هذه رموز الماضي المصري والعربي والعالمي القريب، ولأن الأمس يُشكل اليوم، والأمس واليوم يصبان في الغد، فهي كتابة عن الناس الآن. أحاول أن أشركهم معي في أن يطلوا على من كانوا قبلهم، ومن تركوا لنا كل هذا النور، الذي نسبح فيه في كل لحظة، وأعتقد أن محاولة تذكّرهم هي رد جميل، أو رد اعتبار لما قدموه لنا.
هذا ما يقوله الكاتب يوسف القعيد في كتابة ذكرياته التي عنونها بـ»وجوه وحكايات»، وصدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة.
هنا يكتب القعيد عن أبطال رحلة التعب التي بدأت في منتصف ستينيات القرن الماضي، وما زالت مستمرة حتى الآن على الأقل. من هؤلاء الأبطال يوسف إدريس، معالي زايد، سهير القلماوي، سعاد الصباح، إحسان عبد القدوس، سيد عويس، الشيخ إمام عيسى، علي أحمد باكثير، إدوارد سعيد، أمينة السعيد، جبرا إبراهيم جبرا، عائشة عبد الرحمن وغيرهم.
هنا يرسم القعيد لهؤلاء بورتريهات من الذاكرة، كاتباً شهادته عنهم، سائلًا نفسه لماذا يفعل هذا ومجيباً، ربما لإحساسه بأن الأجيال الطالعة تحتاج منا أن نقدم لها قدوة. هنا يكتب القعيد عن هؤلاء بحب، بدون أن ينصب لهم محكمة، وبدون أن يحفر في أنفسهم وفي قلوبهم، إذ لم يعطه أحد الحق في هذا.
كتابة مجردة
القعيد يرى أن هؤلاء كانوا كالهواء الذي يتنفسه الإنسان في كل لحظة يعيشها، وهو يجدهم أينما توجه، إما من خلال صفحات كتبهم، أو من خلال حضورهم الإنساني. الكاتب يصف هنا كتابته هذه بالمجردة، التي تخلو من أي هوى، وتخاصم المصلحة، معتقدًا أنه ليست هناك مصلحة من الكتابة عن الذين رحلوا عن عالمنا، فاعلًا هذا لأن الأجيال الطالعة تريد منا أن نقدم لها مساحات من النور والأضواء، مبتعدين عن مناطق الظلال، محاولاً إقناع نفسه ومن يقرأ هذه الكتابة أن التجربة الإنسانية خير معلم لنا.
يتذكر القعيد، يوسف إدريس ساكباً سبع دمعات على قبره قائلًا، إنه أدرك الآن فقط أننا فعلًا وقولا حضارة الساعة الخامسة والعشرين، الحضارة التي شعارها لا كرامة لكاتب في حياته، والمطلوب منه أن يرحل عن عالمنا أولاً، ثم تبدأ حفلات التكريم التي لن تنتهي.
متحدثًا عن حضوره لجنازة الفنانة معالي زايد، يقول الكاتب إنه مهما كانت قدرته على الكتابة، أو الحكي، أو الاسترسال أو الوصف، فلن يستطيع وصف ما جرى عندما أُعلن عن قرب قدوم ممثل جديد اسمه محمد رمضان، حيث حدثت حالة من الهرج والمرج، التي قضت على طابور من يتقبلون العزاء، وتم دهس المعزين الذين شاءت ظروفهم السيئة أن يصلوا في الوقت نفسه الذي أعلنوا فيه عن وصول محمد رمضان، كما حدث الأمر نفسه مع فنان اسمه رامز جلال. القعيد يرى أن
ما حدث هذا يعبر عن حالة من انهيار الأذواق في التعامل مع الفن، والمتع التي يمكن أن يوفرها الفن.
حفار قلوب
أما حين يتذكر يوسف القعيد علاقته بالمترجمة الروسية فاليريا كيربتشنكو التي ترجمت له ثلاث روايات إلى الروسية، يقول إنها لم تكن مجرد مترجمة أمينة ودقيقة وصادقة، لكن دور النشر الكبرى التي نشرت ترجماتها من العربية، حذفت منها كل ما يتناول الروح والضمير، وكل رؤى وأبطال الماوراء، ولم يكن هذا ذنب فاليريا كمترجمة، ذاكراً أن من يقرأ دراساتها يكتشف أنها صاحبة مشروع يقوم على ربط النص بمبدعه، وقراءة نتاج المبدع في سياق مجتمعه. كما يذكر الكاتب أن فاليريا كانت تفضل تولستوي وتشيكوف أكثر من غوركي وديستويفسكي، الذي كانت تراه حفار قلوب، مؤكدة أن الناس هم الناس في كل زمان ومكان.
متذكراً معرفته بسهير القلماوي، يذكر القعيد أنها أول طالبة تدخل الجامعة المصرية، وأن طه حسين، تعهد لوالدها بأنه المسؤول عنها خلال فترة الدراسة، ليوافق الوالد على التحاقها بالجامعة، متحدثاً عن المضايقات التي كانت تتعرض لها. في كتابه هذا الذي يكتب فيه القعيد عن سعاد الصباح وعن صلاح أبو سيف وسيد عويس يقول، متحدثاً عن ذكرياته مع عبد الرحمن منيف، إنه عرفه في البداية في بغداد في منتصف سبعينيات القرن الماضي. ذاكراً ما كتبه منيف نفسه عن المنفى، إذ يقول إن المنفى هو مكان بارد موحش يشعرك دائمًا بأنك غريب وغير مرغوب فيك. المنفى مكان تفترضه محطة مؤقتة، لكنه يصبح لاصقاً بك كعلامة فارقة، إنه المؤقت الذي يصبح وحده الأبدي. منيف الذي، نقلًا عن القعيد، رأى أن الوطن ليس هو التراب، ولا هو المكان الذي يولد الإنسان فيه، بل هو المكان الذي تستطيع فيه أن تتحرك، يؤكد أن الكتابة رحلة مليئة بالمتعة والعذاب. منيف يرى أن الجلادين لم يولدوا من الجدران، ولم يهبطوا من الفضاء، لكننا نحن الذين خلقناهم كما يخلق الإنسان آلهته. نحن الذين خلقنا الجلادين وسمحنا لهم باستمرار السجون والمعتقلات، من خلال تساهلنا وتنازلنا عن حقوقنا، ومن خلال استسلامنا لمجموعة من الأوهام والأصنام.
اعتراف جميل
كذلك يصف القعيد المخرج إسماعيل عبد الحافظ، بأنه كان عنيداً وصلباً في مواقفه السياسية، بدون أن يباهي بذلك، وكان قوميّا عروبيّا، بدون أن يحول مواقفه إلى لبانة يتشدق بها ليل نهار. لقد انكب على عمله وتفرغ لمشروع عمره وهو الإخراج التلفزيوني. حين يكتب القعيد عن جبرا إبراهيم جبرا يقول إنه اعترف له ذات يوم اعترافاً جميلاً قال له فيه، إن النقاد الكبار في كل آداب العالم قلة شديدة إذا ما قورنوا بعدد المبدعين، والناقد الحقيقي والمؤثر، لابد أن يكون مثقفا ولديه موهبة تلقائية في فن التعامل مع النص الأدبي. وهكذا جمع يوسف القعيد هنا مجموعة من النجوم، كل في مجاله، متحدثاً عن ذكرياته معهم، راسما لهم بورتريهات مستنداً إلى معرفته بهم وقربه منهم ومعايشتهم لحظة بلحظة.
كاتب مصري