لندن – «القدس العربي»: لم يعد يفصلنا سوى 48 ساعة، على عودة سماع السيمفونية الساحرة، التي تداعب مخيلة الملايين وترسلهم إلى عالم مواز على مدار 90 دقيقة، وتصيب كذلك اللاعبين بما يُعرف «بالقشعريرة في الظهر»، تأثرا بجرعة «الأدرينالين» الزائدة، التي تظهر بأثر فوري، بتحول المستطيل الأخضر إلى ساحة قتال تحت شعار «البقاء للأقوى والأكثر توفيقا»، وذلك بمجرد أن يُطلق الحكم صافرة بداية مراحل خروج المغلوب في دوري أبطال أوروبا.
أم المعارك
من حُسن حظ عشاق الكرة الجميلة، أن دور الـ16 سينطلق بالمواجهة التي تستحق مسمى «أم المعارك»، بين الكبير الكتالوني برشلونة وضيفه الفرنسي الثقيل باريس سان جيرمان، في سهرة الثلاثاء التي سيحتضنها ملعب «كامب نو»، بذكريات أعظم ريمونتادا في الألفية الجديدة، التي كان بطلها البرازيلي نيمار جونيور، في موسمه الأخير قبل انتقاله التاريخي من معقل «البلو غرانا» إلى «حديقة الأمراء» عام 2017، حتى أنه يعتبرها أفضل 90 دقيقة في مسيرته الاحترافية، لدوره الكبير في الفوز الساحق، الذي حققه فريقه السابق بسداسية مقابل هدف لفريقه الحالي، ردا على رباعية عاصمة الضوء، ولهذا، كان الجمهور الباريسي يعول عليه كثيرا، ليكفر عن خطيئة مارس / آذار 2017، بتكرار لحظاته الهوليوودية في تلك المباراة أمام زملاء الأمس، لكن من سوء الطالع، جاءت الرياح بما لا تشتهيه سفن النادي الباريسي، بعد تكرار مأساة 2018 و2019، بتعرض أغلى لاعب في العالم إلى إصابة سيئة أثناء مشاركته أمام كان في موقعة الأربعاء الماضي، والتي انتهت بفوز فريقه بهدفين نظيفين ضمن منافسات دور الـ32 لبطولة كأس فرنسا. لكن في المقابل، دفع المدرب ماوريسيو بوتشيتينو، فاتورة باهظة الثمن، كما أعلن حساب النادي عبر مختلف صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي عصر الخميس، بأن الدولي البرازيلي لن يكون متاحا قبل بضعة أسابيع، كأفضل خبر سار بالنسبة للمدرب رونالد كومان، أو هدية السماء إلى الأرض، بالتخلص من كابوس بإمكانه صنع الفارق في أي لحظة، أمام خط دفاع ليس في أفضل حالاته بدون قائده الغائب منذ فترة طويلة جيرار بيكيه بداعي الإصابة.
كما أن ضغط الجمهور والإعلام الفرنسي على نيمار قبل المباراة، كان سيجعله مطالبا ببذل أقصى ما لديه، ليعوض ما فعله في الريمونتادا، وبالتبعية، سيكون البارسا الضحية. بينما الآن، يُمكن القول أن المدرب الهولندي استراح من كابوس، كان سيخلق له الكثير من المتابع والمشاكل، في ما يخص الحلول الفردية والموهبة الفطرية، التي تظهر في لحظات إبداعه، خصوصا في هكذا مواعيد التي تحتاج فئة الساحر وأصحاب الأقدام الذهبية، القادرة على تدمير الدفاعات في غفلة عين، كما فعلها أمام بوروسيا دورتموند في اللقاء الحاسم في إياب دور الـ16 الموسم الماضي، وأمام أتالانتا ولايبزيج في باقي مراحل خروج المغلوب بنظام المباراة الواحدة بسبب ظروف كورونا، وكرر أسلوب القاتل الأنيق هذا الموسم أمام مانشستر يونايتد، في ليلة رد الاعتبار في قلب «أولد ترافورد» بثلاثية مزلزلة، وتبعها بهاتريك في شباك باشاك شهير التركي في ختام مرحلة المجموعات. وهذا يعكس فارق تأثيره على نتائج الفريق الباريسي، مقارنة بالوضع في غيابه، حيث على مرتين ودع الباريسيين الكأس ذات الأذنين من الدور ثمن النهائي، بخسارة أولى أمام ريال مدريد بقيادة زين الدين زيدان وكريستيانو رونالدو في موسمه الأخير، والثانية على يد شياطين مانشستر يونايتد، بسيناريو كارثي، انتهى بالهزيمة في «حديقة الأمراء» بنتيجة 3-1، بعد الفوز في «مسرح الأحلام» بهدفين نظيفين. لكن المفارقة السيئة، أن في المرتين أصيب نيمار في شهر فبراير / شباط عامي 2018 و2019، والآن يتجرع مرارة نفس الكأس، وقبل واحدة من أكثر المباريات التي كان ينتظرها في مشواره الكروي، لرغبته الجامحة في العودة إلى «كامب نو» ومواجهة صديقه الصدوق ليونيل ميسي وباقي زملاء الأمس، كما وعد البرغوث في أول تعليق بعد إعلان القرعة في ديسمبر / كانون الأول الماضي، بقوله عبر منصته على منصة «انستغرام» الاجتماعية: «أراك قريبا يا صديقي»، لكن القدر أراد غير ذلك.
رد الاعتبار
ربما في ردود الأفعال المباشرة على قرعة دور الـ16، كانت أغلب التحليلات والترشيحات تصب في مصلحة باريس سان جيرمان، لأسباب بالجملة، منها على سبيل المثال، سمعة برشلونة، التي كانت وما زالت مُلطخة بوصمة عار هزيمة بايرن ميونيخ بالثمانية في ربع نهائي النسخة الأخيرة، وأيضا حالة التفكك التي يعيشها النادي بدون مجلس إدارة منتخب، والأسوأ، سجل الفريق المتواضع سواء محليا أو قاريا في بداية عهد رونالد كومان، جعلته يحتل المرتبة الثامنة في بعض الأوقات، قبل أن يأتي الدور على يوفنتوس، ليعمق جروح ميسي ورفاقه، بثلاثية نظيفة كان بطلها الأسطورة كريستيانو رونالدو، في مباراة أعطت الشامتين فرصة ذهبية للتشكيك في مشروع المدرب الهولندي مع النادي الكتالوني. وفي التوقيت ذاته، كان باريس سان جيرمان، لا يظهر بالصورة المخيفة التي كان عليها الموسم الماضي، الذي ختمه بالثلاثية المحلية والوصول إلى المباراة النهائية لذات الأذنين للمرة الأولى في تاريخه، ووضح ذلك من خلال سلسلة نتائجه وعروضه غير المقنعة، على الأقل بالنسبة للرجل الثاني في النادي ليوناردو، من نوعية السقوط أمام ليون في قلب العاصمة، وأيضا تلقي الخسارة الأولى منذ 10 سنوات أمام الغريم المحلي مارسيليا في «حديقة الأمراء»، والأكثر إحباطا ما حدث أمام موناكو، بتلقي ثلاثة أهداف دفعة واحدة، بعد التقدم في أول 35 دقيقة بثنائية كيليان مبابي، ورغم ذلك، كان الفريق الباريسي على الورق، يبدو الطرف الأفضل للذهاب إلى الدور ربع النهائي للأبطال، لتسلحه بعناصره الفتاكة في الثلث الأخير من الملعب، فيما كانت أشبه بالفرصة التاريخية، لرد القديم والجديد لبرشلونة، بعد الخروج أمام ميسي ورفاقه 3 مرات من قبل في الأدوار الإقصائية أعوام 2013 و2015 وريمونتادا 2017. لكن الآن، تبدو الكفة والفرص متساوية بين الناديين إلى حد كبير، مع افتقاد باريس سان جيرمان، لأهم ركائزه في الهجوم، متمثلة في غياب نيمار وأنخيل دي ماريا بداعي الانتكاسة، فضلا عن صعوبة لحاق الحارس الأول كيلور نافاس، لحاجته لمزيد من الوقت للتعافي من إصابته التي أعاقته عن اللعب في الآونة الأخيرة.
في المقابل، بدأ «البلو غرانا» يتنفس الصعداء، بسلسلة من العروض والنتائج المقنعة، مقارنة بالحالة المأساوية التي كان عليها في بداية الموسم، وذلك بطبيعة الحال، لنجاح المدرب في إنقاذ ما يقرب من 300 مليون يورو، كانت في مهب الريح، لولا أنه أعاد أنطوان غريزمان وعثمان ديمبيلي إلى قيد الحياة، إلى جانب تألق فرينكي دي يونغ، بشكل لافت، على عكس النسخة الباهتة التي كان عليها سواء مع المدرب الاسبق فالفيردي أو خلفه كيكي سيتيين، ومعه الشباب الواعد في مقدمتهم بيدري وريكي بوتش، ما ساهم في عودة الابتسامة إلى ميسي من جديد، ومعها بدأ يتحسس الفريق طريق العودة إلى المسار الصحيح، لكن تظل مشكلته التي تمثل صداعا بالنسبة لكومان وجمهور النادي، هي النتائج السيئة التي يحققها الفريق في مبارياته أمام المنافسين الكبار، كما انحنى أمام الريال والأتليتي في «كامب نو» على مستوى الليغا، وخسارته بالثلاثة أمام اليوفي على نفس الملعب في دوري الأبطال، وفي الأسبوع الماضي فرط في فرصة تعويض ما حدث في نهائي الكأس السوبر الإسبانية، بالسقوط أمام إشبيلية بهدفين نظيفين في ذهاب الدور نصف النهائي لكأس ملك إسبانيا. لهذا، ستكون قمة الثلاثاء إما فرصة ذهبية لكومان، لتصحيح الصورة والانطباع السيئ عن مشروعه أمام الكبار منذ صدمة البايرن، وإما تكون القشة الأخيرة، التي ستقضي على فرصه في إقناع الرئيس المحتمل بالبقاء إلى ما بعد العام 2021، خاصة إذا انتهى موسمه في مثل هذه الأيام من الشهر المقبل، بخروجه من الكأس وانتهاء فرصه في ملاحقة الهنود الحمر على صدارة الدوري الإسباني. وفي كل الأحوال، سيكون عشاق السحر والجمال الكروي على موقعة قابلة لكل الاحتمالات، مع أفضلية طفيفة للضيوف، بفضل عامل الخبرة ووصول هذا الجيل إلى قمة التفاهم والانسجام، على عكس عملاق الليغا، الذي يسابق الزمن لبناء مشروع مستقبلي لإعادة هيبة وكبرياء العلامة التجارية للنادي في القارة، بعد أحداث روما وليفربول وبايرن ميونيخ في آخر ثلاث سنوات، ناهيك عن الحرب الباردة بين الناديين خارج الخطوط، والتي تتجلى في التلاسن الإعلامي هنا وهناك، بتصريحات استفزازية، آخرها المعركة الكلامية الأخيرة، بعد حديث بوتشيتينو عن مواطنه ميسي، وما تبعه من رد ناري من كومان، تزامنا مع ظهور ليو على غلاف صحيفة «فرانس فوتبول»، الذي أثار ضجة كبيرة في وسائل الإعلام العالمية، وأثار كذلك غضب المسؤولين في القلعة الكتالونية، دليلا على أنها ستكون أكبر من مجرد مباراة داخل المستطيل الأخضر.
كل حلفائك خانوك يا كلوب
في نفس توقيت ملحمة «كامب نو»، سيكون حامل لقب الدوري الإنكليزي ليفربول على موعد مع اختبار لا يُستهان به، عندما يلتقي المدرب الألماني يورغن كلوب بمواطنه الشاب يوليان ناغلزمان وكتيبته المفعمة بمشروبات الطاقة العالمية في لايبزيج، تلك المباراة التي تم نقلها إلى بودابست، بسبب القيود المفروضة من قبل الحكومة الألمانية، للتصدي للموجة الثانية لوباء كورونا، فيما ستكون فرصة أكثر من مثالية بالنسبة لمدرب الريدز، لكتابة صفحة جديدة لموسمه المخيب للآمال حتى هذه اللحظة، بعد الخروج المبكر من بطولتي كأس الرابطة وكأس الاتحاد الإنكليزي على يدي آرسنال ومانشستر يونايتد، والأسوأ من ذلك، ما يحدث معه في حملة الدفاع عن لقب الدوري الإنكليزي الممتاز، بالتأخر عن المتصدر مانشستر سيتي بعشر نقاط كاملة مع بقاء مباراة مؤجلة للسيتي، قبل نهاية الموسم بـ15 جولة، وذلك بطبيعة الحال، لتذبذب أداء ونتائج الفريق، تأثرا بغياب الكثير من عناصره الأساسية، التي لعبت دورا في عودة الألقاب للنادي في العامين الماضيين، أبرزهم الهولندي فيرجيل فان دايك، الذي انتهى موسمه مبكرا، بعد إصابته بقطع في الرباط الصليبي، وتبعه شريكه جو غوميز بانتكاسة أخرى سيئة في نفس التوقيت، على إثرها سيحتاج معجزة ليعود إلى الملاعب قبل نهاية الموسم، وما زاد الطين بلة، أن الكاميروني جويل ماتيب، لحق بهما في العيادة الطبية حتى بداية معسكر الاستعداد للموسم المقبل، ما أجبر المدرب والإدارة على ضم الثنائي بنجامين ديفيز وأوجان كاباك في آخر ساعات الميركاتو الشتوي، أملا في إعادة الأمور إلى نصابها في ما تبقى من الموسم، إلا أنه سرعان ما استفاق على كابوس رباعية مانشستر سيتي، الذي أثبتت بشكل عملي، أن ليفربول يعاني من أزمة خطيرة، تكمن في الهبوط الجماعي لمستوى أفراد بأعينهم كانوا بدرجة تأثير فان دايك وباقي المصابين، أولهم الحارس أليسون بيكر، الذي يبصم على واحد من أسوأ مواسمه في مشواره الاحترافي، من قبل حتى هفواته الساذجة التي ذبحت الريدز أمام السكاي بلوز. ومثله روبرتو فيرمينو، الذي فقد الكثير من شراسته وحدته في الثلث الأخير من الملعب، تاركا مهمة التسجيل لزميله المصري محمد صلاح في المقام الأول، وبدرجة أقل للسنغالي ساديو ماني، الذي لا يقدم نصف مستواه المبهر الذي كان عليه في عام حصوله على جائزة أفضل لاعب في القارة السمراء، حتى ألكسندر أرنولد، يظهر بثوب المدافع الأيمن التقليدي، وليس ذاك المفتاح، الذي يعطي الحلول بسرعته وعرضياته التي لا تخضع للفيزياء من الجهة اليمنى، وبالمثل أندي روبرتسون في الجهة اليسرى، فيما كانا أشبه بالقوة الضاربة لليفربول من على الأطراف، بينما الآن، كليهما على نفس مستوى أغلب اللاعبين، الذين تراجع مستواهم بشكل صادم هذا الموسم، مقارنة بنسخة ليفربول المخيف في آخر عامين ونصف العام.
وبينما لا تسير الأمور كما يخطط لها كلوب في الجزء الأحمر للميرسيسايد، هناك في «ريد بول آرينا»، بدأ نظيره الثلاثيني ناغلزمان في إعادة الأمور إلى نصابها، بسلسلة من العروض والنتائج العريضة، آخرها اكتساح بوخوم وشالكه برباعية وثلاثية نظيفتين على التوالي في دور الـ16 لكأس ألمانيا وجولة الأسبوع الماضي للبوندسليغا، وذلك بعد الهزة المفاجئة التي تعرض لها الحصان الأسود لنسخة الأبطال الأخيرة الشهر الماضي، بهزيمته أمام بوروسيا دورتموند وتعادله مع فولفسبورغ في مباراتين على التوالي، كرسالة أن لايبزيغ عازم على استكمال صحوته، التي بدأها الموسم الماضي، بالإطاحة بأتلتيكو مدريد من الدور ربع نهائي أبطال الموسم الماضي، ونجاحه في إقصاء مانشستر يونايتد من دور المجموعات هذا الموسم، بالإضافة إلى ذلك، ما زال أقرب مطارد لبايرن ميونيخ على لقب البوندسليغا، باحتلاله المركز الثاني بفارق سبع نقاط عن العملاق البافاري حتى نهاية الجولة الـ20، وهذا يعكس حجم وقيمة المنافس، الذي سيصطدم به محمد صلاح ورفاقه في بودابست بعد غد الثلاثاء. والسؤال الآن: هل يخرج ليفربول من النفق المظلم ويضع قدما في ربع النهائي على حساب لايبزيج؟ أم سيواصل ممثل الألمان مفاجآته المدوية للعام الثاني على التوالي، وبالتبعية يُرسل كلوب إلى المجهول ويُنهي موسمه بعد أقل من شهر من الآن؟ دعونا ننتظر ونستمتع بوجبتين من النوع الدسم في السهرة الأوروبية المنتظرة.