الخرطوم ـ «القدس العربي»: استدعت وزارة الخارجية السودانية، أمس الأربعاء، سفير الخرطوم في أديس أبابا للتشاور بشأن تطورات أزمة الحدود المتصاعدة بين البلدين، فيما أعلنت إثيوبيا رغبتها بتوسط تركيا في الأزمة.
وقال الناطق الرسمي باسم الخارجية السودانية، منصور بولاد، في تصريحات صحافية إن «استدعاء السفير السوداني في أديس أبابا، يأتي بغرض التشاور بشأن تطورات الأزمة وسيعود إلى مقر عمله في إثيوبيا بعد انتهاء المشاورات».
وكانت الخارجية السودانية استبقت هذه الخطوة ببيان يوم الأحد، استنكرت فيه ما وصفتها بـ«التعديات» بدخول قوات إثيوبية إلى الأراضي السودانية، معتبرة إياه عملا «عدوانيا» حسب البيان الذي أوضح أن السودان «يدين ويستنكر العدوان الذي قامت به إثيوبيا بدخول قواتها إلى أراض تتبع له قانونا، في انتهاك مباشر لسيادة السودان وسلامة أراضيه».
وأشارت إلى أن «اعتداء إثيوبيا على الأرض السودانية هو تصعيد يؤسف له ولا يمكن قبوله، وأن من شأنه أن تكون له انعكاسات خطيرة على الأمن والاستقرار في المنطقة» مشددة على أن «السودان يحمل إثيوبيا المسؤولية كاملة عما سيجر إليه عدوانها من تبعات» مطالبة إثيوبيا بـ«الكف فوراً عن تعديها على أراضيها، وأن تعدل إلى الحوار وتحرص على إكمال إعادة تخطيط الحدود».
في السياق، أكدت وزارة الخارجية الإثيوبية، أمس الأربعاء، أنها «ستشعر بالامتنان في حال توسطت تركيا بينها وبين السودان، من أجل حل النزاع الحدودي القائم».
وحسب ما بيّن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، في حديث مع وكالة «الأناضول» التركية فإن بلاده «لا تفكر في الحرب في الوقت الحالي» لافتا إلى إمكانية حل الأزمة الحدودية بين البلدين في منطقة الفشقة الحدودية بـ«الطرق الدبلوماسية». وقال: «سنشعر بالامتنان إذا عرضت تركيا القيام بدور الوساطة بيننا، حيث أن الحدود السودانية الإثيوبية تشهد توترات منذ فترة».
علاقات «رائعة»
وحول العلاقات الإثيوبية مع دول القرن الأفريقي، أشار إلى أن «إثيوبيا تمتلك علاقات رائعة مع كل من أريتريا، وجيبوتي، الصومال، وكينيا، فضلا عن السودان، رغم الخلاف الحدودي» لافتا إلى «استمرار أنشطة الإغاثة في إقليم تيغراي بعد انتهاء العملية العسكرية ضد الجبهة الشعبية لتحرير الإقليم، وأن المساعدات طالت 80٪ من أهالي المنطقة حتى الآن».
وكانت إثيوبيا أعلنت السبت الماضي، استعدادها لقبول الوساطة من أي دولة لحل الأزمة الحدودية مع السودان، في حال نفذت الخرطوم شرطا واحدا.
ودعا مفتي حكومة السودان إلى وقف ما سماها «عمليات نهب وتهجير المواطنين الإثيوبيين التي بدأت اعتبارا من 6 نوفمبر(تشرين الثاني) بينما كانت الحكومة الإثيوبية منشغلة بفرض القانون والنظام في إقليم تيغراي».
وكان عضو مجلس السيادة الانتقالي في السودان، الفريق أول، شمس الدين الكباشي، اتهم إثيوبيا بأنها تمارس ما يشبه الاستيطان الإسرائيلي، وذلك خلال تعديها على الأراضي السودانية في منطقة الفشقة. وشدد على أن القوات السودانية لن تتراجع عن شبر من الأراضي التي استعادتها في منطقة الفشقة من الجانب الإثيوبي.
مساع جديدة
يأتي ذلك في وقت أعربت فيه دولة جنوب السودان، التي تعمل على الوساطة بين البلدين، وقطعت فيها شوطا طويلاً بزيارات متتالية للعاصمة أديس أبابا والعاصمة الخرطوم، عن قلقها من نشوب حرب بين إثيوبيا والسودان، إثر الانتشار العسكري الكثيف على حدودهما، وكشفت عن مساعٍ جديدة للوساطة تقودها، وعن شروط من الطرفين لخوض المفاوضات.
أديس أبابا طلبت وساطة أنقرة… وشروط للبرهان للقاء أبي أحمد
وقال مستشار رئيس جنوب السودان للشؤون الأمنية ورئيس الوساطة بين السودان وإثيوبيا، توت قلواك، في تصريحات صحافية في الخرطوم، إن زيارته الأخيرة للخرطوم مبعوثاً من رئيس بلاده «أتت إثر قلقهم من الانتشار العسكري الكثيف على حدود البلدين، والتخوف من نشوب حرب».
وأوضح أن «دولة جنوب السودان ستتأثر بهذا الوضع باعتبارها جزءاً من دول الهيئة الحكومية للتنمية الإفريقية إيغاد، وجزءاً لا يتجزأ من السودان».
وأضاف أن «رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت، اتصل برئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، وأعرب عن قلقه من نشوب حرب بين الدولتين».
وكشف عن لقاء جمعه بالبرهان قبل يومين، حيث أكد الأخير «استعداده للجلوس مع نظيره الإثيوبي، وأن بلاده لا ترغب في خوض حرب مع أديس أبابا، فيما شدد البرهان على ضرورة انسحاب إثيوبيا من الأراضي السودانية».
4 شروط
ونقل قلواك عن البرهان طرحه 4 شروط على الجانب الإثيوبي قبل الجلوس مع أبي أحمد، تشمل «وضع علامات على حدود البلدين، والرجوع إلى اتفاقية عام 1902، وسحب المزارعين من الأراضي السودانية، وأن تكون إدارة المنطقة الحدودية لمصلحة الحكومة السودانية».
وأشار إلى أنه «ناقش الوضع مع أبي أحمد، خلال زيارته ووفد الوساطة لإثيوبيا الأسبوع الماضي، حيث اشترط أبي أحمد سحب القوات السودانية قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض».
ونقل قلواك عن أبي أحمد قوله إن «وجود تلك القوات في الأراضي الإثيوبية غير مقبول ويمثل احتلالاً ووجوداً أجنبياً غير مرغوب به».
وأكد أنه «لا يرغب بدخول الطرفين في حرب شاملة» مشدداً أن عليهما «معالجة القضايا بالوفاق والحل السياسي».
وكشف عن زيارة مرتقبة للبرهان إلى جوبا خلال الأيام المقبلة، حيث سيلتقي الرئيس سلفا كير لمناقشة قضايا الحدود، فيما سيزور أبي أحمد، جوبا، قبل الدعوة إلى قمة ثلاثية للوصول إلى اتفاق ورؤية سياسية واضحة.
وقال إن فريق الوساطة يهدف إلى «جمع الطرفين والتوصل إلى اتفاق مع وجود فريق من الخبراء وفقاً للخريطة البريطانية، بدلاً من الدخول في حرب».
«نقوم بواجبنا»
وتشهد الحدود بين البلدين توتراً، حيث قال مصدر عسكري سوداني لـ«القدس العربي» إن «هناك تقارير استخبارية أفادت بأن حشودا من الجيش الإثيوبي اتخذت مواقعها في الجانب الإثيوبي منذ الإثنين الماضي، في مناطق الحمرة وبرخت والرويان، وإن تلك الحشود مجهزة بأسلحة ثقيلة».
وتابع، رافضا الكشف عن هويته: «ما تطلبه إثيوبيا من انسحاب قواتنا من أراضينا التي استعدناها حلم بعيد المنال، وطوال تاريخ علاقة السودان بإثيوبيا الممتدة لسنوات طويلة لم تدع أثيوبيا في يوم من الأيام أن هذه أراض إثيوبية، وموقفها الأخير هذا موقف جديد كلياً، والجيش بحكم المسؤولية الوطنية والدستور مكلف بحماية حدود السودان ونحن نقوم بواجبنا الآن».
وأضاف «طوال تاريخ الجوار السوداني – الإثيوبي، كانت العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل بين الحكومتين والشعبين، وهو ما نرغب في استمراره، لكن حزب شعوب الأمهرا الديمقراطي، الذي من الواضح أنه يسيطر على أثيوبيا يريد تخريب هذه العلاقات الممتدة عبر الادعاءات الكاذبة حول إثيوبية أراضي الفشقة، التي يعلم الأمهرا والشعب الإثيوبي جميعا سودانيتها الخالصة في الماضي عند حربهم مع نظام منغستو في أديس أبابا أو في الحاضر عندما اعترف الرئيس السابق هايلي مريم ديسالين بسودانيتها في لجنة ترسيم الحدود التي أقرت ميزانية وضع العلامات على الأرض، وهو ما نريده أن يحدث الآن وليس غدا».
وتشهد الحدود السودانية الإثيوبية، منذ أشهر، اشتباكات في منطقة الفشقة الصغرى جميزة، بعدما أعاد الجيش السوداني نشر قواته في تلك المنطقة، ليستعيد نحو 90٪ من أراضٍ زراعية شاسعة كان يستغلها مزارعون إثيوبيون تحت حماية عناصر مسلحة، ويعتبرها السودان جزءاً من أراضيه.