الرضيّ الاستراباذي نحويّ عربي أصله من فارس من أستراباذ، التي باتت تعرف في ما بعد بجرجان، والتي نسب إليها كثير من العلماء أبرزهم عندنا عبد القاهر الجرجاني. عاش الرضيّ في القرن السابع الهجري الموافق للثالث عشر الميلادي. عُرف بكتابين مميّزين هما في الأصل شرح لمتنين كتبهما نحويّ مصريّ هو ابن الحاجب، متن في النحو يسمّى الكافية، شرحه الرضيّ تحت مسمّى «شرح الكافية» والثاني في التصريف ويسمّى الشافية عرف شرحه له باسم «شرح الشافية». والحقّ أن الشرحين هما في تاريخ النّحو أعظم شأنا من المتنين لأسباب علمية ليس هذا مجال الخوض فيها.
اشتغلتُ مطوّلا بالبحث والتدريس على الشرحين وكنتُ كلّما عدت إلى النصين وجدت فيهما نحويّا فذّا يورد الآراء وينتقي منها ما يجده مناسبا أكثر من غيره لروح النظرية النحوية، وينتقد فيها ما يعدّه من الأفكار محتاجا الضبط. لكنّ أكثر ما فاجأني به هذا الرضيّ، أنّه تمنّى أن يخرج على إجماع النحاة في مسألة علمية اتفق فيها المذهبان البصري والكوفي، ولم يستسغ هو رأييهما. فهدّد بالخروج على الإجماع، غير أنّه لم يخرج لأنّ ذلك «مكروه». هذه المسألة هي اتفاق النحاة من المذهبين على أن الفعل المضارع المجزوم معربٌ وعلامة إعرابه الجزم، أو السكون (لم أخرجْ). فقال: «لولا كراهة الخروج عن إجماع النّحاة القائلين بإعراب الفعل المجزوم لحسن ادّعاء كون المضارع المسمّى مجزوما مبنيّا على السكون لأنّ عمل ما سمّي جازما لم يظهر فيه لفظا ولا تقديرا». لا علاقة لكم قراء هذه الصفحة بمسائل الإعراب والبناء وتعقيدها فهذه مسائل تترك لمقاعد الجامعة ولبحوثها، إنّما ما نريد أن نشركهم في التفكير فيه هو أن سلطة الإجماع في التفكير القديم، بل وفي بعض التفكير الحديث، يمكن أن تحدّ من حركيّة التطور العلمي والفكري.
نحن نفهم كيف كان الإجماع مصدرا ثالثا من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن والسنة، وكيف أنّه كان حلاّ براغماتيا في غياب النصوص؛ لكن أن يعتمد في الدين شيء، وفي العلم شيء آخر تماما. فأن يعتمد هذا» الأصل» في العلم قديما لا على أنّه لوصف اتفاق حادث في الأفكار العلمية، بل على أنّه ذريعة تشرّع مواصلة الحقيقة الضعيفة، فذلك شأن لا يطلب في العلوم. ما يسمّى إجماعا في السياق الذي ذكره الرضيّ الأستراباذي هو أن النّحاة اتفقوا على مرّ عصور من التفكير في النّحو، أن الفعل المضارع المجزوم معربٌ شأنه شأن المنصوب والمرفوع، رغم أن الأصل في الإعراب يكون بالحركة، ولا يكون بالسكون وأنّ الإعراب لا يدخل الكلم، إلاّ إذا أفادت المعاني الإعرابية المختلفة. الإجماع على هذه الفكرة هو ضرب من اتفاق العلماء على مسألة علميّة، يمكن أن يكون فيها خلاف وهذا مقبول ومحبّذ في أيّ علم، لكن أن يصبح الإجماع على حالة من العلم سلطة فذلك هو المزعج للعلم؛ يصبح الإجماع مكبّلا للمعرفة التي تقبل المراجعة وما من معرفة إلاّ وهي متطوّرة بفضل المراجعة.
حين قال الأستراباذي إنّه يخشى الخروج على إجماع العلماء، كان يحكم على العلم من داخل ثقافة لها مقالاتها العامّة، التي لا تريد التفريط فيها لم يكن ثوريّا إنّما أراد أن يفكّر في حال لعلم خارج الإجماع.
سيقال لنا إن الإجماع يحمي العلم في حالة من أحوال تطوّره حماية من الفوضى والرأي القصير، وسيقال لنا إن الإجماع كان سندا مهمّا لرواج العلوم في العصور الكلاسيكية، غير أن مثل هذا الكلام لا ينظر إلى العلوم من جهة التطوّر، بل من جهة الثبات، ولا ينظر إليها من جهة ما يسمّيه غاستون باشلار بالقطيعة الأبستيمولوجية التي تحتاجها العلوم لتتطوّر. يعتقد كارل بوبر، أن تطوّر العلوم يرجع إلى ما يسمّى Falcification وسنترجم هذه العبارة بالدُّحوض بدلا من التزييف. يعتقد بوبر أن أيّ علم من العلوم، لا بدّ أن تخضع نظريّاته للاختبار وأن تستجيب للتّخطئة والدحض بشكل معقول؛ وأنّ تلك الطريقة هي الطريقة المثلى للتمييز بين العلم وغير العلم، بل يذهب بوبر إلى أن من مهمّة كلّ علم أن يسعى إلى دحض نظريّاته أكثر من السعي إلى خلق حالة من الثبات والإجماع عن بالبحث الدائم عن إثبات مقولاته الأبدية.
التفكير العلمي القديم ومثاله ههنا النحو كان تفكيرا لا يميل في الغالب إلى الدحض، بل إلى إلى الإجماع، حتّى إن كان لا يرفض التمذهب أو الاختلاف.
صحيح أن الخلاف كان فكريّا لا تحكمه في الغالب فكرة الخلاف للخلاف، لكنّ العلم كان واحدا والخلاف في الفروع، ولا توجد نيّة لدى العلماء القدامى في صنع شيء يرجّ الأسس ويصنع القطيعة مع آليّات التفكير القديمة. لقد كان الإجماع يحمي سيرورة آليّات العلم والتفكير، أكثر مما يحافظ على العلم نفسه. كان العلم واحدا، وحول نظريّاته الكبرى إجماع، ولكنّ التعليل هو الذي كان مثار خلاف. ومعلوم أن العلّة لا تغيّر شيئا من روح المعلول، حتى وإن كانت متنوّعة. لم يكن النحاة على اختلافهم يؤمنون بأنّ علمهم قابل للدّحض جميعا، ولا أن ما لا يقبل الدّحض ليس علميّا. كانوا محكومين بفكرة الجماعة التي تقود إلى الإجماع: الإجماع داخل العلم أصل الإجماع يتلوه الإجماع على ما تقرّر من أصول في النحو، وعلى ما ضبطه سيبويه وكبار النحاة من نظريات، والإجماع على رأي قاله كبار النحاة وعدّ مقنعا بما فيه، أو لأنّ نحويّا كبيرا قاله.
لم يتطوّر النحو طيلة قرون إلاّ من داخل جيوب الاعتلال، أو التفسير، أو ضبط المفاهيم لكنّه لم يتطوّر كي يصل إلى نقض أطروحاته الكبرى. العلوم القديمة هي علوم أرثوذوكسية تُصْلح، أو ترمّم بعض مقولاتها، ولكنها لا تعيش قطيعة أبستيمولوجية على براديغماته على حدّ عبارة توماس كوهن. يعتقد كوهن أن الإجماع مفيد في تأسيس تصوّرات علمية جديدة، وفي الاتفاق على أن التصوّرات القديمة لم تعد تؤسّس لمنوال نظري مفيد. فعلى سبيل المثال، فإنّ ما جعلنا ننتقل في التفكير الحديث من النحو إلى اللسانيّات هو إجماع اللسانيّين على جملة من المبادئ النظرية، التي تثور على مبادئ قديمة ارتكز عليها النحو، من بينها أن دراسة اللغة ينبغي أن تكون بطريقة علمية وصفية خالية من الأحكام المعيارية؛ وأنّ علم اللغة ينبغي أن يركّز على الشفوي ولا يفاضل بينه وبين المكتوب، وأنّه لا فضل للسان على لسان إلاّ بالأداء؛ وأنّ وجهات النظر هي التي تصنع الموضوع وليس العكس. الإجماع الماقبليّ مفيد في الثورة على العلوم القديمة وفي تأسيس مناويل جديدة، وحين تتأسّس العلوم الجديدة ليس مطلوبا من العلماء أن يجتمعوا على أفكار من شأنها أن تجمّد العلم في نظريّات تقبل التجدّد.
حين قال الأستراباذي إنّه يخشى الخروج على إجماع العلماء، كان يحكم على العلم من داخل ثقافة لها مقالاتها العامّة، التي لا تريد التفريط فيها لم يكن ثوريّا إنّما أراد أن يفكّر في حال لعلم خارج الإجماع. لو كان للنحاة برلمان كما لسياسيّي اليوم برلمان لقصد الأستراباذي مجلس الشيوخ ولجلس في مقعده في ذلك المجلس ولاسـتأذن رئيس المجلس قائلا: سيدي رئيس المجلس، زملائي الأعضاء.. ثمّ يتنحنح.. ويواصل: سأصوّت متى عرضتم قراركم القاضي بأنّ الفعل المضارع المجزوم مبنيّ بالقبول… ثمّ سيصمت صمتا يترك للجماعة أن ترتاح ويواصل / لكن… لكن.. رغم التزامي بما قرّرتم سأفيدكم بأنّ قراركم وإن كان يلزمني فإنّ فيه خللا كبيرا في الأسس النظريّة للعمل الإعرابي.. لن يسمع رئيس المجلس إلاّ لما يطمئن أن الاستراباذي سيصوّت وسيسدّ منافذ الكلام في ذهنه.. وسيقول كبار مجلس الشيوخ أن هذا لعب صبيان.. المهمّ في الإجماع..
هذا لو كان الأستراباذي في بلد يؤمن بالإجماع، ويترك للناس أن يعبروا ولا يكترث لتعبيرهم في القرارات. لكن تصوّروا لو كان الأستراباذي في بلد يلعن فيه من خرج على الإجماع، فإنّنا لن نرى الاستراباذي إلاّ وهو يسير في طريقه إلى البرلمان.. بعد ذلك سيكون فعلا مضارعا مجزوما عملت فيه الجوازم.
أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية