القاهرة ـ الخرطوم «القدس العربي» : أعرب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أمس الثلاثاء، عن مساندة بلاده لكافة جهود تعزيز السلام والاستقرار في السودان، خلال تلك المرحلة المفصلية من تاريخه، وذلك انطلاقاً من المبدأ الثابت بأن أمن واستقرار السودان يُعدان جزءاً لا يتجزأ من أمن واستقرار مصر.
جاء ذلك خلال استقباله مريم الصادق المهدي، وزيرة خارجية جمهورية السودان، حسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية.
وقال المتحدث إن السيسي أكد النهج الاستراتيجي لمصر بدعم كافة جوانب العلاقات الثنائية مع السودان من أجل التعاون والبناء والتنمية، وذلك ترسيخاً للشراكة والعلاقات الأزلية بين شعبي وادي النيل.
كما أكد السيسي اهتمام مصر بتعزيز العلاقات الثنائية مع السودان «الشقيق» خاصةً في مجالات الربط الكهربائي والسككي والتبادل التجاري، فضلاً عن استعداد مصر للاستمرار في نقل تجربتها في الإصلاح الاقتصادي وتدريب الكوادر السودانية، والمعاونة على مواجهة أية تحديات قد تطرأ في هذا الصدد.
وأعربت مريم الصادق المهدي عن تطلع السودان لتطوير الجهود المتبادلة للارتقاء بأواصر التعاون المشترك بين البلدين، مثمنةً الدعم المصري المخلص للحفاظ على سلامة واستقرار السودان في ظل المنعطف التاريخي الهام الذي يمر به، بما أسهم في تجاوز السودان لصعوبات تلك المرحلة، وأشارت إلى التطلع للاستفادة من التجربة المصرية الملهمة في مجال الإصلاح الاقتصادي التي حققت نجاحاً كبيراً.
وأوضح المتحدث أن اللقاء شهد التباحث وتبادل الرؤى حول قضية سد النهضة، حيث أكد السيسي موقف مصر الثابت من حتمية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم فيما يخص ملء وتشغيل السد، بما يراعي عدم الإضرار بدولتي المصب ويحافظ على حقوقهما المائية، وقد تم التوافق على تكثيف التنسيق المتبادل بين مصر والسودان خلال الفترة المقبلة إزاء تلك القضية الحيوية.
اتفاق قانوني وملزم
كذلك سيطر ملف سد النهضة الإثيوبي على جلسة المحادثات التي جمعت وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيرته مريم الصادق المهدي، خاصة مع تعثر المفاوضات وإعلان إثيوبيا استعدادها لبدء عملية الملء الثاني بشكل منفرد مع موسم الفيضان في شهر الصيف المقبل.
وأعلن شكري، ومريم الصادق المهدي، أن هناك اتفاقا مصريا سودانيا على ضرورة التوصل لاتفاق قانوني ملزم ومنصف حول ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي يُحقق مصالح الدول الثلاث، ويحفظ الحقوق المائية لمصر والسودان، ويحد من أضرار هذا المشروع على دولتي المصب.
وقال إن التوصل لاتفاق حول سد النهضة سيمنع التوترات والمواجهة، لافتا إلى وجود إرادة سياسية مشتركة بين مصر والسودان للتنسيق في مختلف المجالات.
وأصدر الجانبان بيانا مشتركا لاستعراض نتائج زيارة الوزيرة السودانية إلى مصر، حيث أعربا فيه عن القلق إزاء تعثر المفاوضات التي تمت برعاية الاتحاد الأفريقي، وأن قيام إثيوبيا بتنفيذ المرحلة الثانية من ملء سد النهضة بشكل أحادي سيشكل تهديداً مباشراً للأمن المائي لمصر والسودان، خاصة فيما يتصل بتشغيل السدود السودانية ويهدد حياة 20 مليون مواطن سوداني.
وأضاف البيان أن هذا الإجراء سيعد خرقاً مادياً لاتفاق إعلان المبادئ المبرم بين الدول الثلاث في الخرطوم بتاريخ 23 مارس 2015.
وتابع: طالبا الوزيران إثيوبيا بإبداء حسن النية والانخراط في عملية تفاوضية فعّالة من أجل التوصل لهذا الاتفاق.
وشدد الوزيران على تمسك البلدين بالمقترح الذي تقدمت به السودان ودعمته مصر حول تطوير آلية التفاوض التي يرعاها الاتحاد الأفريقي من خلال تشكيل رباعية دولية تقودها وتسيّرها جمهورية الكونغو الديمقراطية بصفتها الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، وتشمل كلا من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للتوسط في المفاوضات، حيث دعا البلدان هذه الأطراف الأربعة لتبني هذا المقترح والإعلان عن قبولها له وإطلاق هذه المفاوضات في أقرب فرصة ممكنة.
اتفاق للتعاون العسكري بين البلدين… وتوقع زيارة للسيسي إلى الخرطوم السبت المقبل
وأكدا على ضرورة الاستمرار في التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين في هذا الملف الحيوي، كما اتفقا على إحاطة الدول العربية الشقيقة بمستجدات هذه المفاوضات بشكل مستمر، بما في ذلك من خلال التشاور مع اللجنة العربية المشكلة بمتابعة تطورات ملف سد النهضة والتنسيق مع مجلس الأمن في الأمم المتحدة حول كافة تطورات الموضوع، والتي تضم الأردن، والسعودية، والمغرب، والعراق والأمانة العامة لجامعة الدول العربية.
تأثيرات بالغة الخطورة
إلى ذلك، كشفت دراسة علمية حديثة عن تأثيرات محتملة بالغة الخطورة لإقدام إثيوبيا على ملء سد النهضة، دون التوصل إلى اتفاق مع دولتي المصب، مصر والسودان، اللتين تخشيان أن تؤثر المنشأة على حصتهما من المياه.
وأنجزت هذه الدراسة من قبل فريق بحثي يضم وزير الموارد المائية والري المصري محمد عبد العاطي، وهشام العسكري، أستاذ الاستشعار عن بعد وعلوم نظم الأرض في أمريكا.
وأكدت الورقة وجود ممارسات إثيوبية لملء سد النهضة دون الاتفاق مع دولتي المصب، وبالمخالفة لإعلان مبادئ الخرطوم الموقع في مارس/ آذار 2015.
وأوردت الدراسة، التي استخدمت صور الأقمار الصناعية، أن ملء سد النهضة يؤثر على هيدرولوجيا حوض النيل وتحديداً مخازن المياه (البحيرات، الخزانات) وتدفقها باتجاه مجرى النهر، وذلك من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية من عدة مصادر.
وتمثلت الأضرار الناتجة عن ملء سد النهضة دون التنسيق مع دولتي المصب، حسب ما ذكرت الدراسة، في وجود تأثيرات على حجم الجريان السطحي للمياه في اتجاه مصر والسودان، فضلا عن انخفاض حجم منسوب المياه المخزنة في بحيرة ناصر في جنوب مصر بسبب حجز المياه في بحيرة سد النهضة، والتي قُدرت بـ 584 مليار متر مكعب، وهو ما يمثل حوالى 5.3 في المئة من السعة المخطط لها (67.37 مليار متر مكعب) من 9 تموز/يوليو إلى 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020.
وأكدت الدراسة ضرورة لفت الانتباه إلى العلاقة بين ملء السد والجفاف المحتمل في دول المصب خلال فترات الجفاف في حوض نهر النيل الأزرق.
وحسب الدراسة، ليست لمصر رفاهية فقدان قطرة من حصتها المائية من النيل الأزرق، موضحة أن ذلك دفعها نحو تنفيذ العديد من المشروعات لتقليل الفاقد من المياه، وهي الآن من بين رواد العالم في استخدام مياه الصرف الصحي المعاد تدويرها لمواجهة مشكلات ندرة المياه الهائلة.
وتتفاوض الدول الثلاث منذ 2011 للوصول إلى اتفاق حول ملء السد وتشغيله، لكنها رغم مرور هذه السنوات أخفقت في الوصول إلى اتفاق. وتبني إثيوبيا السد على النيل الأزرق الذي ينضم إلى النيل الأبيض في السودان لتشكيل نهر النيل الذي يعبر مصر. وترى أنه ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية في حين تعتبره مصر تهديدا حيويا لها، إذ تحصل على 90 ٪ من مياه الري والشرب من نهر النيل.
وجاءت زيارة وزيرة الخارجية السودانية للقاهرة، تزامنا مع توقيع البلدين أمس اتفاقية للتعاون العسكري بين البلدين، على هامش زيارة لرئيس أركان الجيش المصري الفريق محمد فريد إلى الخرطوم.
وقال رئيس أركان الجيش السوداني، الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين، في أعقاب التوقيع أن الهدف من الاتفاق هو «تحقيق الأمن القومي للبلدين لبناء قوات مسلحة مليئة بالتجارب والعلم» موجها «الشكر إلى مصر على الوقوف بجانب السودان في المواقف الصعبة».
كما أكد الفريق محمد فريد، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، أن القاهرة تسعى «لترسيخ الروابط والعلاقات مع السودان في كافة المجالات خاصة العسكرية والأمنية، والتضامن كنهج استراتيجي تفرضه البيئة الإقليمية والدولية».
تحديات مشتركة
وأضاف أن السودان ومصر يواجهان تحديات مشتركة، وأن هناك تهديدات متعددة تواجه الأمن القومي في البلدين» مبديا استعداد بلاده لتلبية كل طلبات السودان في المجالات العسكرية كافة» واصفا مستوى التعاون العسكري مع السودان بأنه «غير مسبوق».
وأعلن في القاهرة كذلك عن زيارة مرتقبة للسيسي للخرطوم يوم السبت المقبل، على رأس وفد رفيع للقاء رئيس المجلس السيادي، عبد الفتاح البرهان.
كما قال دبلوماسي سوداني، فضل حجب هويته لـ«القدس العربي»: «نتوقع وصول الرئيس السيسي للخرطوم يوم السبت. ويأتي سد النهضة على أعلى سلم الأولويات التي سيجري نقاشها مع البرهان وحمدوك بجانب العديد من القضايا التي تشغل بال البلدين حول أمن المنطقة».
وتابع «السودان سبق له وأن أعلن أن عدم الوصول لاتفاق دولي وملزم حول سد النهضة يعتبر تهديدا للأمن القومي السوداني، وهو الموقف نفسه الذي تقف عليه القاهرة «. وذكرت مريم الصادق المهدي، خلال لقائها مع شكري، أنها تتطلع إلى زيارة السيسي للخرطوم خلال أيام.
ولم تعلن القاهرة رسميا عن زيارة السيسي للخرطوم، لكن في حال تمت الزيارة، ستكون الأولى للرئيس المصري للسودان بعد نجاح الثورة السودانية في الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير، في إبريل/ نيسان من العام 2019.
والجمعة الماضية، أعربت الحكومة الإثيوبية عن أملها في التوصل لاتفاق مع مصر والسودان بشأن سد النهضة قبيل موسم الأمطار، الصيف المقبل.
وهو ما جاء في مكالمة هاتفية أجراها نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإثيوبي، دمقي مكونن، مع وزير خارجية النرويج، إين إريكسن سوريد.
يأتي ذلك كله في الوقت الذي كشفت فيه مصادر سودانية مطلعة لـ«القدس العربي» عن زيارة مرتقبة للبرهان اليوم الأربعاء إلى يوغندا.
وقالت «ينتظر أن يغادر البرهان إلى عينتبي في زيارة ليوم واحد للقاء الرئيس يوري موسفيني ستكون الاولوية فيها للنقاش حول الواقع المتعثر بجهة مفاوضات سد النهضة وأزمة الحدود مع إثيوبيا، بجانب العلاقات الثنائية».