وثيقة الأبرتهايد التي نشرتها “بتسيلم” في كانون الثاني، وقرار المحكمة الدولية في لاهاي، بمناقشة جرائم الحرب الإسرائيلية في المناطق المحتلة، أثارت نقاشاً عاماً حول طبيعة النظام الإسرائيلي. وستكرس لموضوع النظام ندوة عبر الإنترنت لـ “هآرتس” بالتعاون مع “بتسيلم” ومنظمات أخرى يوم الأربعاء من هذا الأسبوع لمناقشة مسألة “هل إسرائيل هي دولة ديمقراطية؟”. رغم الخطاب المهم، فإن معظم الإسرائيليين الذين ردوا على وثيقة “بتسيلم” وفضلوا تحطيم المرآة على مناقشة إصلاح الواقع. بالتحديد وقبيل الانتخابات يجدر مواجهة هذا الواقع دون خوف والتساؤل “ماذا بعد؟”.
نذكر في البداية أن ادعاء الأبرتهايد طُرح سابقاً في أبحاث أكاديمية، ولكن بعد تقرير “بتسيلم” تعد هذه المرة الأولى التي تنشر فيها منظمة من المجتمع المدني تحليلاً منهجياً للنظام حسب ما يحدث في كل الفضاء الواقع تحت سيطرتها- ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط، إذ ليس هنالك طريقة أخرى لوصف شخصية أفضل من تضمين كل أجزائها. بعد 5 عقود، فإن ذريعة “موقوتية الاحتلال” تحولت لادعاء فارغ من المضمون.
يبدو أنه لا يوجد نقاش حول الوقائع: إسرائيل دولة ذات سيادة مباشرة على 90 في المئة من الأراضي الواقعة ما بين نهر الأردن والبحر (حدود 67 ومنطقة ج)، وهي أيضاً تسيطر وبصورة غير مباشرة ولكن وطيدة جداً على الـ 10 في ا لمئة الباقية ( “أ” و “ب”)، التي يتركز فيها 5 ملايين فلسطيني في جيوب مقلصة وضعيفة. على كل هذه المنطقة تسري قوانين وإجراءات أو ممارسات حكومية تطبق مبدأ التفوق اليهودي.
أوضح تقرير “بتسيلم” أنه من خلال عملية متساوقة من الكولونيالية العنيفة والاستيطان اليهودي في كلا جانبي الخط الأخضر ترسخ تدرج للمواطنة يذكّر بذلك التدرج الذي كان في جنوب إفريقيا، “البيض، الملونون والسود” (والذين كانوا رعايا بدون جنسية). نظراؤهم في فضاء السيطرة الإسرائيلية هم يهود ذوو مواطنة كاملة في كل المنطقة، والعرب في إسرائيل مع مواطنة جزئية، ورعايا فلسطينيون لا يحملون مواطنة في “المناطق”.
في الخطاب الدولي تحول الأبرتهايد ليصبح نموذجاً عاماً للنظام، وليس بالتحديد نسخة دقيقة لجنوب إفريقيا. في الواقع هنالك اختلافات مهمة بين الحالتين: كان البيض في جنوب إفريقيا أقلية تبلغ أقل من خُمس السكان، أما هنا فإن اليهود يشكلون النصف. والأهم من ذلك- خلافاً للفضاء الجنوب إفريقي، فإنه في إسرائيل/ فلسطين، هنالك حركتان قوميتان مشروعتان، وحسب القانون الدولي من شأنهما أن تُشكلا دولتين. نعود لهذه العوامل لاحقاً.
من الممكن بل ومن المرغوب فيه مناقشة مضمون وثيقة “بتسيلم”، وفي الحقيقة طُرحت ردود موضوعية عديدة في ساحات مختلفة، ودعم أغلب منظمات المجتمع المدني الفلسطيني هو أمر ليس مفهوماً بذاته مطلقاً في هذه الأيام من الفصل العميق والمقاطعة. في الخطاب اليهودي، والردود من الوسط- يمين كانت بافلوفية، وعلى رأسها الحظر التاريخي الذي أصدره وزير التعليم يوآف جالانت للمدارس على دعوة ممثلي “بتسيلم” (“هآرتس” 21/1) كي لا يكشفوا الأرواح اللطيفة لأبناء المرحلة الثانوية على الواقع حولهم. أُضيف إلى هذا رد لا يقل هستيرية لنتنياهو على محكمة لاهاي، والمتهمة بـ “لاسامية حادة”.
إن ردود أصحاب مقالات من اليمين مثل نافا دارومي (“هآرتس” 20/1)، وأوري شابيط، وبن درور يميني، وعيريت لينور، تميزت بسلسلة من الشتائم، مثل اتهام “بتسيلم” بالكراهية وبالنفاق وبمناوأة الصهونية، أو بدلاً من ذلك اتهام الفلسطينيين بالقمع من جانب إسرائيل. هم، مثل عديدين آخرين في الوسط واليمين اليهودي، يفضلون تحطيم المرآة على أن بُصدموا مما برز فيها.
أما الوسط/ يسار فأشاح نظره عن المرآة؛ فهكذا فعلت تسفي برئيل ويسرائيل شرنتسل “هآرتس” 20/1 18/1)، وشاؤول أرئيلي (“هآرتس” 1/1)، فقد تمسكوا بالصيغة المتآكلة -ديمقراطية هنا واحتلال مؤقت هناك”، ولكن ماذا يفعلون أمام أصوات المستوطنين من بين الـ11 جولة انتخابات أخيرة، كانت هي التي توجت اليمين الكولونيالي أو منعت حكم الوسط- يسار؟ يتضح أن الديمقراطية تشمل اليهود في المناطق المحتلة دون الفلسطينيين. أي أن “الديمقراطية ليست ديمقراطية”.
الطبيعة الانتقائية للانتخابات هي جانب واحد للربط الوثيق الذي أخذ في التزايد ما بين إسرائيل اليهودية والمناطق، في عملية سميتها في بحثي “أبرتهايد زاحف” والذي يعزز تدريجياً مبادئ “المنفصل وغير المساوي” في كل مجالات الحياة في المنطقة الواقعة ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط. السلطة الفلسطينية وحماس تسيطران فقط على مجالات الحياة التي لا تعنى فيها إسرائيل بالسيطرة عليها، وهكذا فإنهم بأنفسهم كانوا خدماً لنظام الفصل العنصري في كل الفضاء الإسرائيلي/ الفلسطيني.
السؤال الأكثر أهمية منها جميعاً هو “إلى أين نحن ذاهبون الآن؟” لذا، نية التقرير هي حث كل الجهات المعنية على وقف تدهور آخر في حقوق الإنسان والعمل وبسرعة لتغيير التوجه. ومن المهم أن نذكر أن الطريق الصحيح لإبعاد الأبرتهايد ليست بالضرورة دولة واحدة ما بين نهر الأردن والبحر كما هو دارج التفكير فيه في الخطاب الدولي، فحل كهذا قد يواجه صعوبات عميقة بسبب الحق المعترف به من قبل الفلسطينيين واليهود في دولتهم، وهو حق لن يتنازل عنه أي شعب. هنالك عدة احتمالات أخرى مثل إنشاء دولتين مستقلتين منفصلتين، (وهي عملية فشلت المرة تلو الأخرى في الـ80 سنة الأخيرة) أو نماذج أكثر صحة -حسب رأيي- من الكونفدرالية والفيدرالية، والتي تمكن من تقرير المصير لكلا الشعبين، مع حرية حركة، وعاصمة موحدة واقتصاد مندمج في الوطن المشترك.
الانتخابات علىى الأبواب، ولهذا من المهم أن نعارض الطيف الواسع من الأحزاب بكل قوة – من أزرق أبيض حتى الصهيويية الدينية- والتي تروج لأنواع مختلفة من الأبرتهايد. تغيير التوجه يبدأ من دعم الأحزاب (القليلة) والتي تدعو إلى ديمقراطية حقيقية وحقوق متساوية لكل سكان البلاد. إلى جانب التصويت، هنالك العديد مما يمكن عمله في الحياة اليومية لكسر الفصل العنصري بين اليهود والفلسطينيين من كلا جانبي الخط الأخضر والدفع قدماً بمساواة فردية وجماعية. التحدي الأكبر الذي يضعه تقرير “بتسيلم” هو التنازل عن الرغبة في تحطيم المرآة أو النظر بعيداً عنها، وبدلاً من ذلك النظر بجرأة إلى تفاصيل المشهد الصعب المنعكس عليها، والبدء بتصحيحه.
بقلم: أورن يفتحئيل
هآرتس 2/3/2021