حقوق الإنسان في زمن كورونا: تزايد الفقر وخنق الحريات ولا عدالة توزيع اللقاحات

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

نيويورك-“القدس العربي”: افتتحت الدورة السادسة والأربعون لمجلس حقوق الإنسان يوم الإثنين الماضي في جنيف والتي، على غير العادة، ركزت على انتهاكات حقوق الإنسان في ظل الأوضاع الصعبة التي سببتها جائحة كوفيد-19 على مستوى العالم. وقد تحدث في الجزء الأول رفيع المستوى 26 وزيرا من بينهم وزيرا الخارجية الأمريكي، أنطوني بلينكن، والروسي سيرغي لافروف.
وكالعادة في هذه الأيام عقدت الدورة عن بعد باستخدام تقنية ويبكس. فقد قلب ذلك الفيروس اللئيم كثيرا من الأمور والمسلّمات والممارسات رأسا على عقب. وأصبحت الاجتماعات والمفاوضات والمؤتمرات والدورات العادية والاستثنائية تعقد عن بعد، وفقدت تلك الاجتماعات بالتالي، الحرارة والحيوية والأنشطة التي كانت تقام على هامش الدورة أو المؤتمر. لقد أعطت تكنولوجيا زوم أو ويبكس، فرصة لكثير من الطغاة ومنتهكي حقوق الإنسان أن يلقوا خطابات من وراء شباك افتراضي ويحاضروا في حقوق الإنسان والعدالة والسلم والحقوق والتنمية المستدامة وهم مستريحون في مكاتبهم من دون أن يشعر أحدهم بلسعات العيون التي ترسل له رسائل جارحة بعدم تصديق ما يقال. أصبح الطاغية عن طريق التكنولوجيا ينجو من إيماءات عدم التصديق ومن مواجهة الصحافة وانتقادات المعترضين أو من مظاهرات تعقد خارج مباني الاجتماعات.
ومن مراجعة للكلمات التي ألقيت نستطيع أن نصنف الانتهاكات إلى ثلاثة أقسام، آثار الجائحة نفسها على الفئات الضعيفة والهشة والدول الفقيرة، واستغلال الجائحة من قبل دول الاستبداد لخنق الحريات تحت حجة الإغلاق والإجراءات الاحترازية وأخيرا مسألة توزيع اللقاحات التي اقتصرت بشكل أساسي، لغاية الآن، على الدول الغنية.

آثار الجائحة

لقد كشفت الجائحة عن أمرين أساسيين: أن هناك أخطارا وجودية تهدد البشرية كلها مثل الفيروسات والتغيرات المناخية، والأمر الثاني أن مواجهة هذه الأخطار لا يكون إلا بجهود جماعية، فإما أن يكون كل البشر آمنين وإلا فلن يكون أحد آمنا، كما قال الأمين العام أنطونيو غوتيريش. لقد جاءت هذه الجائحة كامتحان للبشر جميعا كي يعيدوا التفكير فيما يهدد الكرة الأرضية كلها لا فرق بين غني وفقير أو دولة عظمى وأخرى فقيرة.
في مثل هذه الأزمات علينا أن نتذكر أن منظومة حقوق الإنسان ليست تلك المتعلقة فقط في الحقوق المدنية والسياسية بل أيضا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لقد كشفت الجائحة عن أوجه كثيرة من ضعف منظومة الحقوق وانعدام المساواة والتصدعات المجتمعية.
حياة مئات الملايين من الأسر انقلبت رأسا عل عقب بعد أن فقدت مصادر رزقها ووظائفها، فلجأت إلى الديون خاصة في تلك الدول التي لم تتمكن من تقديم مساعدات وحوافز اقتصادية لشعوبها. انتشرت البطالة في معظم دول العالم، ووجد ملايين من العمال، وخاصة من بين المهاجرين، أنفسهم بدون دخل ثابت ما أدى إلى تفكك الأسر وتفاقم الفقر المدقع بعد أن كانت المؤشرات تشير إلى تراجع مستوياته قبل الجائحة، وانتشار العنف المنزلي والمجتمعي بدرجات غير مسبوقة.
انتشر الوباء في معظم البلدان وكان أولى ضحاياه الفقراء والنساء والأقليات وذوي الإعاقة والمسنين في دور الرعاية والشعوب الأصلية. تراجع التقدم الذي كان أحرز في مجال المساواة بين الجنسين على مستوى العالم. أما الشباب فقد وجدوا أنفسهم يواجهون المصاعب، وهم خارج المدرسة أو خارج العمل وفي كثير من الأحيان بفرص محدودة للحصول على التكنولوجيا الحديثة وخاصة تلك التي انتشرت بشكل سريع جدا للتعامل مع الوباء.

الجائحة غطاء لانتهاكات حقوق الإنسان

لقد استخدمت السلطات الاستبدادية في كثير من البلدان الجائحة ذريعة للقيام بإجراءات أمنية إستثنائية وفرضت تدابير طوارئ ثقيلة الوطأة لسحق الاختلاف في الرأي، وتجريم الحريات الأساسية، وإسكات الإعلام المستقل وتقليص أنشطة المنظمات غير الحكومية. لقد زجّ المعارضون في السجون واحتجز المدافعون عن حقوق الإنسان، واعتقل الصحافيون والمحامون والناشطون السياسيون وجرت محاكمتهم واخضاعهم للترهيب والمراقبة بسبب انتقادهم لاستجابات الحكومات للجائحة، أو لغياب تلك الاستجابة أو التعامل مع مساعدة الناس، أو إعادة المواطنين الذين تقطعت بهم السبل خارج أوطانهم بطريقة انتقائية. كما استخدمت الجائحة لإلغاء أو تأخير أو تقويض العمليات الانتخابية، وإضعاف أصوات المعارضة وقمع الانتقاد.
انظر ماذا يجري الآن في ميانمار بسبب إلغاء الانتخابات وقيام الجيش بالانقلاب على نتائج انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر الماضي والتي كانت بمثابة استفتاء على إبعاد الجيش عن السياسة والتحول لحكومة مدنية. وجاء الانقلاب في أعقاب الفوز الساحق الذي حققته الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية التي ترأسها سو تشي في الانتخابات عام 2020. في إثيوبيا تحت حجة الجائحة أجلت الانتخابات التي كانت مقررة في ايلول/سبتمبر 2020 إلى موعد آخر. لكن إقليم تغراي رفض هذا التأجيل وانظر كيف كانت النتيجة والمصائب الذي نتجت عن اجتياح الإقليم بالقوة المسلحة.
إن أكبر مجالين لانتهاك حقوق الإنسان في العصر الحديث هما: آفة العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب من جهة وعدم المساواة بين الجنسين. وتتقاطع هاتان الآفتان عندما يتعلق الأمر بالأقليات والمهاجرين والأجانب. وقد سببت الجائحة شحا في موارد الدول التي هي أصلا فقيرة، ما أدى إلى زيادة مظاهر التمييز والعنصرية واستهداف الأقليات والمهاجرين وتهميش النساء واستعبادهن. فقد تعرض مخيم للاجئين السوريين في شمال لبنان يوم 26 كانون الأول/ديسمبر 2020 لهجمات عنصرية من قبل بعض المحبطين بسبب ضيق العيش وقلة الموارد، أدى إلى إحراق المخيم وتشريد العائلات فيه. وهو الحادث الثاني في شهر تشرين الثاني/نوفمبر بعد ما جرى في بلدة بشري في شمال لبنان في أقل من شهر، حيث تم طرد عشرات العائلات السورية اللاجئة كرد فعل على مقتل شاب لبناني من المنطقة على يد عامل سوري، واستخدم الحادث حجة للمطالبة بترحيل جميع السوريين اللاجئين من المنطقة.
ولا ننسى أن الجائحة سهلت أو ساهمت في انتشار الحركات المتطرفة من النازيين الجدد ومجموعات تفوق العرق الأبيض القائمة على أيديولوجية كره الأجانب والمهاجرين والأقليات والسود والمسلمين والتي انتشرت بشكل كبير في الدول الغربية وخاصة في الولايات المتحدة والتي وصلت قمة خطورتها في اقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي يوم 6 كانون الثاني/يناير الماضي.
إن استهداف الأقليات الدينية والعرقية في ظل الجائحة لا يأتي إلا بالمزيد من القهر والعنف والانفجار وعلى المجتمع الدولي أن يواصل الضغط من أجل وضع سياسات تحترم حقوق الإنسان والهوية الدينية والثقافية والإنسانية للأفراد والأقليات في ظل القانون والمساواة.

توزيع اللقاحات

هناك انتهاك لحقوق الإنسان الجماعية على مستوى العالم ومنها الحق في الصحة والوصول إلى العلاج بأسعار زهيدة. لقد سلطت جائحة الكورونا الضوء على مدى الخلل في الحصول على اللقاحات المضادة للداء والتي يمكن لو وزعت توزيعا عادلا أن تسيطر بشكل أساسي على الجائحة. فقد استأثرت عشر دول على استخدام 75 في المئة من كافة اللقاحات المتوفرة حتى هذا اليوم.
فالإنصاف في توزيع اللقاحات يؤكد أهمية حقوق الإنسان واحترامها على مستوى العالم. لكن النزعات العنصرية والشعبوية لا تقر بهذه العدالة في التوزيع.
ونتيجة لهذا الخلل الواضح، اعتمد مجلس الأمن الجمعة 26 شباط/فبراير الحالي قرارا بالإجماع وبتأييد من 79 دولة من الجمعية العامة حول عدالة التوزيع وخاصة في مناطق النزاعات المسلحة. وقد رحب تيدروس أدهانوم غيبريسيوس، رئيس منظمة الصحة العالمية بهذا القرار قائلا: “لا يمكن القضاء على كوفيد-19 بدون عدالة في التوزيع”. ويدعو قرار المجلس إلى تعزيز الأساليب الوطنية ومتعددة الأطراف والتعاون الدولي، من أجل تسهيل الوصول العادل وميسور التكلفة للقاحات كوفيد-19 في حالات النزاع المسلح، وحالات ما بعد النزاع وحالات الطوارئ الإنسانية المعقدة. كما يؤكد على الحاجة إلى شراكات دولية لتوسيع قدرات التصنيع والتوزيع. لكن العوائق أمام تطبيق هذا القرار كثيرة أهمها نقل التكنولوجيا واستصدار التراخيص المحلية والدولية والتنازل عن الملكية الفكرية وتوفير التمويل والتعاون مع الجهاز المركزي للتوزيع الذي أنشأته الأمم المتحدة تحت اسم “مرفق كوفاكس”. وكانت غانا، أول دولة تسلمت كمية من اللقاحات من المرفق يوم الأربعاء الماضي تلتها كوت ديفوار يوم الجمعة. وتعد هذه الشحنة جزءا من الفوج الأول من لقاحات كوفيد-19 المتجهة إلى العديد من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. وقد رحبت اليونيسف ومنطة الصحة العالمية بهذه الخطوة واعتبرتها تمثل “بداية ما ينبغي أن يكون أكبر عملية شراء وتزويد للقاح في التاريخ”.
فهل نرى في الأشهر القليلة المقبلة عملية توزيع شاملة للدول جميعها بداية من مناطق النزاع لنشهد تعافيا جماعيا من أكبر كارثة إنسانية تتعلق بالأوبئة منذ الإنفلونزا الإسبانية عام 1918؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية