إشارات على عودة التنسيق التركي – الروسي: مناورات عسكرية مشتركة في سراقب السورية

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي» : تتأرجح العلاقة التركية – الروسية بين التوتر والتقارب، تبعا للظروف التي يفرضها الواقع الميداني والسياسي، َلكن رغم التوترات وتعارض المصالح في بعض المحطات، إلا أن العلاقات بين الجانبين ترتبط بضرورة الوصول إلى تفاهم متكامل حول الملف السوري، سواء في منطقة شمال غربي سوريا أو شمال شرقها ومسار العملية السياسية، فضلاً عن آلية تعاطي روسيا مع مستقبل ومصير قوات سوريا الديمقراطية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الطرفين لا يزالان يمتلكان الرغبة في الحفاظ على علاقات متوازنة، وهو ما بدا الخميس، حيث كشفت موسكو عن إجراء تدريبات مشتركة للقوات التركية والروسية في مدينة سراقب بريف إدلب، من أجل رفع سوية التنسيق بين الطرفين لا سيما بعد الاتفاق على عودة تسيير الدوريات العسكرية المشتركة على الطريق الدولي حلب – اللاذقية «إم4» في ريف إدلب، بعدما توقفت إثر تعرضها لهجمات عدة، أعلنت مجموعات مسلحة غير معروفة تبني بعضها. ورغم أن هذه التدريبات لا تخرج عن المستوى المعتاد من التعاون، لكنها تحمل إشارات ضمنيّة حول استمرار العمل باتفاق موسكو وعدم الانجرار إلى تصعيد عسكري في المنطقة.

يبقى التفاهم قائماً بينهما حول ضرورة الحل السياسي والحفاظ على «أستانة» وعدم نشوء كيان كردي

وفشلت آخر دورية مشتركة للقوات التركية – الروسية، في 25 أغسطس /آب الفائت، في إكمال مسيرها، حيث تعرضت وقتذاك إحدى العربات الروسية لاستهداف بصاروخ موجه من نوع «كاتوشيا» مما أدى إلى إعطاب العربة جنوبي إدلب. وذكرت وكالة «تاس» الروسية، أن العسكريين الروس والأتراك، الذين من المخطط أن يشاركوا في دوريات مشتركة بمحافظة إدلب السورية، أجروا تدريبات لتحسين التعامل الضروري أثناء تسيير الدوريات.
وجرت التدريبات في مدينة سراقب السورية، وقام خلالها العسكريون الروس والأتراك بالتدرب على السير ضمن قافلة واحدة وصد هجمات وإجلاء الجرحى، وكذلك على التحركات في المناطق التي قد تكون فيها كمائن للمسلحين. مبينة أن العسكريين يستخدمون نظاماً خاصاً للإشارات الضوئية أثناء الأعمال المشتركة. وشاركت عن الجانب الروسي في التدريبات مدرعات من نوع «بي تي إر – 82 آ» وعربات «تايغر» المدرعة، وعن الجانب التركي مدرعات من نوع «Kirpi». وانطلقت الدوريات الروسية – التركية المشتركة شمال سوريا منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2019، في إطار المذكرة المشتركة للرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان لتسوية الوضع شمال سوريا، فيما شهد سبتمبر/أيلول من عام 2020، أول مناورات مشتركة، حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أن عسكريين من روسيا وتركيا تدربوا فيها على استهداف الجماعات المسلحة التي ترفض المصالحة.

قضايا خلافية

وجود القضايا الخلافية بين الجانبين التركي والروسي، لا يمنع من التقائهما حول نقاط ضمن الملف السوري، وهذا الالتقاء وفق قراءة الباحث السياسي عرابي عرابي مدفوع بإدراك روسيا لأهمية دور تركيا في إيجاد حل للأزمة السورية يحقق مصالحها. كما تسعى روسيا إلى كسب تركيا إلى جانبها في الشرق الأوسط لإدراكها أهمية التأثير التركي على الجماعات والفصائل المسلحة.
وتتمثل نقاط الالتقاء بين روسيا وتركيا وفق رؤية المتحدث لـ»القدس العربي» في ملف مكافحة الإرهاب، الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ووضع نهاية للحرب في سوريا ودفع الحل السياسي عبر تشكيل اللجنة الدستورية والحفاظ على مسار آستانة والعمل ضمن إطار قرارات الأمم المتحدة، وضمان عدم نشوء كيان مستقل للأكراد في سوريا، والاتفاق على تقليص الدعم الروسي للأكراد. هذه التدريبات لا تخرج عن المستوى المعتاد من التعاون، لكنها تحمل وفق ما يقول عرابي إشارات هامة، وعلى رأسها عدم الانجرار إلى تصعيد شامل في المنطقة، والتأكيد من قبل الطرف التركي على أن الهجمات التي تستهدف منطقة «اتفاق موسكو» تستهدفها بالدرجة ذاتها التي تستهدف القوات الروسية.
وأبدى المتحدث اعتقاده أن العلاقات التركية – الروسية تعتبر نموذجًا للتعاون القائم على أساس المصلحة المشتركة بناء على واقع التطورات الآنية واستمرار اللقاءات والمساعي الهادفة للتوصل إلى حلول للمشاكل التي تطرأ في مختلف الملفات هدفه الأساس إبعاد مخاطر الصدام من التحقق، وللبلدين في تاريخ الأزمة السورية نماذج عديدة لتحقيق هذا التجاوز والمثال الأبرز على ذلك التعامل بين أنقرة وموسكو هو حادثة إسقاط الطائرة الروسية «سو 24» في 24 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2015 بأقل الخسائر، حيث مثلت هذه الحادثة، نقطة فاصلة في تحول البلدين إلى ضرورة تقوية العلاقات في إطار خاص بينهما لا يعتمد التحالف الاستراتيجي الكامل ويحاول بشتى الوسائل عدم الوصول إلى القطيعة الكاملة.
من وجهة عسكرية، اعتبر العقيد فاتح حسون أن المصالح الروسية التركية، لا يمكن تقييمها من خلال ملف واحد تتقاطع أو تتنافى فيه مصالح الطرفين، إذ أن الملف السوري هو ملف واحد من بين العديد من الملفات الشائكة التي تجمع بين الروس والأتراك على طاولة مفاوضات كملفات أذربيجان، وليبيا…. وغيرها.

دوافع التقارب

ويأتي التنسيق الروسي – التركي حول التدريبات المشتركة ضمن إطار تعزيز وحوكمة العلاقة على الأرض ما بين قوات كلا الطرفين من ناحية إدارة نقاط المراقبة ضمن منطقة خفض التصعيد وتسيير الدوريات على الطرق الرئيسية، وتتعزز أهمية التدريبات المشتركة بظهور نوع من التأرجح في التفاهم والتنسيق خلال الفترات الماضية التي خطط فيها لتنفيذ الدوريات المشتركة.
وأضاف حسون لـ»القدس العربي»، بالنسبة للتنسيق الروسي – التركي فإنه «لم ينقطع ولن ينقطع خصوصاً أن جميع المسائل العالقة التي حلت بين الطرفين جرى حلها من خلال التنسيق والحوار، وما عجز عن حله القادة العسكريون على الأرض كان يتم حله من خلال القنوات السياسية المفتوحة دائما بين البلدين، وفي حال تعذر الحل من قبل الأطراف السياسية كانت الحلول تأتي من خلال لقاء قمة يجمع الرئيسين الروسي والتركي، الذي يتميز بموقف إيجابي متقدم تجاه الملف السوري».
وبرأي القيادي العسكري فإنه معروف «حجم الضغوط التي تمارس على تركيا لترك التنسيق مع روسيا الذي توج بصفقة صواريخ S400 بعد فشل حلفاء تركيا في الناتو في الالتزام بتعهداتهم تجاهها، وخوفهم غير المعلن بوضوح من تنامي قوة تركيا لناحية الدور الإقليمي من جهة والصناعات العسكرية الدفاعية التي تنمو باستمرار وتحقق نجاحات باهرة من جهة أخرى».
المكاسب التي تحققت للطرفين التركي والروسي من خلال التنسيق والتعاون في العديد الملفات لا يمكن إنكارها أيضاً، حسب قوله، إنما «لم يكن في الملف السوري وفق ما كانت تأمله قوى الثورة والمعارضة السورية، كون روسيا تستخدم سوريا ورقة ضغط في لعبها الخطيرة مع حلف الناتو، فلم تلتزم تعهداتها واتفاقياتها حول سوريا لا مع تركيا ولا مع غيرها. ومن الواضح أن الدور الذي تلعبه تركيا في المنطقة عامة وسوريا خاصة هو نتيجة لتخلي الدول في الناتو عن الالتزام بواجباتها تجاه المأساة السورية من جهة، والحلف الاستراتيجي مع تركيا من جهة أخرى، حيث نرى كمراقبين أن علاقة هذه الدول وطيدة مع تركيا بسبب أهميتها ووزنها السياسي، لكنها لا تمضي معها أكثر، خوفاً من تنامي قوتها وسعة نفوذها».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية