دمشق – «القدس العربي» : تختتم الدول المؤثرة في الملف السوري مباحثات «أستانة 15» في مدينة سوتشي الروسية، والتي يرغب من خلالها الفاعلون الدوليون بمواصلة الحد الأدنى من التفاهمات، وترحيل الخلافات مع عدم إلغاء الخيار العسكري كوسيلة للضغط بين القوى المتواجدة على الأراضي السورية ويمكن تلخيص المشهد في سوتشي بأن «أهداف «ثلاثي أستانة» كان الحاضر الأول في سوتشي… والغائب البارز هموم السوريين ومستقبلهم».
ويحاول الطرفان التركي والروسي من خلال الاجتماعات إنقاذ اللجنة الدستورية بالدرجة الأولى وضبط الخروقات وتمديد التهدئة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري شمال غربي سوريا. ونقلت وكالة الاناضول التركية عن مصادر مطلعة أن هناك توافقاً بين الدول الضامنة على تمديد اتفاق التهدئة في منطقة إدلب، شمالي سوريا.
العلاقات التركية – الروسية
وأوضحت المصادر، أن وفود الدول الضامنة، تركيا وروسيا وإيران، بحثت البيان الختامي للمؤتمر، وتوافقت على تمديد التهدئة الموجودة حالياً في إدلب، كما جرى أيضاً الحديث عن اللجنة الدستورية، حيث سيتم في ختام الاجتماع، تأكيد تقديم الدول الضامنة دعمها لعمل اللجنة. وانطلقت اجتماعات «أستانة 15» بلقاءات تقنية ثنائية، وجمع أول لقاء وفد المعارضة مع الوفد الروسي، فيما جرى عقد لقاءات أخرى بين وفود الدول الضامنة.
ترحيل للخلافات… خيار التصعيد وارد و«انفتاح روسي» على المعارضة
وعقب لقاء وفد المعارضة بنظيره الروسي، قال أيمن العاسمي «المبعوث الأممي غير بيدرسون كان حازماً جداً في لغته بأن المجتمع الدولي قد يبحث عن مقاربة جديدة في حال عدم تحقيق تقدم بعمل اللجنة الدستورية». وأضاف المتحدث باسم وفد المعارضة العسكرية «فشل اللجنة الدستورية يقدم فكرة واضحة عن سعي روسيا إلى إقرار حل وحدها في سوريا» مبيناً أنه «على روسيا عدم الاكتفاء بتوجيه النصائح للنظام، بل إجباره على الدخول بعمل اللجنة الدستورية باعتبارها كانت فكرة روسية».
وشدد على أن «الروس أدركوا أن المضي في مسار اللجنة الدستورية كما يجب أن يكون، سيساعد في تفكيك النظام الحالي وتكوين نظام جديد، فأدركوا أهمية وخطورة اللجنة الدستورية في اللحظات الأخيرة، بعد أن قدمت المعارضة أوراقاً تساعد على تغيير النظام بشكل جذري ومن هنا بدأ التراجع الروسي». وختم بقوله: «لمس وفد المعارضة أن هناك رغبة روسية بالتواصل مع المعارضة السورية الحقيقية، وطالب (المبعوث الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر) لافرنتييف المعارضة أن تبقى على تواصل مع روسيا والقيام بزيارات لها».
الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي شرح من خلال اطلاعه على البيان الختامي للجولة 15 نقاطاً عدة أولها خلوه من أي بند أو عبارة تُشير لوصول الدول الضامنة لاتفاق نهائي لإطلاق النار شمال غربي سوريا. مما يعني أن تمديداً تلقائياً للتهدئة سيستمر حتى الجولة رقم 16 أو حتى 6 أشهر بموجب ما تنص عليه مذكرة خفض التصعيد، مع استمرار التصعيد كوسيلة للضغط.
وقال عاصي، إن البيان الختامي أكد على الالتزام بدفع العملية السياسية في إطار اللجنة الدستورية، وبالتالي التمسك باستمرار المسار، لكن قد يحتاج ذلك لمباحثات لاحقة لمناقشة سبل ذلك بين الدول الضامنة والمبعوث الأممي. كما استنسخ البيان البنود والعبارات ذاتها التي تضمنتها الجولات السابقة بشكل شبه حرفي.
ورأى أن ذلك يدل على استمرار تفاهمات الحد الأدنى وترحيل الخلافات وتقديم السبل الدبلوماسية والحوار، دون أن يلغي ذلك استخدام السبل العسكرية كوسيلة للضغط في إطار الانتقال من التنافس إلى التعاون.
لا بد من الإقرار بأن هناك قناعة وحرصاً متبادلاً من قبل روسيا وتركيا على استمرار التنسيق والعمل المشترك. ومع ذلك، لم يتخلّ أي منهما عن التنافس، وعليه يقول الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي لـ«القدس العربي»، إن روسيا لجأت مراراً وما تزال إلى الضغط العسكري لتحقيق أهدافها وتمرير مقاربتها حول ملفات الإرهاب واللاجئين وحركة التجارة وحدود النفوذ، في المقابل استمرت تركيا بتمكين استراتيجية الردع عبر المزيد من الانخراط العسكري.
وبرأي «عاصي» فإن استراتيجية الردع احتاجت وما تزال لوقت كافٍ من أجل تطبيقها، لذلك كانت تركيا حريصة على الحفاظ على التهدئة وإيصال تطمينات إلى روسيا تبعث على الثقة للتأكيد على جدية الرغبة في استمرار التعاون في إدلب، والذي يتطلب تطبيق بنود مذكرة موسكو من تأمين الطريق الدولي M4 وتعزير التنسيق في مجال مكافحة الإرهاب، ومن هنا جاءت آلية التدريب المشترك التي تم تنفيذها 3 مرات في النصف الثاني من عام 2020.
وحول مستقبل العلاقة بين الطرفين، توقع المتحدث، استئناف عمل الدوريات المشتركة، خلال الأسابيع القادمة، وأضاف «يُفترض أن نشهد في حال عودة التنسيق والتعاون تشديد إجراءات الرقابة على المستوى العملياتي واللوجستي مثل إقامة أبراج وكميرات وتفعيل عمل المحارس».
الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام رشيد الحوراني اعتبر أهداف موسكو من هذا المؤتمر إحياء اللجنة الدستورية خاصة بعدما دق النظام المسمار الأخير في نعشها خلال الجولة الخامسة من مفاوضات اللجنة الدستورية، بالتزامن مع مساعي المبعوث الخاص إلى سوريا غير بيدرسون الوصول إلى اختراق في هذا ينقذ اللجنة، وتحميله النظام السوري مسؤولية التعطيل.
وقال لـ«القدس العربي» إن روسيا تعمل على إيجاد آلية تهدف من ورائها مع المؤتمرين، للوصول إلى أحد أمرين الأول وجود مخرج يحفظ ماء وجهها في ظل تعثر اللجنة الدستورية التي هي بالأساس من أبرز مؤسسي مسارها، والثاني العمل على إيجاد آلية توافقية مع المؤتمرين للالتفاف على الإجماع الدولي الخاص بالمسألة السورية.
النتائج معدومة
واعتقد أن النتائج ستكون معدومة لأن المعطيات المحلية الخاصة بسوريا والإقليمية قد تبدلت، وأن بعض الأطراف وعلى رأسها تركيا أصبحت ذات دور أقوى بكثير من قبل، وهو الأمر الذي تحسب روسيا له حساباً.
وفي 5 مارس/ آذار 2020، أُعلن اتفاق التهدئة في إدلب إثر قمة انعقدت بين الرئيسين التركي رجب طيب اردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، في روسيا.
عضو هيئة التفاوض السورية ديما موسى اعتبرت في حديث مع «القدس العربي» أن العلاقة بين دول مسار أستانة هي علاقة استراتيجية وتتداول عدداً كبيراً من الملفات ومنها الملف السوري.
وفي ظل المستجدات الأخيرة فيما يتعلق بالملف السوري وتحديداً الجولة الخامسة من اللجنة الدستورية والتي استطاع وفد النظام أن يستمر بتعطيلها، توقعت موسى أن يكون له أولوية في هذا المؤتمر، وفي ظل وضوح عدم رغبة النظام بالانخراط بجدية في أي عملية تصب في الوصول لحل سياسي، يجب أن تركز النقاشات بين هذه الدول وفي المجتمع الدولي ككل في القيام بما يلزم للدفع بشكل جدي نحو الحل، وإيجـاد الـسبل المـناسبة للضغط على من يعطل الحل السياسي للتوقف عن وضع العراقيل وتضييع الوقت لبدء تنفيذ القرار 2254 بكامله.
وأبدت المتحدثة أملها في أن يكون هذا المؤتمر فرصة للضغط على روسيا لتقوم بدورها بالضغط على النظام بشكل حقيقي لوقف تعطيل العملية السياسية، حيث أن هذا التعطيل له تداعيات سلبية على الشعب السوري بالدرجة الأولى ولكن أيضاً مهم لروسيا حيث أنه يهدد مسار أستانة كلل.