باريس/برلين- “القدس العربي”: أعلنت منظمة “مراسلون بلا حدود” الثلاثاء أنها تقدّمت بدعوى قضائية في ألمانيا تتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تستهدف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، منددة بـ”مسؤوليته” عن قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي وسجن حوالي ثلاثين صحافيا آخر.
وتريد منظمة “مراسلون بلا حدود” تكرار تجربة الحكم الصادر من محكمة كوبلنز والذي جرم أشخاصا من النظام السوري في قضايا ضد الإنسانية بحسب القانون الألماني الخاص الذي يخول لألمانيا محاكمة أطراف خارجية حتى لو لم تكن هي طرفا فيها، بشرط استناد ذلك إلى القانون الدولي والقضايا الإنسانية.
وأعلن الفرع الألماني للمنظمة اليوم الثلاثاء أن ولي العهد السعودي مشتبه في أنه المسؤول الرئيسي عن مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي وسجن أكثر من 30 صحافيا سعوديا. وذكرت المنظمة أن الأمر يتعلق بجرائم ضد الإنسانية. كما حررت المنظمة بلاغا ضد أربعة ممثلين آخرين رفيعي المستوى للسعودية.
وجاء في بيان اليوم الثلاثاء (الثاني من آذار/ مارس): “تطالب مراسلون بلا حدود المدعي العام ببدء تحقيق رسمي في هذه الجرائم”. وأفادت بأن الشكوى التي تم رفعها الإثنين إلى “النائب العام في محكمة العدل الفدرالية في كارلسروه” بسبب اختصاصها القضائي للنظر في “الجرائم الدولية الأساسية”، تتعلّق بـ”الاضطهاد المعمم والممنهج للصحافيين في السعودية” وتستهدف إلى جانب ولي العهد، أربعة مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى آخرين.
وتستند المنظمة في بلاغها إلى ما يسمى بـ”مبدأ القضاء العالمي”، الذي ينص على أنه لا يجوز أن يجد الجناة ملجأ في أي مكان. ويلاحق مكتب المدعي العام الاتحادي في ألمانيا مثل هذه الجرائم بموجب القانون الجنائي الدولي الذي دخل حيز التنفيذ في عام 2002.
هناك احتمالية لوقوع المزيد من الحالات، لذلك من الممكن تمامًا أن يحدد المدعي العام الاتحادي ضحايا إضافيين لمثل هذه الجرائم في سياق التحقيق
وجاء في البيان الخاص بالفرع الألماني للمنظمة والذي اطلعت عليه “القدس العربي”، أن الشكوى الجنائية المقدمة نصت على أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هو الجاني الرئيسي المزعوم ويشتبه في أنه أمر بقتل جمال خاشقجي بصورة مباشرة. كما أنه مسؤول بشكل أساسي عن اضطهاد الصحافيين في المملكة العربية السعودية، وتردي الحريات.
وبالإضافة إلى ولي العهد، يذكر التقرير أربعة مشتبه بهم آخرين هم:
سعود القحطاني، مستشار مقرب لولي العهد في ذلك الوقت، يُزعم أنه متورط بشكل مباشر في التخطيط والتنفيذ لمقتل خاشقجي وفي محاكمة الصحافيين؛ أحمد محمد عسيري، نائب رئيس المخابرات آنذاك، المتهم بالإشراف على مقتل خاشقجي؛ محمد العتيبي، القنصل العام للمملكة العربية السعودية في إسطنبول وقت ارتكاب الجريمة. وماهر عبد الحميد مطرب، ضابط مخابرات قيل إنه قاد المجموعة التي قامت بتعذيب وقتل خاشقجي، وجعل الجثة تختفي.
واضطلع مكتب المدعي العام الألماني بدور رائد في ملاحقة مرتكبي جرائم حرب في سوريا. وكثيرا ما يجد ضحايا وجناة على حد سواء ملاذا في ألمانيا كلاجئين. وإذا لم يكن المشتبه بهم الأجانب مقيمين في ألمانيا، فلا يتعين على المحققين الألمان اتخاذ أي إجراءات ضدهم.
وتكون أولوية الاختصاص في مثل هذه المسائل للدول التي وقعت فيها الجريمة والدول التي ينحدر منها الجناة والضحايا.
ووفقا لتعريف القانون الدولي الجنائي، فإن الجرائم ضد الإنسانية تحدث “كجزء من هجوم واسع النطاق أو ممنهج ضد السكان المدنيين”. ولا تزال محاكمة مقتل خاشقجي مقامة في تركيا. وحكمت محكمة سعودية على خمسة متهمين بالإعدام ثم تم تخفيف الحكم إلى السجن لمدد طويلة.
وانتقدت “مراسلون بلا حدود” أن المتهمين الرئيسيين “ما زالوا دون عقاب تماما حتى اليوم”، مضيفة أن الحالات المبلغ عنها تكشف عن نظام يهدد حياة وحرية جميع الصحافيين.
ونشر مكتب منسقة شؤون المخابرات الأمريكية، أفريل هينز، يوم الجمعة الماضي تقريرا صنف في السابق على أنه سري. وبحسب التقرير، وافق ولي العهد السعودي على عملية القبض على خاشقجي أو قتله، بحسب تقديرات الاستخبارات الأمريكية. بيد أن السعودية نفت صحة هذا التقرير.
وأكدت المنظمة الدولية أن السعودية لا تنفذ التزاماتها الدولية فيما يتعلق بحرية الرأي وحماية الصحافيين، والتعبير عن الرأي، وأشارت إلى أنه منذ الإعلان عن مقتل خاشقجي ساهمت المنظمة في تنفيذ حملات عالمية مكثفة للضغط على صناع القرار في السعودية من أجل إطلاق سراح معتقلي رأي. وأوضحت أن السعودية تحتل المرتبة 170 من قائمة 180 دولة في حرية الصحافة. ورأت المنظمة الدولية أن تصرفات الحكومة والقضاء في المملكة العربية السعودية غامضة للغاية لدرجة أن هناك احتمالية لوقوع المزيد من الحالات غير المعروفة علناً للعاملين في مجال الإعلام المسجونين تعسفياً أو المختفين قسراً. لذلك من الممكن تمامًا أن يحدد المدعي العام الاتحادي ضحايا إضافيين لمثل هذه الجرائم في سياق التحقيق.
وتعقد منظمة “مراسلون بلا حدود” مؤتمراً صحافيا، اليوم الثلاثاء في باريس، حول “الجرائم المرتكبة بحق الصحافيين في السعودية”، وذلك بعد بضعة أيام من إصدار الولايات المتحدة الأمريكية تقريرها الاستخباراتي حول اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي.
وقبل المؤتمر الصحافي هذا، كانت “مراسلون بلا حدود” قد أعربت، في بيان يوم السبت الماضي، عن أملها في أن تتم ملاحقة المسؤولين عن الجريمة على نحو محدد.
الأمين العام للمنظمة، كريستيان مير، قال إنه “يتعين الآن على المحاكم المستقلة أن تضمن العدالة وتوضح بالضبط مسؤولية ولي العهد السعودي محمد بن سلمان”.
وأضاف مير قائلاً: “يجب ألا ننسى أن ولي العهد وممثلين آخرين رفيعي المستوى من العائلة المالكة مسؤولون أيضا عن الاضطهاد المنهجي واسع النطاق للصحافيين. ويوجد حاليا 33 إعلاميا على الأقل قيد الاحتجاز التعسفي في السعودية”.