قبل إطلاق الأقمار الصناعية وانفتاح العالم الفضائي، كانت السينما هي الوسيلة الوحيدة للتواصل مع الشعوب العربية، عبر ما يُعرض من أفلام ويُطرح من أفكار، باستثناء الكتاب الذي يُخاطب محتواه النُخب فقط، دون عوام الناس، فالرواية والقصة القصيرة والشعر روافد معرفية ثقافية خاصة ومقصورة على نسبة محدودة من الفئات الاجتماعية. ويُضاف إلى وسائل التثقيف والتواصل، الفن التشكيلي فهو أيضاً أحد المجالات الإبداعية الثرية التي مثلت بوصلة التوجيه الصحيح للتعارف، والتفاعل بين الشعوب العربية بعضها ببعض، لكنه لم يكن كافياً إلى الحد الذي حققته السينما خلال السنوات الماضية، قبل أن تأتي الدراما التلفزيونية فتهدم الحواجز كافة وتزيل جميع المعوقات فتصبح الثقافة العربية المجتمعية ثقافة موحدة، لا تفصلها إلا اللهجات والعادات والتقاليد، وبعض المورثات الثقافية القديمة والمحلية.
لقد اشتهر الفنان دريد لحام في مصر، وأصبح علماً من أعلام الإبداع التمثيلي بفضل السينما السورية، التي منحتها المهرجانات فرصة كبيرة للانتشار، وكان لبروز لحام ما يُبرره، حيث ساعد اتجاهه الكوميدي النقدي الساخر في وصول رسالته بسهولة، فقد تجاوب معه الجمهور المصري بسرعة،
لإحساسه بأنه يترجم همومه ومشاكله القريبة من الهموم السورية والعربية بشكل عام، ولما زادت المهرجانات والفعاليات المصرية العربية المشتركة، دخل نجوم آخرون في منافسة مع النجم دريد لحام، كأيمن زيدان وبسام كوسا كنموذجين مهمين للأداء السلس المُقنع، وبقي الفرسان الثلاثة هم أبرز من يعرفهم عشاق الفن والسينما في مصر.
وبعد الثورة الفضائية التي أحدثتها الأقمار الصناعية في المنطقة العربية إبان الألفية الثانية، ظهرت أسماء ووجوه عربية كثيرة في المشهد السينمائي والتلفزيوني، وباتت المتابعات الفنية أمراً يسيراً، والاطلاع على جديد الإبداع العربي عادة يومية، ومن هنا بدأت حساسية التنافس تُسبب أزمة في بداية التعارف الجماهيري على الدراما السورية، لكن سرعان ما تلاشت هذه الأزمة في ظل التأقلم والمعايشة الكاملة مع الدراما العربية، إذ صارت الدراما السورية وغيرها من ضروريات المكون الثقافي المصري العربي، وبالتدريج أصبح

عنصر المُتعة هو المؤثر الوحيد في ارتباط الجمهور المصري بالدراما غير المصرية، وفي هذا الخصوص تعددت الروافد والنوافذ، فدخلت على خط المنافسة دول أخرى غير عربية كالهند وتركيا على سبيل المثال، ولا شك في أنها جذبت نسبة غير قليلة من قاعدة المشاهدة العريضة فتوزع الاهتمام وعُقدت بطبيعة الحال المقارنات على مستويات كثيرة، كأماكن التصوير والتقنيات والمحاور الدرامية والأداء التمثيلي، وبقي نجوم ونجمات عرب معينون، داخل المنطقة المحايدة، إذ تعامل معهم المشاهد المصري بوصفهم النجوم المفضلين لديه، ومن هؤلاء جمال سليمان وظافر العابدين ودُرة وهند صبري، ولم تعد مسألة الهوية أو الجنسية ذات أهمية في ما يتصل بالإعجاب الفني والارتباط النفسي.
وانسحبت عملية الارتباط على بقية النجوم الآخرين، بمن فيهم الفنانون الذين اشتهروا في بلادهم، وعُرفوا لدى الجمهور المصري والعربي من خلال ظهورهم المتكرر في أعمال ناجحة، وربما يتعين في هذا المقام الإشارة إلى أسماء بعينها كعباس نوري وأسعد فضة وباسم ياخور، فهؤلاء استطاعوا أن يقيموا علاقة قوية عن بُعد مع جمهورهم المُنتشر في البلدان العربية المختلفة، وبصفة خاصة في مصر، وليس ذلك على مستوى نجوم التمثيل فقط، بل إن الأمر نفسه شمل بعض المخرجين المتميزين كالمخرج الراحل حاتم علي، الذي ترك رحيله أثراً مؤلماً في نفوس الجماهير المصرية، كونه اقترب من الواقع المصري، وأسهم في تصويره من خلال عدد من المُسلسلات فاعتُبر مُبدعاً مصرياً تماماً لا فرق بينه وبين غيره من أبناء الوطن وأصحاب المواطنة.
وكذلك ذهبت عيون الجماهير المصرية المُحبة والمتيمة بالدراما العربية، إلى العلامات الفارقة في المستوى والمضمون والشكل كمسلسل «باب الحارة» و«خاتون» ولم تُهمل أيضاً مسلسلات أخرى فيها ما يميزها، ويلفت إليها النظر مثل مسلسل «بدر الليل» ومسلسل «عبرة شارع» و«قنديل العُشاق» و«جنة هلي» و«درويشيات» والأخير يمثل حالة كوميدية ساخرة تستهدف نقد السلبيات الاجتماعية في المحيط العربي، وتقويم ما هو معوج من أوجه السلوك الخاطئ والمرفوض، وهي وإن كانت بدائية بعض الشيء وتشبه البرامج التوعوية، لكنها تعكس صدقاً ما في النوايا الطيبة لصُناعها وأبطالها والعاملين على عرضها وإنتاجها. ولعل ما يشجع على مشاهدة النوعيات المختلفة من صنوف الدراما العربية، هو ذلك التشابه الكبير بين تفاصيل الواقع المحلي في كل البلدان الشقيقة، ما يوحي بوحدة القضايا والمُشكلات والهموم داخل الجسم العربي الواحد الذي لا تُبعده المسافات ولا تفصله الحدود.
كاتب مصري