الأزمة السياسية في تونس: هل تعزز موقع النهضويين أم تسحب البساط منهم؟

نزار بولحية
حجم الخط
1

مالذي حصل في غضون الأسابيع الأخيرة في تونس؟ ان اعتبرنا حالة الانسداد التي حدثت بين المؤسسات السيادية الثلاث في البلاد أمرا عابرا ومحدودا فسنختزل الأمر في تعطل غير معهود لتحوير وزاري بادر رئيس الحكومة باقتراحه وصادق البرلمان عليه فيما رفض رئيس الدولة استكمال آخر حلقاته باستدعاء الوزراء المعنيين إلى قصر قرطاج لأداء اليمين أمامه. لكن إن نظرنا للمسألة من زاوية أشمل وأوسع فلن يكون ذلك إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد الذي يحجب أزمة أكبر وأعمق مما يبدو بكثير. وربما تكون العودة إلى بعض جذور الخلاف السياسي بين أعمدة الحكم مفيدة لفهم تطورات الصراع الحالي ثم الانعكاسات التي قد تترتب عنه خصوصا بالنسبة لأكبر الأحزاب السياسية التونسية أي حزب حركة النهضة. ولأكثر من سبب فإن ما ظل قطاع واسع من الإعلام المحلي يروج له طوال المدة الماضية وبقوة هو أن السبب الأساسي لتلك الأزمة يعود إلى طبيعة النظام السياسي الذي وضع بعد اختفاء الرئيس المخلوع الراحل بن علي من الساحة. لكن كيف يبدو ذلك النظام بنظر معارضيه ومنتقديه؟ ولم يتمسك النهضويون به بالمقابل رغم كل نقائصه وعيوبه وثغراته؟
لقد سبق لأستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ ان قال قبل سنوات في حديث لموقع إخباري محلي انه يمكن اختصاره في الجملة التالية: «أنا لا أحكم… انت لا تحكم… ولا نترك من يحكم» في إشارة إلى ان عملية توزيع السلط التي كانت محصورة في السابق بيد رئيس واحد وزعت الآن على ثلاث رئاسات مختلفة وجعلت من ذلك النظام فاقدا للقوة والنجاعة المطلوبة وللحد الأدنى من الاستقرار بفعل التغير والتعاقب السريع للحكومات وصعوبة وربما حتى استحالة الحسم أحيانا في بعض القرارات الهامة كما يعتقد البعض. ولا يبدو ان ما قاله الأستاذ محفوظ يختلف كثيرا عما تراه اليوم قوى سياسية متنوعة تضم طيفا واسعا من الحرس القديم وبعض الأحزاب اليسارية وربما حتى الرئيس قيس سعيد نفسه وتنادي جميعها ولو بصيغ مختلفة بضرورة العودة إلى نظام رئاسي تكون فيه السلطة موضوعة وبشكل أساسي بيد رئيس الدولة وحده. وهذا ما يعتبره كثيرون ومن بينهم راشد الغنوشي رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة نوعا من الردة والحنين إلى النظام الاستبدادي على اعتبار ان النظام الحالي حتى وان لم يكن برأيهم بالمثالية التي يصوره بها البعض فإن أهم ميزة فيه في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة على الأقل هي انه يمنع شخصا واحدا من الاستئثار بمفرده بالحكم، الأمر الذي يشكل نسفا للمسار الديمقراطي وربما حتى تهديدا غير مباشر للنهضويين بإعادة سيناريو اقصاءهم من المشهد السياسي بطريقة قد تعيد للأذهان ما حصل لهم في التسعينات. لكن هل يمكن ان تكون هناك قاعدة التقاء مشتركة يتفق من خلالها المؤيدون والمعارضون على استمرار النظام الحالي شبه البرلماني بالآليات والأساليب نفسها ولو لزمن محدود؟ أن ذلك بالضبط هو مدار الأزمة الحالية.

الغنوشي يرفع السقف عاليا

وما أثبتته معضلة اليمين الدستورية الأخيرة ان الأمر بات اليوم أصعب من أي وقت مضى خصوصا مع عدم وجود محكمة دستورية تكون لها الكلمة الفصل لحسم كل الخلافات والنزاعات التي قد تحصل حول تفسير نص الدستور. وربما هذا ما دفع الغنوشي لان يرفع السقف عاليا ويقول أواخر كانون الثاني/يناير الماضي في ندوة افتراضية عبر تطبيق زوم مع مهاجرين تونسيين بأمريكا الشمالية ان «الاشكالية في تونس اليوم هي المزج بين النظامين الرئاسي والبرلماني، ونحن نفترض في نظام برلماني ان دور رئيس الدولة رمزي وليس انشائيا» معتبرا ان «الدرس الذي نخلص إليه هو ضرورة إقامة نظام برلماني كامل فيه فصل حقيقي بين السلطات والسلطة التنفيذية تكون في يد الحزب الفائز في الانتخابات، وهو الذي يقدم رئيسا للوزراء». غير ان الغرض الخفي ربما من ذلك التصريح الذي أحدث ضجة كبرى داخل تونس خصوصا في الأوساط الرافضة أصلا للفكرة قد لا يفهم فقط بالوقوف المجرد عند حدود النص. فالأمر يبدو أشبه بعملية جس نبض لا لاختبار مدى استعداد التونسيين لتلك الخطوة فحسب بل أيضا لمعرفة مدى تمسك الطرف الآخر بأطروحاته المغالية في ترذيل البرلمان والحط منه والتقليل من دوره. وما أراده زعيم حركة النهضة هو ان يرسل من خلال ذلك المقترح الجدالي رسالة مشفرة إلى الأطراف التي وصفها في العشرين من الشهر الماضي في مقال في صحيفة «يو آس توداي» الأمريكية بـ»الحالة شعبوية» في إشارة مبطنة قد يكون المقصود بها هو الرئيس قيس سعيد والتي قال عنها، إنها أي تلك الأطراف «اتخدت طريق مهاجمة المؤسسات الديمقراطية والمسؤولين المنتخبين والأحزاب السياسية وتعطيل عملهم وتغذية الفكرة القائلة بانه يمكن معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة والعميقة الجذور من خلال العودة إلى حكم الرجل القوي الأكثر فعالية أو تنصيب ديكتاتور».
غير ان ذلك ليس سوى جانب فقط من إدارة الغنوشي وحركة النهضة لمعركة تنازع الصلاحيات التي وضعت تونس أمام مأزق سياسي ودستوري غير مسبوق في تاريخها. فعدا محاولة الاستفادة من أخطاء الرئيس الاتصالية والسياسية التي تتالت خلال تلك المعركة التي حاول قيس سعيد ان يديرها بأساليب قانونية ودستورية في الظاهر وشعبوية بالأساس، من خلال حشد عدد من أنصاره في بعض المناسبات التي ظهر فيها خارج قصر قرطاج، فإن الأسلوب الذي اتبعه النهضويون بالمقابل كان يقوم على محاولة النأي تماما عن الدخول في مواجهة مباشرة أو عنيفة مع ساكن القصر الرئاسي وتقديم الخلاف على انه نزاع حصري بين رئيس الدولة من جهة ورئيس الحكومة مع التلويح في مقابل ما اعتبروه استقواء من الرئيس بالشارع بحشد أنصارهم في مظاهرة في العاصمة لمساندة الشرعية والدستور ودعم المؤسسات بحسب ما قرره المكتب التنفيذي لحركتهم، وبما يسمح لهم بان يظهروا للمشككين في مشروعية بقاءهم في الحكم حجمهم ووزنهم الحقيقي في الساحة. ان تلك المراوحة بين خيارين متناقضين في الظاهر أوحت للبعض بان هناك انقساما داخل النهضة حول الطريقة المثلى للتعامل مع الأزمة. غير ان ذلك لم يمنع زعيم النهضة من أن يكون سباقا في محاولة المسك بخيوط اللعبة والقيام بالخطوة الأولى نحو حلحلة المشكل عندما توجه السبت قبل الماضي برسالة إلى الرئيس قيس سعيد دعاه فيها باعتباره «رمز وحدة الدولة» إلى تجميع الفرقاء لايجاد مخرج ومجموعة من الحلول عبر تغليب الحوار وتبادل الرأي والمشورة حول أوضاع البلاد وما تقتضيه من قرارات بالتزامن مع ما تعيشه من أزمات مركبة اقتصادية واجتماعية وصحية مؤكدا على «ضرورة بعث رسالة إيجابية للشعب التونسي ولدول العالم تبرز انه رغم اختلاف التونسيين وتنامي خطابات التحريض، إلا ان لتونس دولة ومؤسسات جديرة بالثقة وان البلاد في حاجة لتأمين الدواء والغذاء والشغل والأمن وكذلك للتهدئة وتنمية روح التضامن وتوسيع دائرة المشترك الوطني» مقترحا عليه «عقد لقاء يجمع رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب ورئيس الجمهورية في أقرب الآجال». وقد كان واضحا ان تلك الخطوة التي قوبلت في البداية بنوع من الاحتراز والتوجس وحتى الفتور النسبي من جانب باقي القوى السياسية لاقت بالمقابل صدى واسعا في العواصم الأجنبية المعنية. وربما كان النشاط الملحوظ للسفراء الأوروبيين والسفير الأمريكي المعتمد في العاصمة التونسية واجتماعهم خلال الأسابيع الأخيرة وعلى فترات مختلفة بالرؤساء الثلاث ثم ما صرح به عميد المحامين في أعقاب لقائه الأربعاء الماضي برئيس الحكومة هشام المشيشي من ان الأخير «منفتح على كل الحلول التي من شأنها حلحلة الاشكال القائم الآن» مؤشرا على ان هناك بالفعل جهودا أو مساع أجنبية للدفع نحو إيجاد صيغة ما للتوافق على الخروج من الأزمة السياسية في أسرع وقت. والسؤال هنا هو هل ستفضي مبادرة الغنوشي بنهاية الأمر لتدعيم موقع الإسلاميين في السلطة وتثبيتهم كرقم صعب لا يمكن زحزحته أو استبعاده من معادلة الحكم أم انها سترتد عليهم بالسلب وسيكونون أول ضحاياها؟

الجهات المانحة

ان أكبر قوة دفعت نحو المخرج الذي انتظره التونسيون جميعا من تلك الأزمة لم تكن للأسف عزيمة وإرادة كل الأطراف المعنية تحكيم لغة العقل والحوار واقتناعها التام بانه لا مجال لأي أحد ان يتنطع أو يتمسك بمواقفه بقدر ما انه لابد من التوافق والتفاهم لإدارة المرحلة الحالية، بل كانت على العكس من ذلك ضغط من يوصفون بالشركاء الدوليين لتونس، أي الجهات المانحة والقوى الاقتصادية التي تتعامل معها وانزاعجها الواضح من التطورات المتسارعة في تونس. ولاشك ان تلك القوى لا تحمل تقييما واحدا لما يجري وتبدو منقسمة في نظرتها لموقع الإسلاميين التونسيين في السلطة ودورهم في المستقبل. فمن الواضح جدا ان الأمريكان مثلا يبدون منفتحين أكثر من الأوروبيين والفرنسيين بوجه خاص على فكرة استمرار حركة النهضة كشريك مهم في حكم تونس. وهذا ما يجعل حظوظ كل محاولات إقصائها أو اخراجها من المشهد تبدو ضعيفة على ضوء التوازنات المحلية والدولية الحالية. لكن هل يعني ذلك ان النهضويين سيحققون مكاسب ما من الأزمة وسيخرجون الطرف المنتصر فيها؟
ان أهم شيء يمكنهم الظفر به في حال نجاح أي دعوة لحوار وطني شامل أو لتوافق ولو مشروط مع الرئاسة، هو ان تتحقق هدنة سياسية وربما اجتماعية وإعلامية توفر لهم فرصة جديدة ليثبتوا من خلالها للتونسيين جدارتهم بأن يبقوا في مربع الحكم وتغير قليلا من الصورة النمطية التي رسخت عنهم في أذهان الرأي العام بفعل عدة عوامل. أما هل سيكون المجال مفتوحا أمامهم بالفعل للقيام بذلك؟ فكل الاحتمالات تبقى واردة في وقت تظل فيه كذلك كل سيناريوهات الخروج من الأزمة السياسية غير المسبوقة في تاريخ تونس عبر لقاء بين الرؤساء الثلاثة أو بين اثنين منهما على الأقل خلال الساعات القليلة المقبلة قائمة وممكنة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية