غزة– “القدس العربي”: أوصدت هذا العام كما الأعوام الخمس الماضية، أبواب الأسواق الأوروبية، أمام تسويق ذهب غزة الأحمر “الفراولة”، ولم يصبح الحلم حقيقة، لما للأمر من مردود مادي يساعد المزارعين على التغلب على مشاق الحياة، فبات التسويق مقتصرا فقط على أسواق غزة التي تعاني من الكساد، والضفة الغربية، التي وفرت أموالا، نجدت المزارعين من الخسائر الكبيرة.
ولم تفلح تطلعات المزارعين، ولا اتصالاتهم، هذا الموسم، بفتح الأسواق الأوروبية من جديد، وأن تتجاوز محاصيلهم التي تمتاز عن غيرها بالجودة العالية، حدود الحصار والفقر الذي يعصف بسكان قطاع غزة، بعد أن زرعوا المحصول هذا العام على مساحات واسعة تقدر بـ 2500 دونم أرض، على أمل أن تدر عليهم المال الوفير، على غرار سنوات مضت، وذلك بسبب تحكم الاحتلال في المعابر التجارية، وفي عمليات التصدير إلى الخارج.
وفي شمال القطاع تكتسي مساحات واسعة من الأراضي الزراعية باللون الأخضر، وهو لون ورق المحصول، المرصع باللون الأحمر، وهو لون الثمر الذي اكتمل نضوجه في هذه الأوقات.
ويزرع هذا المحصول بجودته العالية في غزة فقط في أراضي بلدة بيت لاهيا، الواقعة في منطقة الشمال، بسبب ملائمة تربتها ومياهها العذبة، لهذا النوع، وقد غامر المزارعون في هذا الموسم، بتوسعة مساحة زراعة الفراولة من 1700 دونم إلى 2500 دونم، وعلى أمل تعويض خسائر ماضية، حيث ينتج كل دونم ما معدله ثلاثة أطنان من الفراولة، لكن ذلك لم ينجح.
وبسبب ذلك بدأت تجوب شوارع قطاع غزة بكثرة، عربات البيع المتنوعة، ينادي أصحابها لبيع المحصول، الذي وضع في علب بلاستيكية، من تلك المخصصة للتصدير، بعد أن باءت محاولات إخراج الكميات إلى الأسواق العالمية، فيما بدأت بسطات أخرى تنتشر في الأسواق الشعبية وعلى المفترقات الرئيسة في الشوارع ببيع المحصول، الذي هبط ثمنه، ويتوقع أن يستمر الانخفاض في الأسعار في الأيام والأسابيع القادمة، حتى يصبح بيع الكيلو غرام الواحد بنحو ثلاثة شواكل، أي أقل من دولار أمريكي، في وقت كان يفترض أن يباع في الأسواق الأوروبية بأكثر من ثلاثة دولارات.
زرعت الفراولة هذا الموسم على مساحات واسعة على أمل الوصول إلى الأسواق العالمية
ويقول أبو أكرم أبو خوصة أحد مزارعي الفراولة لـ”القدس العربي” إنه منذ العام 2016، لم يجر تصدير أي كميات من الفراولة للأسواق الأوروبية، بعد أن سمح في ذلك العام بخروج كميات قليلة من المحصول لعدة عواصم أوروبية، لافتا إلى أن التصدير وقتها جاء بعد توقف بدأ من العام 2002، بسبب الإجراءات الإسرائيلية، موضحا أنه منذ ذلك الوقت يقوم المزارعون كل عام بزيادة رقعة الأرض المزروعة بهذا المحصول حتى وصلت حاليا لـ 2500 دونم.
ويوضح أن تسويق الفراولة اقتصر هذا الموسم على أسواق الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن خروجه للضفة ساهم في عدم تكبد المزارعين خسائر كبيرة، لكنه يقول إن هذه الأسواق تحتاج ما مساحته 1500 دونم من الأراضي، حيث يتبقى 100 دونم فائضا، وهو ما سيعود على المزارعين بالخسارة، ويهبط بالأسعار، ويؤكد أن العائد المادي حتى اللحظة غير مجد.
هذا ولم تتم في الموسم الحالي إخراج أي كمية من الفراولة إلى الأسواق الخليجية كما العام الماضي، ويشير المزارع أبو خوصة لـ”القدس العربي” إلى أن ذلك راجع لأزمة جائحة “كورونا” التي رفعت تكاليف النقل والتصدير إلى الضعف، وهو أمر يحول دون وصول المحصول لدول الخليج بسعر مناسب، لكنه وغيره من المزارعين يأملون في كل لحظة أن تتبدل الأحوال فجأة، وتشق كميات كبيرة من المحصول طريقها لأسواق خارج الضفة وغزة.
وفي غزة، اصطلح إطلاق لقب “الذهب الأحمر” على هذا النوع من المحاصيل، ويرمز إلى لونه المميز، وإلى ما كان يوفره من مداخيل مالية كبيرة، فترة ما كانت أسواق العالم مفتوحة أمامهم، وذلك في سنوات ما قبل الحصار الإسرائيلي، حيث كانت الفراولة الغزية تصل إلى غالبية أسواق أوروبا، في هذا الوقت من العام، الذي يعلن فيه بدء موسم التصدير، مع اقتراب أعياد رأس السنة، وبدء موسم الشتاء في القارة الأوروبية.
وبسبب الاهتمام الأوروبي بهذا المحصول الغزي، ذي الجودة العالية، حصل عدد من مزارعي الفراولة، على شهادات خاصة من الاتحاد الأوروبي، حول زراعة المحصول، وتمكنهم من تصدير منتجاتهم للأسواق الأوروبية، وقد عمل هؤلاء على تطوير عملية الزراعة، لتصبح بالطريقة المعلقة داخل دفيئات زراعية، بدلا من الطريقة التقليدية القديمة، وهو ما جعل دونم الأرض الزراعية الواحد، يوفر إنتاجا مضاعفا ثلاث مرات وأكثر عن الطريقة القديمة.
وقد بدأ مزارعو الفراولة، منذ أكثر من شهر ونصف، بإخراج كميات من المحاصيل لأسواق الضفة، بعد أن وزعت أيضا على أسواق غزة، ويتطلعون لاستمرار التصدير بكميات أكثر، خاصة وأنه مع مرور الأيام، وحتى شهر مارس القادم، تطرح أشتال المحصول كميات أكثر، وهذه الكميات بالطبع تباع في الأسواق المحلية بغزة، بأثمان أقل من تلك التي تباع فيها سواء بأسواق الضفة، أو الأسواق العالمية والخليجية.
وكان المزارعون يأملون بأن يتم تصدير محصول الفراولة ليس فقط إلى أسواق الضفة الغربية، بل إلى الخارج وبشكل منتظم، لتعويض الخسائر التي لحقت بهم بسبب الحصار وما خلفته الأزمة الاقتصادية التي خلفتها جائحة “كورونا”، باعتبار أن أي شيء قد يحول دون تحقيق ذلك، سيكبدهم مزيدا من الخسائر.
ومع بداية موسم الإنتاج، كان الناطق باسم وزارة الزراعة في غزة أدهم البسيوني، قال إن وزارته أعدت خطة تسويقية تستهدف من خلالها عددا من الأسواق الخارجية لتصدير الفراولة، لضمان نجاح الموسم بشكل كامل، لكنه أشار إلى وجود مخاطر، قد تواجه المحصول، من أبرزها الاحتلال الذي يتحكم بالمعابر وكميات التصدير، إضافة لجائحة “كورونا” وتأثيرها على السوق من حيث ضعف القوة الشرائية للسكان.
وفي سنوات سابقة، تعمدت سلطات الاحتلال عدم السماح بتصدير هذا المنتج، كما قامت في بعض المرات بوضع قيود على إخراجه، بكميات محدودة، وهو ما كبد المزارعين خسائر مالية كبيرة، حيث أن زراعة هذا النوع تحتاج إلى جهد كبير، وتكلفة عالية.
وكانت عمليات زراعة هذا المحصول تراجعت في السنوات الماضية، مقارنة بسنوات ما قبل الحصار، بسبب خشية المزارعين من عدم تمكنهم من التصدير خارجيا، حتى إلى أسواق الضفة الغربية، حيث لا يوفر بيع المحصول داخل غزة ثمن تكلفة الزراعة، وقد حددت وزارة الزراعة في غزة، بناءً على احتياج السوق المحلي والكميات المتوقع تصديرها، مساحة 1500 دونم فقط لزراعة الفراولة، وذلك لضمان سهولة ونجاح تسويق المنتج.
وقد أرجعت أسباب تحديد المساحات المزروعة من الفراولة بشكل خاص والخضار أيضا، لعدة أسباب، أبرزها توقع مواجهة صعوبات كبيرة في تصدير المحاصيل الزراعية للخارج ولا سيما الفراولة، نتيجة للإغلاق شبه الكامل للأسواق الخارجية وضعف القدرة الشرائية بسبب جائحة “كورونا” العالمية، مما قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار وتكدس المنتج في الأسواق المحلية وتعرض المزارعين لخسائر فادحة.