كم نحتاج لمن يرحم من في الأرض ليرحمنا من في السماء؟!
نحتاج لمن يرأف لحالنا ولأحوالنا في هذه الظروف والمحن العصيبة، التي تمر بها الأسر والمجتمعات والبلدان، احتجاجات وحرق للعجلات وللأعصاب! لا يمر يوم تفتح فيه جوالك للبحث عن وصفة علاج أو طبخ أو جمال أو دردشة، دون أن تتزاحم عليك الصور والفيديوهات والعناوين السريعة الساخنة عن الاحتجاجات في المدن والحوادث المؤسفة.
آخر الحوادث والأحزان وفاة ثلاثة أطفال غرقا في منطقة السحاولة الجزائرية. مصاب جلل حل بعائلة دراجي، بعد فقدانها ثلاثة أطفال: إيناس ومراد ومنار، تتراوح أعمارهم بين 4 و 6 سنوات، لقوا حتفهم داخل بركة في أرض زراعية.
ينعى الوالد الشاب أولاده قائلا: ابنتي إيناس البكر لا يمكن أن أنساها حتى لو ملكت الكون كله. والمزوزية منار الصغرى قضت الليلة الأخيرة في «حجري» تقبلني وتعانقني كأنها تودعني. مراد حبيبي. ويجهش الوالد المفجوع بالبكاء أمام كاميرات قناتي «الشروق» و»النهار» لماذا تفتحون لي الجرح، لماذا، لماذا؟!
نزل الأطفال الى الحقل على غفلة من الوالدين، فكانت الفاجعة. يكمل الوالد سرد تفاصيل الحادثة: «جابتلي بنتي الفطور وقالتلي بابا هاك الفطور لك». أما عم الضحايا فيصرح لميكرفون «الشروق»: مهما هونا عليه فلا يمكن تخيل ماذا يحس هو. المشكل أنه لا توجد طريق معبدة أين يمكن للأطفال اللعب؟!
أما جد الأطفال فيقول: هذا الجرح مقدر علي وكل الشعب الجزائري يبكي معي. لم يمت واحد فقط، ويجهش بحرقة.
ولم يفوت الصحافي الفرصة ليذكر أن المنطقة لا تخلو من مناظر خلابة تريح الأعصاب، إلا أن أخطار البرك المنتشرة في المكان تفسد على السكان التمتع بها. الألم كبير ولا يحتاج لمزيد من التعليق. اللهم رحمتك وعطفك.
نصيرة بخوش: عروس النار
ليست المرة الأولى، التي يشب فيها حريق في الإقامات الجامعية في الجزائر، لكن، ليس في كل مرة تسلم الجرة، وتمر الأحداث بصمت وهدوء دون سقوط ضحايا.
هذه المرة أخذت النار قربانها، نصيرة بخوش، الجامعية القادمة من مدينة تيارت. لماذا احترقت والأوضاع في الحي الجامعي على ما يرام! ما الذي دفعها لإشعال آلة التسخين الكهربائية وكل شيء متوفر في الإقامة والغرف دافئة في ليالي الشتاء الباردة والأكل متوفر!
نعم يا سيدي «الوجبة التي نوفرها للطلبة لا تتوفر له في المنزل»! يصرح السيد شريف مولود المدير الفرعي في ديوان الخدمات الجامعية لـ»الشروق نيوز» بعد الحادثة.
«كذبة فبراير» سبقت «كذبة أبريل». التصريح الذي قوبل بكم من التهكم والسخط من طرف رواد مواقع التواصل الاجتماعي: فعلقت إحدى الطالبات من جامعة باتنة على فيسبوك «لمن قال إنه لا يتحصل في بيته على تلك الوجبات، فقد افترض أمرين: أولهما أن من في البيت لا يجيد الطبخ لدرجة أن الوجبة البخسة المقدمة في الإقامات تسيل لعابه. والاحتمال الثاني أنه يتناول وجبات صحية نظيفة دون حشرات وأتربة، مع عصائر معروفة الأنواع وفواكه مشكلة.هنا حتما لن يحصل على وجبة الطالب، الذي يصادف حشرات ويتذوق أتربة مع فتات لحم لا يعلم أهو لحم بغل أو حمار».
كما تم تداول صورة لوجبة رديئة من مطعم «أولاد فايت 2» أرسلتها طالبة للصحافي عبد العالي مزغيش مع صرخة تقول: «أنا طالبة مقيمة في الإقامة الجامعية «أولاد فايت 2» واحدة من الألف من نعاني في صمت من تدني الأوضاع والخدمات داخل الاقامة. مثل اليوم والبرد القارس هذا وفي غياب التدفئة خائفات من إشعال آلة التسخين الكهربائية حتى لا تتكرر- لا قدر الله – حادثة أمس. وزد على هذا عندما نذهب للمطعم للعشاء نجد «عدسا» ممزوجا بوجبة الليلة الماضية (حمص وبطاطا مقلية). أنا «مقنوطة» من الدناءة التي وصلوا اليها عندما رأوا أن لا أحد يسمع صوتنا. هذا كله استحقار واستغلال، لأننا بعيدات عن أهلنا. إلى أين نذهب لكي يستمعوا إلينا. نحن في حيرة من أمرنا. ونحن كطالبات أيعقل أن نتعشى في الخارج. ولماذا الأكل في الخارج ويوجد إطعام يعوض أكل المنزل (أكل المطعم أفضل من الأكل الذي نأكله في البيت) في تلميح لتصريح المدير الفرعي لديوان الخدمات الجامعية؟!
عقب الحادثة تجمعت الطالبات المقيمات منددات، صارخات متأوهات لما آل إليه الوضع وإلى المصير الذي تعرضت له زميلتهن نصيرة، مرددات شعارات مثل: «طالبات طالبات للوضعية رافضات» و «يا مسؤول يا وزير لو كان بنتك واش ادير» (يا مسؤول يا وزير لو كانت ابنتك ماذا تفعل) و «الفساد الفساد لا عدالة في البلاد»! وطالبن برحيل المسؤولين على الخدمات الجامعية.»ديڤاج. ديڤاج. ارحل. ارحل»!
وغيرها من الشعارات التي تعبر عن غضبهن وألمهن، الذي ربما لم يكن ليظهر لولا الحادثة الأليمة التي أدت إلى وفاة زميلتهن على مرآى الجميع وجزؤها العلوي يتدلى من نافذة الغرفة بعد أن مزق زجاج النافذة أحشاءها والنيران تلتهمها.
كانت المرحومة تصرخ، لكن لا أحد استطاع أن يكسر الباب وينقذها. نعم كيف لا يمكن لأعوان الأمن في الإقامة أن يكسروا باب غرفة؟! هل الباب كان من حديد، أم هم خافوا على ممتلكات الشعب والطالبة تموت في الداخل؟! أم كان لا بد من إذن نيابة لكسر الباب؟
كلها أسئلة تحتاج إلى ردود وتوضيحات، فأرواح البشر ليست لعبة ولا سيما وأن موت طالبة جامعية وهي في إقامة جامعية تحتاج مسؤولية الدولة. إذا كان هناك من يتلاعب في أكل الطلبة في الإقامات الجامعية وتقديم وجبات رديئة، بينما تهرب أطنان الأطعمة، كما جاء في مقطع مصور من إحدى الصحافيات، اللواتي كشفن كواليس ما يحدث في ديوان الخدمات الاجتماعية من سوء تسيير وفساد (على قناة دزاير توداي) رغم توفر ميزانية للخدمات، لكن ما يقدم للطلبة من مواد غذائية غالبا اقتربت نهاية صلاحياتها. فلا بد من فضح وتصوير ممارسات وما يحدث في الإقامات من تجاوزات من أبسط موظف إلى المسؤولين الكبار. وعلى مسؤولي الاقامة الجامعية في أولاد فايت أن يستقيلوا كلهم. إقالة جماعية ويتحاسبوا.
فمن قضت ليست قطة إنها إنسانة قادمة من مدينة تيارت (مدينة من المدن الهامة تاريخيا) والمهمشة تنمويا. وهي من أسرة تعيش أوضاعا اجتماعية مزرية، بعد طلاق الوالدة لم تجد هذه المرأة، سوى والدها الذي تحمل مسؤولية الأطفال ودراستهم وبفضل تبرعات ومساعدات المحسنين (أربعة جامعيين رغم كل شيء). تركت لوعة وحرقة وهي التي لم تزر أهلها منذ أكثر من شهرين، بسبب ظروف التنقل ومصاريفها. غادرت نصيرة وحلمها في أن تشتغل وتحسن ظروف أسرتها وتوفر لهم سكنا لائقا بقي معلقا في رقبة من كانوا سببا حقيقيا وراء الحادثة، وليس الشرارة الكهربائية أو انفجار قارورة غاز صغيرة. الأحياء الجامعية ورواد مواقع التواصل الاجتماعي ينتفضون الآن والكل يطلب من الشعب الجزائري أن يتضامن مع الطالبة وأهلها، لأن لا أحد في مأمن من مثل هذه الحوادث المؤسفة. لا أراكم الله مكروها ولا صور العويل على جثة المرحومة المفحمة. صبر أيوب يا رب.
الفنانة سعاد حسن: والنجومية المتأخرة
رشيدة الحمداوي، امرأة جريئة ومضحية ومليئة بالطاقة الإيجابية. اسمها الفني سعاد حسن، الاسم الذي كان وراءه الموسيقار الحاج يوسف والحاج عبد الهادي بلخياط في عام 1979منذ ذلك الوقت، لكنها لم تحظ بنجومية أقرانها، مثل نعيمة سميح ولطيفة رأفت وأخريات، رغم صوتها القوي الأسطوري. انتشرت في العالم العربي أكثر بعد مشاركتها في «ذي فويس سنيور» (أحلى صوت للكبار) على قناة «أم بي سي» وكانت البداية «بكلمة ونظرة عين» مقطع من أغنية «أروح لمين» لـ»كوكب الشرق» أم كلثوم، مما جعل كراسي اللجنة تهتز وتدور صوبها. هي فنانة تعتمد على الطرب الأصيل وتشاهد «روتانا كلاسيك». لكن كل البرامج التي استدعتها قبل هذا وبعده تسألها عن سبب عدم بروزها كنجمة في الساحة الفنية المغربية ولماذا اختارت الغناء في الملاهي ثم المطاعم. وانتقدت على ذلك.
ولأنها صريحة جدا ولا تخشى لومة لائم في قول الحقيقة فقد بينت أنها لم تفضل الملاهي، لكن ظروف اجتماعية قاهرة جعلتها تقوم بما تحسن فعله وهو الغناء. وحتى لو اشتغلت «شغالة» في البيوت أو عاملة في مصنع فكانت حتما ستطرد، لأنها ستترك ما في يدها وتغني. غنت في الملاهي، لكنها لم تحترق بما يحدث فيها، ولم تكتسب عادات تشينها وتكون سببا في عدم احترام نفسها وأهلها والمغاربة. ابنة اليوسفية التي عاشت بـ»كازا» امرأة وأم قوية، رغم الظروف التي حاصرتها، والتي لا تأبه لها كثيرا لأنها من عند الله. وهي التي فقدت ابنها الشاب العشريني، بسبب مرض فقر الدم، وابنتها في حادث سير. تقول إنها لا تعترض على قضاء الله، ولا تمن بهم على الله. هو من يعطي ومن يأخذ.
فنانة غنت الى جانب العمالقة، لكنهم لم يلتفتوا إليها ولا تعرف الأسباب، لكنها لا تلوم أحدا. هي راضية على حياتها وما حققته بنفسها، ولم تكن تأبه للنجومية.
ومشاركتها في «ذي فويس سينيور» كانت من باب التجريب، فإن وفقت كان بها وإن لم توفق فلن تخسر شيئا، لكنها وفقت وزعزعت خشبة المسرح، الذي تقول إنه لم يعد هناك مسرح يغني عليه الفنان ليطرب الجمهور. كما تنتقد الفنانين الذين لم يتبنوا الطابع المغربي الأصيل، مثل ما يوجد في باقي البلدان العربية.
في أكثر من ساعة في برنامج «في قفص الاتهام» على «كيفاش تي في» فتحت قلبها كعادتها. واتضحت شخصيتها المرحة المتأصلة في الثقافة المغربية. الفنانة التي لا تدخر مالا ولا ذهبا، جزء من أجرتها لبيتها وأولادها والباقي للصدقات والإحسان لمن حولها. عبرت عن ذلك بأنه شيء بينها وبين الله لا تريد الكلام فيه. كانت تغني في الملاهي ولم تحترق بنيرانها ولا بذئاب الليل. وكانت تحس بالحماية وهي ترى عبد الوهاب الدوكالي وعبد الهادي بلخياط. في عقدها السادس تبزغ نجوميتها، التي تكدس عليها غبار الزمن.
٭ كاتبة من الجزائر