بيروت-»القدس العربي»: في تعريف للموسيقى أنها غذاء للروح، وشفاء للمرضى، ومهدئة للبال، ووجدت مع وجود الإنسان في طبيعة هي بحد ذاتها سيمفونية نغمات وألوان. وفي إضافة لتأكيد أهمية الموسيقى في حياة الإنسان أنها من مستلزمات الحياة الفردية والاجتماعية ولا يكاد يخلو منها زمان أو مكان.
وفي جانب آخر خلُصت دراسة حول أهمية وفوائد الموسيقى في حياة الإنسان أن الاستماع إليها يساعد في زيادة مستويات هورمون «الأنترولوكين» الذي يعمل على تعزيز جهاز المناعة. ولهذا الغرض يكفي الاستماع إلى الموسيقى لربع ساعة يومياً. إذاً ربما سقط سهواً من قبل الهيئات الصحية الوطنية المولجة بمكافحة وباء كورونا، أن تعمم الإشارة لهذا «المتمم الغذائي» كما حدث بالنسبة للزنك، والفيتامين سي ودي، وغيرها. أقله أنه متمم غذائي مجاني، ولا يمكن لمستوردي الأدوية الطبية إخفاءه أو التلاعب بسعره.
وبما أن الحجر الصحي طال العالم أجمع، وطال زمن مكوث الفيروس بيننا وتضاعفت عدائيته على الناس، كان من شأنه أيضاً أن يفرض التصحر الفني والموسيقي بشكل خاص. حيال هذا الواقع لا بدّ من السؤال عن حال المؤلفين والملحنين والشعراء مع جائحة كورونا وكيف انعكست على مزاجهم الموسيقي تلحيناً وتأليفاً؟
إحسان المنذر: مقطوعتي الموسيقية طابعها حزين
*المايسترو إحسان المنذر: إنه انعكاس سلبي مباشر ناتج عن تراجع حركة الفن بدورتها الكاملة، نتيجة انكفاء الناس إلى منازلهم بعد إغلاق أماكن السهر. هذا من الجانب المادي، وبعيداً عنه لدى الفنان خيال يسرح من خلاله ليستمد الإلهام، بحيث يساعده ذلك في إنجاز عمل موسيقي هو بصدده أغنية أو مقطوعة أو سوى ذلك. لكن بحضور قوة قاهرة وفُجائية فرضت سيطرتها على العالم بأجمعه بتنا شبه مستسلمين، ونطرح الأسئلة. هل نحن حيال عقاب جماعي بعد أن كثُرت أطماع البشر وشرورهم؟ هل أراد رب العالمين تذكير الإنسان بقدراته، وبخاصة إشغاله بعدو غير مرئي وقدرة السيطرة عليه صعبة؟ مهما كانت اهتمامات الناس يبقى السؤال لماذا أوقفتنا هذه الجائحة عن متابعة حياتنا العادية مطروحاً من قبل الجميع؟ والأسئلة تكاثرت وتسارعت عندما بدأت هذه الجائحة بخطف أعز الناس لنا. وبالتأكيد كل منا افتقد عزيزاً.
وأضاف: آلية العمل لم تتوقف في الأستوديو وإن كانت قد تراجعت قليلاً. لم يكن عملا خاصاً بي، بل أعمالا أخرى من الخارج تمّ تنفيذها في الأستوديو وبطبيعة الحال اونلاين. في عملي الخاص تبدلت الترتيبات، فالكورال الذي أشرف عليه والمؤلف من 20 منشداً بات مستحيلاً جمعه في الأستوديو للتسجيل مرة واحدة، بل يأتون وفق توقيت مختلف. ودون شك أنا بصدد إنتاج مقطوعة موسيقية من وحي المرحلة التي نعيشها، وأبرز تأثيراتها أن نكون مقيدي الحركة حفاظاً على صحتنا. أتمنى قريباً أن ترى النور ويسمعها الناس، وبتعريف لها فهي من دون شك تتضمن لمسة حزن ظاهرة. إنها مؤثرة وبخلاف غيرها من المقطوعات التي ألفتها وكانت تترجم حالنا كبشر في أوقات أكثر طمأنينة وأملا. تولدت من مرحلة كورونا موسيقى غلب عليها التأمل. عملياً وخلال هذه الأزمة الصحية كتبت ولحّنت لميريم عطالله أغنية بعنوان «أنا كل ساعة ويوم» وقد حصدت حتى الآن حوالي 4 ملايين مشاهدة على يوتيوب، وهذا أسعدني.
منير بو عسّاف: سعي لتخطي الذات والكتابة بعكس الواقع
*هل للشاعر الغنائي منير بو عسّاف طواعية لكتابة الأغنيات في هذا الزمن؟ يقول: من دون شك، نحن نتفاعل مع كافة الظروف والأوضاع. نكتب في الفرح والحزن وحتى اليأس. فالشاعر يعيش ليتفاعل مع مجتمعه ومحيطه وظروفه بصرف النظر عن جائحة كورونا. الكتابة إحساس وخاطرة تتقاطع في البال في لحظة ولا يمكن ردعها. إنما لا شك تتبدل الإنتاجات وليس لنا أن نعيش بمعزل عن وباء كورونا. نحن نلازم منازلنا بعيداً عن أي تفاعل مع المجتمع، ومع من نعرفه ولا نعرفه، خاصة وأن الإنسان هو نتيجة تفاعله مع مجتمعه ومع الناس والحياة الطبيعية. في لحظة ما نسعى لتخطي ذاتنا والكتابة بما يغاير الواقع الذي نعيشه أحياناً أو بما يشبهه أحياناً أخرى. فالشاعر لسان حال نفسه، وحال محيطه. وباء كورونا اذى مجتمعنا وأفقدنا أحبة، لكنه في مكان آخر جعلنا نعيد النظر ببعض الأمور. فقد تركنا نعرف أن الصحة ليست مزحة. عرّفنا إلى قيمة السلام واللقاء بالآخرين، وإلى قيمة النفس الذي نأخذه دون مقابل بعد أن أصبح كثيرون يحتاجون الأوكسيجين. كذلك جعلنا ندرك مدى أهمية اللحظات التي نمضيها مع أحبتنا من عائلة وأهل وأصدقاء. من جهة أخرى أظنه قد أعطى الكرة الأرضية قليلاً من الراحة من تنكيل الإنسان بها وما تسبب به من مشاكل تأثر بها البشر جميعهم. بعيداً عن الضحايا الذين خطفهم المرض ممن نحبهم ونعرفهم، فقد كانت له بعض الإيجابيات.
سليم عسّاف: اختلف تفكيري الموسيقي وأعدُّ أعمالا قريبة للقلب
*رغب الفنان سليم عسّاف البدء بالحديث عن إيجابيات فرضتها جائحة كورونا. قال: أعادني الحجر المنزلي نسبياً إلى ذاتي، وسمح لي بالعمل على مسائل كنت أبحث لها عن وقت وبخاصة على جبهة الموسيقى. لقد تكثّف نشاطي بحثاً عن نمط فني جديد سيظهر فيما بعد. وأعني بالجديد التفكير الموسيقي بشكل عام والذي اختلف عن ما عهده الناس مني. إذاً زمن كورونا والإنكفاء عن الحياة العامة سمح بغوض أكبر بحثاً عن موسيقى مختلفة. ووعدي الذي أطلقه من خلالكم للناس أشياء فنية جديدة سمتها أنها قريبة جداً من القلب. وفي الجانب السلبي لكورونا أننا توقفنا على أعصابنا مراراً وتكراراً فالمرض انتشر بشكل واسع وشمل أفراداً من العائلة القريبة والبعيدة والأصدقاء. ونشر الحجر الصحي بعض الكآبة التي أصابت الجميع كما أعتقد وبدرجات متفاوتة. جميعنا في وضعية المقاومة لأن الأمل كان ولا يزال موجوداً.
وخلُص سليم عسّاف للقول: أراحني حجر كورونا من الـ»للأ للأ». وكان صحياً أن تكون لنا استراحة من سهرات الليل. صرت أقرب لأبنائي وأكثر فهماً. كنت أعتقدهم صورة عني لكني وجدت لديهم تفكيرهم الخاص الذي كان يحتاج لدعم ومساعدة بهدف تطويره. مهما كان الواقع سلبياً لا شك ستكون له إيجابية في مكان ما.
محمود عيد: لا أرغب بالتلحين أبداً
*قال الملحن محمود عيد: انعكست أجواء كورونا علي بشكل ملحوظ جداً. ويمكنني القول بأني منذ عودتي من دبي بعد 14 شباط/فبراير من العام 2020 ما أزال في حجر صحي إلاّ ما ندر. ومنذ ذاك الحين لم أجد رغبة بالتلحين أو الجلوس إلى البيانو للعزف. فقط مؤخراً لحنّت مقدمة مسلسل 20/20. وكنت قد أنجزت على مراحل بعض المقطوعات الموسيقية التي كانت تحتاج للمسات أخيرة. لست في مزاج يحفزني على العمل، فأنا أعيش قلقاً كبيراً على كل من أعرفهم، وقلقاً على حال الناس وماذا سيكون عليه حالنا جميعاً في المستقبل. نعم، قلب وباء كورونا مزاجي بنسبة 180 درجة. والعطاء الموسيقي بالنسبة لي يحتاج للفرح والاستقرار. أملي أن يصل اللقاح لكل الناس وبالترتيب وفقاً للحاجة، وليس وفق الطريقة اللبنانية التي لم تعترف يوماً بالأولويات والأهم ومن ثم المهم.
جاد شويري: للحجر أيجابيات و»ماشي» تعبّر عن الجائحة
*عبّر الفنان جاد الشويري عن وباء كورونا بأغنية «ماشي» التي صوّرها فيديو كليب في منزله الذي تحول إلى ما يشبه الأستوديو. وخلال التصوير استضاف الفنان جوزف عطية الذي كانت له إطلالة لطيفة في الفيديو كليب، وهذه الأغنية باتت متوافرة على يوتيوب. يقول شويري: يلخص هذا الكليب ما مررت به خلال جائحة كورونا. كتبت الأغنية وسجلتها وصورتها في منزلي تماماً كما يظهر في الفيديو كليب. أغنية تُلخص حال الجنون التي مررنا بها تماماً كما أقول في الأغنية «هل الحال غير من الحال هل الحال من حالي؟ لا أعرف ماذا اغني مصري لبناني بس أنا ماشي ماشي لو شو ما صار». هذه الأغنية تجيب تماماً على السؤال المطروح، وفي الوقت عينه يمكنني القول إن حجر كورونا كان مفيداً لي. فقد عدت لنفسي وتفرّغت لعملي، أكتب الكلام، وألحن. قبل هذا الحجر كنت أعمل بين شركتي أنغامي ووتري، ولم يكن عملي الخاص هو الأولوية. كورونا مكنتني من التفكير بأعمال خاصة بي. وجديدي الذي نزل على يوتيوب قبل أسبوع أغنية «ولهان» للفنان الجديد يزن والذي تتولى شركتي الخاصة للإنتاج «ويتيكان» تقديمه. كما صدرت مؤخراً أغنية سلطان الطرب جورج وسوف التي نفذتها ضمن عملي في شركة أنغامي. وتلك الأعمال كانت قيد التحضير قبل الحجر. حقيقة لم أتوقف عن العمل خلال الحجر المنزلي، فقد استفدت بتعلُم العزف على الغيتار. كما حققت رغبات كانت تراودني بتعلم جديد في الموسيقى والإخراج. إذا كان للحجر بسبب كورونا إيجابيات بالنسبة لي.