باريس ـ «القدس العربي»: في نهايات القرن التاسع عشر لعب الشقيقان الفرنسيان أوغوست ولوي لوميير دورا كبيرا في إطلاق الفن السابع عبر اختراع تقنية التصوير التي كانت تسمى السينما غراف، ومن خلال إطلاق عروض السينما الأولى في أحد المقاهي الباريسية والتي كانت أفلامها العشرة تتراوح مدتها بين 38 و48 ثانية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2019 أراد شقيقان فرنسيان آخران هما ماتهانيل وإليشا كارميتز إطلاق نشاط جديد محوره الفن السابع ولديه علاقة بالترفيه والسياحة. ويتمثل هذا النشاط في تحويل مُجمع من مجمعات دور السينما الفرنسية إلى مكان مخصص للعروض السينمائية بالطرق التقليدية وبطرق جديدة.
لقد طلب الأخوان الفرنسيان كارميتز من مهندسين فرنسيين ذائعيْ الصيت تحويل المجمع السينمائي التقليدي الذي يملكانه في الدائرة الثانية عشرة لباريس إلى ثلاثة فضاءات لكل واحد منهم خصوصياته. فالفضاء الواقع في أسفل مبنى المُجمَّع، مخصص لقاعات سينمائية جماعية يقصدها محبو الفن السابع فيشاهدون فيها آخر الأفلام الفرنسية أو غير الفرنسية ثم يخرجون من قاعات العروض فيجدون أنفسهم في الشارع.
في حين، تم تحويل الطابق الأول من هذا المجمع إلى فندق من فئة أربعة النجوم. وإذا كانت كل غرفة من غرف هذا الفندق توفر لساكنِيها ما يحتاج إليه عادة كل مقيم في غرفة من فنادق النجوم الأربعة، فإن على رأس هذه الخدمات توفير شاشة في كل غرفة شبيهة بشاشات القاعات السينمائية تعرض فيها أفضل الأفلام لساكن الغرفة. وقد يكون شخصا واحدا أو شخصين أو أسرة.
وحرص الأخَوان كارميتز على أن يضيفا في فندقهما السينمائي، الذي يحتوي على أربع وثلاثين غرفة، جناحين كبيرين مخصصين للأشخاص المولعين بالفن السابع وبالبحث أساسا عن الأفلام النادرة أو التي تنزل إلى الأسواق غداة مشاهدتها في هذين الجناحين. ويفكر الأخوان كارميتز اليوم في مساعدة بعض الأثرياء من محبي الفن السابع على إنجاز حلم يراودهم منذ فترة طويلة هو مشاهدة هذا الفيلم أو ذاك ليلة الانتهاء منه أو في اليوم الموالي.
وأما الطابق الثالث والأخير من المبنى، فقد تقرر تهيئته ليكون قاعة سينمائية مفتوحة تذكر عروضها بعروض السينما الجوالة التي كانت جدرانُ البنايات الخارجية أو المدارس أو المشافي شاشاتِها. ولكن الفرق بين شاشات الأمس واليوم كبير. فقد كان الذين يسفعهم الحظ في مشاهدة أفلام على جدران المدارس الواقعة في المناطق النائية مضطرين مثلا إلى حمل أغطية تساعدهم على تحمل البرد عند المشاهدة أو مراوح يخففون بواسطتها على أنفسهم وطأة القيظ. أما زوار القاعة السينمائية المفتوحة التي ستكون في طابق المبنى العلوي المخصص للفن السابع في باريس والذي يملكه الأخوان كارميتز، فإنهم لن يحتاجوا إلى شيء لأن المبنى مجهز بأنظمة التهوية والتدفئة والتبريد على امتداد فصول السنة.
كوفيد 19 نقمة أم نعمة؟
كان الأخوان ماتهانيل وإليشا كارميتز يعولان كثيرا على ما وفراه من أموال قبل تشرين الثاني/نوفمبر 2019 لإطلاق مشروعهما السينمائي الذي يسعيان من خلاله إلى جعل مجمعهما متفردا بشيء لا نجده في المجمعات السينمائية الباريسية. كما كانا يعولان على مداخيل قاعاتهما السينمائية التقليدية. وكانا واثقين من خلال التجربة أن عدد زوار قاعاتهما السينمائية سيكون في حدود مئتي ألف زائر على الأقل خلال عام 2020. ولكن الناس بدأوا يهجرون القاعات السينمائية في فرنسا منذ مطلع شباط/فبراير 2020 خوفا من كورونا. ثم اضطر مالكو القاعات السينمائية أو مؤجروها إلى إغلاقها تماما بموجب الإجراءات الوقائية التي اتخذنها السلطات الفرنسية. وكان كثيرون يظنون في البداية أن هذه الإجراءات زائلة بسرعة، فاستمرت أكثر من اللزوم وأصبح كثير من مالكي القاعات السينمائية أو مؤجريها يرون أن لا مستقبل لهذه القاعات حتى بعد القضاء على فيروس كورونا.
ما الذي قرره الأخوان كارميتز بشأن مشروعهما بعد أن وصل فيروس كورونا إلى بلاد سابِقيهما الأخوين لوميير؟ .. الواقع أنهما قررا الاستمرار في إنجاز مشروعهما الذي هو اليوم في مراحله الأخيرة. وهناك أسباب عدة تقف وراء قرارهما منها أن الحنين إلى شاشات السينما الكبيرة لا يزال قويا لدى كثير من الفرنسيين رغم تزايد العروض السينمائية على شاشات التلفزيون والمنصات الرقمية أو عبر أجهزة الكمبيوتر أو الهاتف الذكي. أضف إلى كل ذلك أن كثيرين من محبي السينما جعلتهم فترات الحجر المتتالية يقتنعون أكثر فأكثر بأن مشاهدة الأفلام خارج الشاشات الكبيرة لا يمكن أن توفر للمشاهد نكهة المشاهدة عبر شاشات كبيرة مخصصة للمجموعة في قاعات مغلقة أو مفتوحة أو موجودة في غرف مخصصة لشخص أو شخصين أو أفراد الأسرة.
ويضيف الأخوان كارميتز فيقولان لمن يعجب لإصرارهما على المضي قدما لإنجاز مشروعها: لا نريد أن يسخر منا الأخوان لوميير وأن يتحدثا عنا في مرقدهما فيذكران أننا لم نكن في مستوى أمانة وضعاها بين يدينا هي السينما غراف.