وفرة المُسلسلات… تُضيع فُرص المُشاهدة المُمتعة وتشتت الأذهان

من الصعب الوقوف على حقيقة ثابتة لتميز عمل درامي معين في ظل الوفرة الكبيرة من كل الأصناف والألوان الفنية والشخصيات، غير أن فرص المُتابعة والفرجة تقل بالضرورة، مع تضارب مواعيد عرض المُسلسلات وتعدد الفضائيات، ناهيك عن توالي الفواصل الإعلانية التي تُفسد بدورها مُتعة المشاهدة وتقطع استرسال الأحداث فتكون النتيجة البحث عن مشاهد أخرى لمسلسل آخر، لحين انتهاء الفاصل الإعلاني الذي يطول زمنه إلى حد الملل، والرغبة القوية في الانصراف التام عن فكرة الترقب ومتابعة الحدوتة الدرامية وتطورها.
من هنا تأتي الأزمة في تكوين رأي مُحدد ودقيق عن العمل الفني وتفضيل الانشغال عنه، بدلاً من جحيم الإعلانات وتسلطها على الجمهور بإعمال مبدأ التكثيف للفوز بأكبر قدر من المساحات في أوقات الذروة.
هذه الأزمة تُمثل إشكالية كبرى تتكرر كل عام مع زيادة المُنتج الدرامي والمُنتجات الإعلانية بشكل طردي، في مُعادلة لا تتكافأ مُركباتها، حيث الغلبة والأولوية دائماً للإعلانات، ما يؤدي بالفعل إلى إضاعة فرص المُسلسلات الجيدة لميزة مُتابعتها والتفاعل الجماهيري معها، وبالتالي ضياع حق صُناعها ومُبدعيها في تلقي ردود الأفعال الإيجابية من جانب المُشاهدين، والوصول إلى درجة الرضا عن أدائهم والاستمتاع بالنجاح. لقد أفلح بعض النجوم من أبطال الأعمال الدرامية الجادة والمُتميزة في أن يتركوا أثراً قوياً لاجتهادهم في الأداء واستطاعوا بمجهودهم الفردي الوصول إلى أعلى درجات الإقناع في تجسيد الأدوار المُختلفة، وبالقطع اقتصر هذا التميز على مُمثلين ومُمثلات بعينهم، وفي مُسلسلات محدودة يأتي في مقدمتها مسلسل «وعود سخية» لبطلته حنان مطاوع التي بدت كأنها حالة استثنائية خاصة للغاية، أداءً وفناً وتطويعاً ماهراً للموهبة والقُدرات الإبداعية، فأعطت للعمل كله أهمية ومنحته مذاقاً مُختلفاً.
ولم يكن مسلسل «وعود سخية» مجرد حالة إبداعية خاصة بالبطلة، وإنما ظلت على التمكن والإتقان والذوبان الكامل في التفاصيل والمضمون في مُسلسل «سره الباتع» للمخرج خالد يوسف الذي يقدم أولى تجاربه الدرامية التلفزيونية بأسلوب جديد يمزج فيه بين أحداث تاريخية قديمة نسبياً، ووقائع مُعاصرة في بانوراما فكرية اجتماعية سياسية، تعتمد على ما سجله الكاتب والأديب يوسف إدريس في عمله الأدبي الأقوى بالعنوان نفسه.

وبعيداً عن طريقة السرد والتوثيق الدرامي للأحداث التاريخية في زمن الحملة الفرنسية، واختلاط الحابل بالنابل، نجد تشويشاً ما في الرؤية العامة وخروجاً عن المألوف، يُسبب اغتراباً مع الفكرة وصعوبة في استقبالها واستيعابها، مع التأكيد على تميز الأبطال حنان مطاوع وأحمد السعدني في الأداء التمثيلي.
ويأتي مسلسل «حضرة العُمدة» كاختبار حقيقي لموهبة روبي في سياق مغاير تماماً لأنماطها السابقة، بما فيها مسلسل «سجن النساء» الذي فجر مواهبها وأعاد اكتشافها كممثلة من زاوية أخرى غير زاوية الأدوار الخفيفة للمطربة التي تتمتع بصوت مميز له حلاوة وطلاوة، روبي تقدم في «حضرة العُمدة» نموذجاً فريداً للقيادة النسائية في القرية المصرية استلهاماً من النموذج الواقعي الموجود في إحدى قرى الوجه البحري، وتُبرز التحديات الصعبة التي تواجهها المرأة في هذا المنصب المُقتصر على الرجال، خاصة إذا كانت تتسم بالحسم الشديد ولا تسمح باستغلال ضعفها كأنثى وترفض النظرة العنصرية بأفضلية الرجل وأحقيته بمنصب العُمدة، باعتباره مُتمرساً على الوظيفة المتداولة بين الرجال ولا مجال فيها للمنافسة النسائية على الإطلاق، حسب الأعراف والتقاليد الريفية، وهي الجزئية التي لمسها الكاتب إبراهيم عيسى وأراد أن يأتي بعكسها ليطرح مفهوماً مُختلفاً لثقافة انفراد الرجل بالمناصب القيادية وبالتحديد منصب العُمدة بدلالته التراثية القديمة في المُجتمعات المُحافظة.

ووفق المُعطيات الدرامية المُختلفة في التناول والتجسيد والأفكار يحتل مسلسل «ستهم» حيزاً لا بأس به من اهتمام الجمهور، كونه يتعرض لقضية مهمة تتعلق بالاستيلاء على حقوق النساء من الميراث الشرعي في ثقافة المجتمع الجنوبي، ومقاومة المرأة في سبيل الحصول على حقها من الأشقاء الرجال الذين لا يؤمنون بتوريث المرأة، فالمُسلسل الذي تقوم ببطولته روجينا يجسد قسوة الحياة على من تحاول الهروب من جحيم العادات والتقاليد واستبداد الرجل، فمن مظاهر القسوة لجوء «ستهم» الهاربة من الصعيد إلى القاهرة للعمل في مجال المعمار لتربية طفلها الرضيع وتحملها مشقة الاحتكاك بفئة العُمال وغلظة البعض منهم رغم تخفيها في ملابس رجالي.
والملاحظ في المُسلسل المذكور أنه يُمثل تناغماً في فكرته العامة مع المطروح في مسلسل «حضرة العُمدة» لروبي وذلك العزف الثنائي على قضية اضطهاد المرأة وعنائها الشديد في حصولها على الحقوق المُكتسبة التي أقرها التشريع الإسلامي والقانون الوضعي، وهو أمر يستدعي الوقوف أمام محاولات التركيز على القضايا ذات الحساسية وتصويرها باعتبارها جرائم تُرتكب ضد المرأة مع سبق الإصرار والترصد بما يدفع للتدقيق في التفاصيل والبحث عن أسباب تشجيع مثل هذه الأعمال والإنفاق عليها بسخاء لتطفو قضية اضطهاد المرأة على السطح، بوصفها ظاهرة سلبية مُتفشية، وملمحا من ملامح المُجتمع المصري.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية