جاك حرفي فرنسي أنامله من ذهب ومجوهراته من شوك وملاعق

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس-»القدس العربي»: استعد جاك دودا استعدادا كبيرا طيلة سنوات حتى عام 2020 ليوسع خلاله نطاق بيع مجوهراته عبر المعارض التي كان مقررا أن تقام في مختلف المدن الفرنسية الكبرى وفي بعض المدن البلجيكية. كان هذا الحرفي الفرنسي ينتظر بفارغ الصبر عام 2020 حتى يبدأ في تسويق منتجاته على نطاق واسع يتجاوز بكثير ضاحية لاكروا بمدينة ليل شمال فرنسا والواقعة على بعد 14 كيلومتراً من الحدود الفرنسية البلجيكية.
يقول جاك، الذي تجاوز عمره 60 عاماً، لمن يتجرأ على طرق باب محترفه ليشتري بعض مجوهراته؛ إنه لم يكن يتوقع أن تحرمه جائحة كورونا من الشروع في الترويج لمجوهراته في الصالونات الكبرى داخل فرنسا وخارجها لأكثر من بضعة أشهر. ولكنه يصر على مجازاة من يطرق باب محترفه من خلال اطلاعه على بعض أسرار أنامله الذهبية وعلى صنع القطعة التي يرغب في شرائها الزائر أمامه بعد أخذ مقاسات أصابع الزبون وذراعيه. وغالبية المجوهرات التي يعرضها جاك بانتظام هي أساور أو خواتم أصلها شوك أو ملاعق يحتفظ في المحترف بعينة منها ولكنه يحتفظ في منزله بقرابة مئتي موديل من هذه الخواتم والأساور.
من أين جاءت جاك دودا فكرة صنع مجوهرات فيها حيز كبير للأساور والخواتم؟ يبحث الحرفي في صفحات ذاكرته التي يرغب في العودة إليها مع صديق أو زبون يأنس إليه ثم يروي قائلاً: كنت في الثانية عشرة من عمري عندما لاحظت أن شباناً فرنسيين من الذكور والإناث قد بدأوا يتخلون عن أساورهم أو خواتمهم الذهبية ويستبدلونها بأخرى مصنوعة من خشب أو من معادن غير ثمينة. كانوا يفعلون ذلك بعد أن باتوا مقتنعين بأن حركة «الهيبيز» التي نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية وانتشرت في البلدان الغربية الأخرى كانت فعلاً محاولة للإفلات من براثن الرأسمالية التي حولت المادة والاستهلاك إلى هدفين ينبغي على الإنسان الركض وراءهما حتى وإن اضطره ذلك إلى التنكر لعدد من الضوابط والقيم الإنسانية.
العديدُ من زبائن هذا الحرفي الفرنسي يسعون إلى اختباره من خلال سؤال يرددونه باستمرار ويصوغونه على الشكل التالي: حركة الهيبيز صدمت شرائح كثيرة من المجتمعات الغربية من خلال حرصها على التعامل مع الإباحية الجنسية كقيمة مجتمعية ثم إنها اختفت لأن جزءاً كبيراً من عرابيها تم توظيفهم بشكل أو بآخر لخدمة المنطق الرأسمالي. فكيف لها أن تعود بعد انتكاستها؟
وعندما يلح بعضهم عليه بهذا السؤال، يبوح الحرفي ببعض أسراره ومنها مثلا أنه أيقن وهو شاب أن الإباحية الجنسية أساءت إلى حركة الهيبيز ولكنه يرى أن الأسس الأخرى التي قامت عليها هذه الحركة فيها كثير من المنطق ولاسيما تلك التي تتعلق بما يمكن أن يلبسه الإنسان أو ما يمكن أن يتزين به.
ويمضي قائلاً: «بدأت أتعلم كيف أصوغ مجوهرات جميلة من معادن غير نادرة لأني كنت وما أزال أرى أن الندرة تقاس بالقيمة المادية والمالية لا من خلال القيمة الإبداعية المضافة. وما يزال الأثرياء يدفعون أموالا طائلة لشراء خواتم من ذهب أو معادن أخرى نادرة لأن ثمنها مرتفع ولا تقدر عليه إلا القلة من الأشخاص. بينما أرى شخصيا أن الندرة الحقيقية هي في القيمة الإبداعية المضافة، أي الجهد الذي أبذله شخصيا منذ قرابة أربعين عاما حتى أحول الشوك والملاعق التي يُرمى بها أو تباع في سوق الخردة إلى خواتم أو أساور تشبه تلك التي كان شباب حركة الهيبيز يضعونها قبل ستة عقود ونيف، ولكنها تخدم عدة قيم ومبادئ منها أن الخواتم المرصعة باللؤلؤ لا تضمن السعادة وأن الاقتصار على وضع خواتم مصنوعة من الشوك أو الملاعق المنزلية العادية يمكن أن يجلب السعادة لحامليها عبر القناعة».
قد يسخر البعض من حجج دودا ويقول في نفسه إنه يمزح أكثر مما هو جاد في مسعاه. ولكن المبيعات التي يحققها اليوم عبر موقعه في انتظار القضاء على جائحة كورونا تؤكد فعلا أنه حرفي ذو أنامل من ذهب، بالإضافة إلى كون حدسه التجاري شبيها بحدس الحيوانات التي تستشعر الزلازل قبل وقوعها. فهو يستجيب لمطالب الزبائن الذين يرغبون مثلا في أن يضعوا ساعاتهم الذهبية في أسوار صاغتها أنامله.
وقد نجح هذا الحرفي إلى حد كبير في إقناع كثير من زبائنه بأن الساعات الفضية المرصوصة في أسوار صنعت من شوكات المنزل أكثر أناقة من الأسوار المرصعة بالذهب وبأن أرقى الخواتم هي تلك المصنوعة من بقايا ملاعق عادية لا من ذهب ولا فضة، لأن اليد التي فيها خاتم من ذهب قد تحمل خاتما صيغ على حساب صحة آلاف الأطفال الذين يضطرون إلى البحث عن الذهب في الوديان أو في المناجم لإعالة أسرهم من خلال استخدام مواد تضر بصحتهم منها الزئبق على سبيل المثال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية