمدا الجنوح إلى ضمير الغائب، ليختم الحكي بكلمات توحي بنجاته من رحلة العلقم التي أودت بأبيه.
الألم والجرح
يقول «صار الآن يقف على الضفة الأخرى، ينعم بحياة أقل قساوة من السابق.. وهو يستكين بعيدا عن الألم والجرح، بعيدا عن الأب الذي تحمل ما يكفي، وأعياه الزمن، رحل وفي القلب غصة، رحل بدون أن يرى بأم عينيه فلذة كبده يتجاوز الحدود ويصل حاملا رسائل عديدة، وباقة ورد».
خلاصة القول، إن اختيار عنوان رواية «رحلة العلقم» ليس اعتباطا، فهو ينهض بدلالات لها ارتباط وثيق بالمتن السردي، ولا تبوح بأسرارها إلا بعد الإيغال في القراءة، والوقوف على آخر كلمة في هذه الرواية الممتعة، التي تراود المتلقي بعنوان مخادع، لإغوائه بقراءتها والغوص في عالمها الفني.
الراوية صادرة عن دار الطبع سليكي اخوين ــ طنجة (الطبعة الأولى يناير2021) وهي باكورة أعمال الكاتب المغربي عبدالله مرجان.
باحث من المغرب