بعد عشر سنوات من عمر الثورة: التجربة التونسية ما تزال تقاوم تخاذل العابثين

لطفي العبيدي
حجم الخط
0

عراقة تقليد الدولة الوطنية ورسوخ ثقافة المجتمع المدني والهوية المتجانسة التي تخلو من شوائب النعرات المذهبية والتناحر الطائفي، جنّبت تونس الانزلاق إلى مربع العنف والاضطراب الأهلي كما حصل في عدد من بلدان المنطقة. ومع ذلك قد يبدو الأمر محزنا عندما يرى التونسيون حصيلة السنوات العشر، وكيف تُغتال أحلام الناس في الشغل والحرية والكرامة الوطنية بفعل تعطّل مطالب الثورة وتخاذل السياسيين وصناع القرار من الذين تولّوا الحكم طوال العشرية الأولى من الانتقال الديمقراطي. فهؤلاء قد جعلوا الحياة السياسية تدور حول تحالفات غير منطقية في معظم الأحيان، ومناورات خبيثة، تجسّدت كرهانات ثابتة لدى الأحزاب التي حكمت منذ انتخابات سنة 2011. وساد منطق الحكم الذي يقوم على المحاصصة والتمكين. وانتهى التفكير الغنائمي والرغبة في السيطرة على مؤسسات الدولة إلى خلق هوّة سحيقة بين شرائح الشعب الواسعة ومكوّنات المجتمع السياسي، الذي لم يتفاعل بجدية مع الشأن العام واستحقاقات الثورة. فالحكم بالنسبة لهم يعني السيطرة على الدولة من أجل أغراض حزبية فئوية، وترسيخ ثقافة الابتزاز، وتمتين رابطة المصالح مع رجال الأعمال ولوبيات الفساد.

فشل جسر الهوة السياسية

كانت الثورة فرصة لترتيب العلاقة بين مؤسسة الحكم والمواطنين. ولكن الذين حكموا طوال عشر سنوات، أضاعوا البوصلة التي كان من الممكن أن تشير إلى نقطة ضوء يُستدلّ بها إلى خارج النفق. ويبدو أنه لم يكن أحد يريد السير في هذه الطريق. وهناك معضلات ثلاث تعطّل مسار المشهد الديمقراطي في تونس، والأزمة السياسية التي بدأت بشكل لافت سنة 2014 واستفحلت تباعا، وهي متواصلة إلى الآن تعود بالدرجة الأولى إلى التباس فصول في الدستور، بما يشكّل عائقا في استقرار النظام السياسي. وفي مستوى ثانٍ يأتي نظام الاقتراع، وما يتضمّنه من آليات العتبة والبواقي التي أنتجت فسيفساء برلمانية عجيبة. والمعضلة الثالثة هي مسألة الثقافة السياسية ومطلب أخلقة المشهد السياسي، بالخروج من دائرة المناورات في إدارة الشأن العام وجعله موضوع مساومة وابتزاز، نحو التمسك بالقيم الأخلاقية والمبادئ الراسخة التي يجب أن يُبنى عليها كل عمل سياسي هاجسه الوطن والشعب. وهناك تعثّر في مستوى استكمال البناء المؤسساتي للانتقال الديمقراطي، خاصة إنشاء المحكمة الدستورية التي تختصّ بتنظيم الحكم ومراقبة التشريعات ودستورية القوانين. والبرلمان تجاوز الآجال الدستورية لتشكيلها، وما زال عاجزا منذ ما يزيد على ست سنوات في اختيار أعضاء المحكمة بسبب منطق المحاصصة والمناكفات، وأزمة الثقة بين الأحزاب السياسية.

أزمة اقتصادية تتعمّق واحتجاجات تتوسّع

بعد 10 سنوات من تاريخ اندلاع الثورة، تعيش تونس أزمة اقتصادية خانقة في ظلّ انسداد الحياة السياسية، وفشل الحكومات المتعاقبة في حلّ المشاكل المتراكمة. وهذا التحوّل السلبي للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يأتي نتيجة عدم استقرار الحالة السياسية بسبب تبني مشروع النظام المجلسي الذي شتّت الجهود، وأحدث تذبذبا على المستوى التشريعي، ورسْمِ سياسات التنمية. فالثقافة الديمقراطية غير متوفرة للأكثرية من الذين يمارسون الرداءة داخل مجلس النواب، والنظام البرلماني يقتضي ثقافة برلمانية سياسية، دُونَها ثقافة الصراخ وصراع الديكة الذي تم شحذه إعلاميا. وبالمحصلة صنعت رداءة الإعلام رداءة السياسة والعكس صحيح. وفي الأثناء يتواصل تعمّق الأزمة بالنظر إلى النمو السلبي الذي يشهده الاقتصاد التونسي. ولم تتمكّن حكومات ما بعد الثورة من الوصول إلى مستوى سنة 2010 واستتبع ذلك تفاقم معدلات البطالة، وتراجع الخدمات، وتدهور أوضاع المؤسسات العمومية، وتدنّي مختلف مؤشرات التنمية. ومن الطبيعي أن يسمح مثل هذا الأداء الهزيل لمنظومة الحكم بتوسّع خريطة الاحتجاجات من عام إلى آخر، وبتحوّل الغضب ورفض الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى حالة عامة، تُترجمها أيضا وتيرة الاضرابات المتصاعدة التي شملت أغلب الجهات ومعظم القطاعات. ولم تكن هناك بوصلة تهدي في المنعرجات، في ظل سياسة ليّ الأذرع بين المؤسسات الرسمية. وتبدو الطرق مسدودة بالمشاحنات والمصالح المتضاربة وتنازع الصلاحيات. والنخب السياسية الحاكمة منفصلة عن الكتلة الاجتماعية. وتمّ تجاهل طبيعة الثورة ومطالبها، ولم تتحقّق الديمقراطية الاجتماعية. والفئات المحرومة لم تستفد شيئا طوال عقد من الزمن، وتعمّقت معاناتها بفعل التغيّر شبه الهيكلي للنسيج الاقتصادي والمالي، وظهور مشهد اجتماعي جديد فقدت فيه الطبقة الوسطى قدرتها الشرائية وأصبحت الطبقة الفقيرة معدمة تماما.

سياسة التهميش تضاعفت

التفاوت التنموي الشاسع بين المناطق الساحلية وبقية جهات الجنوب والوسط أدّى إلى تقسيم البلاد. وسياسة المركزية والاجحاف، جعلت المناطق الداخلية المهمّشة في تبعية للعاصمة وللمدن الشاطئية. ومنطق التمييز الإيجابي الذي نص عليه الدستور الجديد، لم يُترجم عمليا. وبقيت المحافظات المنتِجة للثروة الفلاحية والبترولية والمعدنية غير مستفيدة إطلاقا. وغياب المشاريع التنموية في هذه الجهات، واستمرار تبعيتها للمدن الساحلية وللعاصمة المركزية، والنزوح المتزايد للعمالة الرخيصة بعد أن انعدمت أمامها مواطن الشغل في جهاتها المحرومة، أضحى من المسلّمات والثوابت الاقتصادية والاجتماعية ضمن التوجهات الوطنية التي لم تتمّ مراجعتها، أو محاولة تدارك تبعاتها على المستوى الاجتماعي بعد سنوات من الثورة. بل على العكس من ذلك، فسياسة التهميش تضاعفت، واستمرّت الحكومات الليبرالية اليمينية في اعطاء الأولوية لتنمية المدن والجهات الساحلية، بهدف تعزيز قدراتها التنافسية في إطار الاندماج مع سياقات العولمة. وهو الخيار الرسمي للدولة منذ التسعينيات، والمنصوص عليه في المخططات التوجيهية التزاما باتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، في وقت لم تنعكس فيه علاقة الشراكة مع هذا الاتحاد إيجابا على التنمية الوطنية. وسياسة الاقصاء التي مُورست على المناطق الداخلية للبلاد، هي بيان واضح يعبّر عن استقالة الدولة من واجباتها التنموية والاجتماعية، وعدم التزامها دستوريا بتطبيق المساواة المواطنية، وتحقيق التمييز الإيجابي للمناطق المحرومة وشبابها المهمّش. ناهيك من الاستمرار في التعسّف الضريبي والإعفاء الحصري للأقلية من المستثمرين الأجانب وبارونات الداخل من العائلات المتنفذة.
وليس مفاجئا تنامي حالة الاحتقان وعدم الاستقرار التي تعمّ كافة أرجاء البلاد، فالفوضى السياسية وغياب الرؤية تغذي الانهيارات غير المسبوقة للمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، ما بالك بمواصلة الدولة تخلّيها عن دورها المركزي في التخطيط الاستراتيجي في المجال التنموي ومراعاة التوازن الطبقي والجهوي.

لا بديل عن محاربة الفساد

مشهد الانتخابات الرئاسية في نهاية 2019 كان بمثابة الفرصة التي أعادت للشعب التونسي شيئا من روح الثورة وأحْيَت نبضها، خاصة عندما التفّ ما يقارب الثلاثة ملايين من التونسيين حول قيس سعيد، وصوّتوا بقوة لأستاذ القانون الدستوري، لصدقه ونظافة يده وابتعاده عن الولاءات، وعدم رضوخه لجماعات المصالح، ضدّ مرشحي الأحزاب ممّن تلقّوا تمويلات ضخمة محلية وأجنبية، وارتهنوا إلى المال السياسي الفاسد. ولكن منظومة الحياة السياسية التي بُنيت على المصالح والانتهازية والابتزاز، ووضعَ مهندسوها النصوص الدستورية والنظام السياسي على المقاس، سرعان ما بثّت الإحباط من جديد في نفوس التونسيين، الذين استشعروا أن رئيس الجمهورية أصبح مكبّلا بتعقيدات المنظومة السياسية ودسائسها ومناوراتها. وفهموا بأنّ هؤلاء لا همّ لهم سوى خدمة مصالحهم الضيقة بعيدا عن المصلحة الوطنية التي لا يفيدها تغيير الحكومات واسقاطها كلّ أشهر. وخاصة بعد ما رأوه من عبثية الحالة البرلمانية، وما يحدث بين أروقة مجلس باردو، وفي جلساته العامة من مهاترات وضجيج، وممارسات مخجلة لا معنى لها سوى مزيد تأزيم المشهد السياسي، واغتيال كل تجربة في تنشيط الأحلام. وبالتالي تحجيم الحلول الكفيلة بتصحيح مسار الثورة التي يرغب فيها قلة من الصادقين وثلّة من الوطنيين.
تغيير منظومة الحياة السياسية وتحييد المؤسسات، وضرورة التمييز بين مطالب الحزب والدولة والمجتمع، وعدم الخلط بينها وفق شرعيات واهمة، والعمل بجدية من أجل تونس أفضل، هي السُّبل التي من شأنها تعديل المسار. والإصلاح بالمعنى الجوهري يكمن في التحوّل من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي حقيقي، ظاهره كباطنه، لا يسمح باستفحال الفساد وتحالف جماعاته. وهو فهْمٌ يفترض الرؤية والمشروع الوطني، الذي يستثني من كان مسؤولا عن التردي والتخلف البنيوي، ويستدعي أصحاب الحلول والنفس التحديثي، القادرين على رسم آفاق جديدة لإصلاح ما أفسده العابثون.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية