ربما يكون التكثيف هو أحد خصائص الفيلم الروائي القصير، فاللغة السينمائية القائمة على الاختزال والتضمين البلاغي تغني كثيراً عن الإسراف في الحكي والتطويل، لا سيما إذا كان الموضوع المُثار مليئا بالتفاصيل الدالة عليه من دون الحاجة إلى إضافات زائدة.
في فيلم «الطوق الأبيض» للمخرجة الفلسطينية المقدسية حنين جابر، نلحظ ذلك الثراء الضمني في السيناريو والحوار والصورة والحدث، فالحالة الدرامية وإن كانت مقصورة على حكاية البطل الشاب الذي يعاني من مرارة الاغتراب والوحدة في وطنه، جراء السياسات الخانقة للاحتلال الذي يقوض الأحلام ويقبض بيد من حديد على الحريات الشخصية والعامة، إلا أن معاناة البطل تنسحب على الواقع برمته وحالة التكدير الفردية هي ذاتها الطابع العام لشكل الحياة الفلسطينية في كافة المدن والقرى المُحتلة، فآلة العسكري الصهيوني لا تفرق بين شاب أو شيخ فالكل في البطش سواء، حيث القسوة والوحشية والاستبداد عناوين رئيسية للممارسات الإسرائيلية داخل الأراضي المُغتصبة التي باتت تئن تحت عجلات المُجنزرات والعربات المُصفحة، فليست المشكلة خاصة بشاب تم اغتياله برصاصة أو بدانة مدفع أو بالتعذيب خلف الأسوار في عتمة الزنازين.
ما يريد أن يقوله فيلم حنين جابر «الطوق الأبيض» أعم وأشمل من تلك الإشارات المُتعلقة بالقتل والاغتيال والقنص على مرأى ومسمع من الجميع بلا أدنى خجل أو خوف، بل هو تعميق لفكرة الحصار المضروب حول فلسطين، الوطن والأرض والإنسان، أما التفاصيل فهي مجرد علامات للتنبيه وإيقاظ الضمائر النائمة، علها تستفيق وتضع حلاً للمأساة التاريخية التي طال أمدها واستفحل خطرها في ظل الصمت المقيت والشر المُستطير.
لقد تمحورت الفكرة الرئيسية للفيلم حول محنة الشاب الذي يبحث عن مستقبله وسط الضباب ويغيب عنه الأمان ويفتقد للاطمئنان ويتعطش للحب والاستقرار ويتوق لحياة عائلية مُستقرة مع حبيبة يتمناها وتتمناه، بيد أنه لا يملك من كل ذلك غير أمنيات بعيدة وإحساس مرهف يتشبث به ورغبة مشتركة بينه وبين زوجة المستقبل التي تحلم بالطوق الأبيض فوق رأسها في ليلة الزفاف وتعرف مصير حبها لكنها لا تفقد الأمل، شأنها شأن كل الفتيات اللائي يعشن نفس الواقع ويواجهن بأعمارهن المجهول المخيف، والموت المُختبئ في عيون البنادق.
متوالية ثابتة للفقد والجوع والفزع ترصدها المخرجة حنين جابر في الحياة القاسية للسكان القاطنين في بلاد المقاومة هناك على جبهات القتال والدروب والشوارع والتلال والمزارع والوديان ومنصات الاستهداف. بانوراما مستوفاة الشروط والمواصفات لميلودراما إنسانية لا يراها ولا يعيشها سوى أولئك الأبطال الواقفون على خطوط النار والمواجهة مع العدو المتربص بالبيت والعمر والمزرعة والنهر والبحر والشمس والقمر.
تغزل حنين خيوطها الإبداعية على منوال الوجع الخاص ببطل فيلمها وهي تُدرك أن المصيبة أكبر منه وأوسع في نطاقها من دلالة الموت الفردي لبطل الحكاية والقصة السينمائية، فالمقصود بالمعنى ليس هو الشاب الذي مات مغدوراً برصاصة في القلب خرجت من فوهة بندقية وجهت إلى صدره فاستقرت بين ضلوعه.
ومن النقطة المركزية للعلاقة العاطفية التي تربط بين الحبيبين وتنتظر ساعة الصفر للإفصاح والإعلان عن الزواج الميمون، تنطلق المخرجة وتذهب بأطراف الحب العذري بعيداً لتلمس آفاقاً أخرى وتدور في فلك القضية الأساسية للشخصية الفلسطينية التي تعيش واقعاً راهناً يشبه الواقع الدرامي، مع الأخذ في الاعتبار أن السينما تخفف كثيراً في تصويرها من وقع المأساة مراعاة لقوانين التعبير وحفاظاً على مشاعر المُتلقي من الصدمة، حيث لا تسمح شروط الإبداع بأكثر من التلميحات والإسقاطات الرمزية مهما كانت واقعية الرؤية وقصدية التأثير، خاصة إذا كان الإطار السينمائي روائياً وليس وثائقياً أو تسجيلياً.
ومن ثم فإن ما توحي به الصورة وما يُنذر به الحدث هو في واقع الحال أخف بدرجات كثيرة في شكله وألوانه التأثيرية من قتامة الواقع التاريخي والواقع الراهن للقضية الفلسطينية بمستوياتها السياسية والاجتماعية والنفسية والإنسانية والثقافية والفلسفية إلى آخر المُسميات والتصنيفات والمانشيتات العريضة الشارحة للتفاصيل في الكتب والصحف والعرائض والشاشات، فلا أدل على القضية من واقعها اليومي المُعاش والملموس والمحسوس والمنطوق والمُدرك بكل الحواس.
لكن غاية التصوير السينمائي هي التفتيش عن المعادل الموضوعي للصورة الحقيقية مع الاجتهاد الكامل في التعويض عن المفقود منها بالأدوات الفنية المعهودة كالضوء والظل والصوت والموسيقى وغيرها من وسائل التأثير المسموح بها لإدراك الأبعاد المختلفة والإحاطة بكل المعاني والمفاهيم، وهو سحر السينما الذي يمكن المشاهد من المتابعة ويدفعه للتركيز في ما وراء الشكل لينفذ إلى العمق ويصل بنفسه إلى المعلوم من السياسة والثقافة بالضرورة.