“العمل” الحزب الذي أسس إسرائيل.. عودة متجددة أم زفرات الموت؟

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: في انتخابات البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) الثالث والعشرين قبل عام أقسم رئيس حزب “العمل” الصهيوني وزير الاقتصاد عمير بيرتس بشاربيه بألا ينضم لحكومة برئاسة نتنياهو وسرعان ما تبين أن هذه كذبة جديدة من أكاذيب الساسة الإسرائيليين ممن يطلقون الوعود دون رغبة بتطبيقها.

ما إن انتهت الانتخابات حتى تغيرت الموسيقى وسارع بيرتس للانضمام لحكومة نتنياهو ولحلاقة شاربيه وزاد طينة حزبه المتقادم المترنح بلة وهناك من يقول متندرا “حلق شاربيه وحلق حزبه من الخريطة السياسية”. منذ أن انضم لحكومة نتنياهو تراجعت شعبية “العمل” الحزب المؤسس الأساسي لإسرائيل بعد نكبة 1948 فقد أظهرت استطلاعات الرأي منذ الإعلان عن انتخابات برلمانية رابعة أنه لا يعبر نسبة الحسم وتورط في خانة الأحزاب الصهيونية التي تحظى بصفر مقاعد.

الصورة بدأت تتغير مع تنحي بيرتس من السياسة وظهور سيدة بدلا منه في رئاسة الحزب، النائب ميراف ميخائيلي

غير أن الصورة بدأت تتغير مع تنحي بيرتس من السياسة وظهور سيدة بدلا منه في رئاسة الحزب، النائب ميراف ميخائيلي. وتظهر الاستطلاعات في الشهر الأخير أن ميخائيلي لكونها رئيسة جديدة وسيدة قد نجحت في التقاط “العمل” من وحل السياسة الإسرائيلية واستعادته بعدما نعاه أو أبنه كثيرون. وأصاب حزب “العمل” الإسرائيلي ما أصاب الهياكل السياسية القديمة غير المتجددة من تكلس وتقادم وتراجع كما حصل لمنظمة التحرير الفلسطينية وغيرها علاوة على جملة عوامل وحوادث بعضها يرتبط بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وبتغيرات عميقة لدى الإسرائيليين.

 وكانت بداية انهيار شعبيته قد جاءت عقب حرب 1973 وتحميل حكومة غولدا مئير مسؤوليتها ومقتل آلاف الجنود فيها حيث تراجعت قوته في الانتخابات العامة عام 1975. وفي 1977 حصل الانقلاب بخسارته الحكم للمرة الأولى منذ 1948 لصالح حزب “الليكود”. ومنذ هزيمة إيهود باراك في انتخابات رئاسة الحكومة العام 2001 أمام مرشح الليكود آنذاك أريئيل شارون، بدأ حزب العمل في مسار تدهور انتهى بفقدان مكانته كحزب سلطة، باستثناء فترة “المعسكر الصهيوني”، الذي كان تحالفا بين حزب العمل وحزب “الحركة” (هتنوعا) برئاسة تسيبي ليفني، ونافس على رئاسة الحكومة بقيادة إسحاق هيرتسوغ عشية انتخابات عام 2015.

وقد حصل “المعسكر الصهيوني” في تلك الانتخابات على 24 مقعدا، غير أن الليكود فاز بعدد أكبر من المقاعد بحصوله على 30 مقعدا. وفي العقدين الماضيين كانت هذه الفرصة الوحيدة وعلى ما يبدو الأخيرة التي ظهر فيها حزب العمل كبديل للسلطة بشكل جدي، وبصورة مُحددة منذ انتخابات العام 2003 (حصل فيها حزب العمل برئاسة عمرام متسناع على 18 مقعدا وحصل الليكود برئاسة شارون على 38 مقعدا).

السؤال المركزي

ومع ذلك فالسؤال المركزي الذي يدور في أروقة المشهد الإسرائيلي، سياسيا وإعلاميا وأكاديميا، هو: هل انتهى الدور السياسي والتاريخي لحزب العمل، الحزب المؤسس لإسرائيل، وهل الحزب يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهل عودته في آخر لحظة من خلال انتخاب رئيس جديد له، يتمثل في عضو الكنيست ميراف ميخائيلي، واجتيازه نسبة الحسم حسب استطلاعات الرأي العام، ما هو سوى لحظة استفاقة مؤقتة من الغيبوبة التي تسبق الموت، وأن الحزب فعليا أنهى دوره التاريخي والسياسي في إسرائيل؟

يشكل العقدان الماضيان المرحلة التي تآكل فيها حزب العمل وفقد مكانته كحزب سلطة

في ضوء هذا، يشكل العقدان الماضيان المرحلة التي تآكل فيها حزب العمل وفقد مكانته كحزب سلطة، ويعود ذلك وفق الكاتب أنطوان شلحت الباحث في الشؤون الإسرائيلية، إلى عوامل كثيرة لعل أهمها تداعيات الانتفاضة الفلسطينية الثانية على المجتمع الإسرائيلي، فشل خيار المفاوضات، إلى جانب تحولات ديموغرافية، تحولات في البيئتين الإقليمية والدولية، ارتفاع المستوى الاقتصادي في العقد الأخير نتيجة السياسات الاقتصادية الليبرالية اليمينية، وكذلك حالة الاستقرار الأمني والاستراتيجي النسبي في تلك الفترة، ما جعل منظومة اليمين بمثابة الخيار الأفضل للمجتمع الإسرائيلي- كما يؤكد أيضا الباحث الإسرائيلي دكتور شلومو أفنيري.

تدمير ذاتي

بالإضافة إلى ذلك، يشير شلحت إلى أن العقدين الماضيين تميزا بصراعات وانشقاقات داخلية في حزب العمل، وربما يعود ذلك إلى فقدان الحزب مكانته كحزب سلطة من جهة، حيث أن خسارة انتخابات تفتح المجال لتنافس من جديد على الرئاسة والنفوذ في الحزب، منوها من جهة أخرى إلى مفاعيل تحولات ديموغرافية في قيادة الحزب، ودخول جيل جديد للحزب اعتبر أن المشروع الاقتصادي- الاجتماعي هو المشروع الأهم للحزب وهو ما يمكن أن يميزه عن حزب الليكود بعد الفشل في المفاوضات مع السلطة الفلسطينية ونجاح شارون في قمع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

لذا فقد تناوب على رئاسة الحزب في العقدين الماضيين أكبر عدد من الرؤساء، لم يحظ أي منهم بمنصب رئاسة الحكومة، بينما للمقارنة تناوب على رئاسة حزب الليكود منذ تأسيسه أربعة رؤساء حظي جميعهم بمنصب رئاسة الحكومة (مناحيم بيغن، إسحاق شامير، أريئيل شارون، بنيامين نتنياهو حتى الآن). في المقابل تناوب على رئاسة حزب العمل في العقدين الماضيين سبعة رؤساء: بنيامين بن إليعازر، عمرام متسناع، عمير بيرتس (مرتين)، شيلي يحيموفيتش، إسحاق هيرتسوغ، آفي غباي، ميراف ميخائيلي.

الانتخابات الأخيرة والقادمة

 ويستذكر شلحت أن عمير بيرتس تولى رئاسة حزب العمل للمرة الثانية عشية انتخابات الكنيست الـ22، في أيلول 2019، بعد فشل آفي غباي في انتخابات الكنيست الـ21 في أبريل/ نيسان 2019، وتحالف بيرتس مع حزب “غيشر” برئاسة أورلي ليفي- أبكسيس المنشقة عن حزب “إسرائيل بيتنا”، واستمر بهذا التحالف للمرة الثانية رغم تأكيد فشله في انتخابات أيلول/سبتمبر 2019.

وشهدت انتخابات 2020 انهيارا كاملا لحزب العمل، حيث أضر التحالف بين ميرتس وبين العمل- غيشر بالقوة الانتخابية لهذا التحالف وقد حصل الحزبان فيها على 11 مقعدا (6 مقاعد للعمل- غيشر و5 مقاعد لميرتس) ويعود ذلك إلى أن التحالف ساهم في عزوف ناخبين للحزبين عن التصويت له. وبعد تأليف الحكومة قرر بيرتس الدخول إلى حكومة نتنياهو- غانتس جاعلا حزب العمل جزءا من حزب “أزرق أبيض” برئاسة وزير الأمن بيني غانتس واعترضت ميراف ميخائيلي على هذه الخطوة وحاربتها.

عوامل اليقظة

 وبعد حل الكنيست وتقديم الانتخابات، رفض عمير بيرتس إجراء انتخابات داخلية في الحزب، وفي نفس الوقت رفض الخروج من الحكومة بعد حل البرلمان وتوجهت ميخائيلي إلى المحكمة ضد قراره فحكمت لصالح إجراء انتخابات داخل الحزب. في هذه الفترة كانت أغلب استطلاعات الرأي تنذر بفشل الحزب في اجتياز نسبة الحسم، الأمر الذي كان سيحسم نهج بيرتس في دمج الحزب مع حزب “أزرق أبيض”. بعد قرار المحكمة أجريت انتخابات لرئاسة الحزب فازت بها ميخائيلي، وبعد فوزها أظهرت استطلاعات الرأي فوز حزب العمل بـ7-8 مقاعد في الانتخابات.

وحسب قراءة شلحت فإن هذا التحول مرده في عدة عوامل أولا: بعد انضمام حزب العمل إلى الائتلاف الحكومي برئاسة نتنياهو ممثلا بعضوي الكنيست بيرتس وشمولي من أصل ثلاثة أعضاء كنيست، تراجع تأييد الحزب لدى قواعد الحزب التي اعتبرت هذه الخطوة بمثابة “خيانة” لمصوتي الحزب، فقرروا التصويت لأحزاب بقيت في المعارضة مثل حزب “يوجد مستقبل”. وعندما تم انتخاب ميخائيلي عاد جزء من المصوتين للحزب، لا سيما بعد قرار الانسحاب من الائتلاف الحكومي. ثانيا: عاد التحالف الذي قام به بيرتس في دورتي الانتخابات السابقتين مع حزب “غيشر” بالضرر على الحزب، لا سيما بعد أن حافظ بيرتس على هذا التحالف رغم إخفاقه في دورة انتخابات الكنيست الـ22 (أيلول 2019).

كما أن ليفي- أبكسيس انسحبت من التحالف بُعيد الانتخابات وانضمت إلى حكومة نتنياهو- غانتس. ثالثا: أعاد انتخاب ميخائيلي الأمل لدى الكثير من المصوتين للحزب الذين قرروا عدم التصويت له بسبب توجه بيرتس لدمجه في حزب “أزرق أبيض”، والذي اعتبر أيضا أن رئيسه بيني غانتس خدع مصوتيه بانضمامه إلى حكومة مع نتنياهو. رابعا: انتهازية بيرتس، فالكثير من المصوتين لحزب العمل اعتبروا أن هذا الأخير دمر الحزب في الدورتين السابقتين، فضلا عن انتهازيته وتنقله بين الأحزاب المختلفة، وبعد انتخابه تراجعت قوة الحزب أصلا في الانتخابات السابقة، احتجاجا على عودته كرئيس للحزب.

بينما اعتبرت ميخائيلي بأنها إنسانة مثابرة في مواقفها الإيديولوجية والسياسية وهو ما أعاد الكثير من المصوتين للحزب. ويذكر أن ميخائيلي كانت من أشد المعارضين لدخول الحزب إلى حكومة نتنياهو، فقد كتبت حينها مقالا نشرته “هآرتس” في نيسان/أبريل اعترضت بشدة فيه على هذا القرار، وحذرت من أن حزب العمل ينتحر سياسيا في هذه الخطوة. وكان عنوان مقالها “لحظة قبل الانتحار النهائي لحزب العمل”.

الدولة الفلسطينية مصلحة إسرائيلية

ويذكر أيضا أن ميخائيلي واحدة من السياسيات الحديثات في المشهد السياسي الإسرائيلي، عمرها 54 عاما، وهي حفيدة نحميا ميخائيلي، السكرتير الأخير لحركة “مبام” اليسارية. بدأت ميخائيلي مشوارها كمقدمة برامج في التلفزيون والراديو في برامج ثقافية ورياضية، فيما بعد تحولت إلى منتجة أفلام وكاتبة مقالات رأي.

في العام 1997 أقامت لوبي “مساعدة النساء” لتطوير مراكز مساعدة النساء اللاتي تعرضن لاعتداءات جنسية وكانت ناشطة في هذا اللوبي وفي منظمات اجتماعية أخرى. انضمت إلى العمل السياسي في انتخابات الكنيست الـ19 (2013) وشغلت منصب رئيسة كتلة قائمة “المعسكر الصهيوني” في الكنيست التي ترأسها هيرتسوغ، كما أنها كانت ناشطة نسوية فعالة جدا وهذا ما منحها قسطا مهما من الشعبية وفق ما تؤكده زميلتها سابقا في الإعلام والسياسية الصحافية شيلي يحيموفيتش التي استقالت من السياسة بعدما أشغلت نيابة الكنيست ورئيسة لـ“العمل” لعدة سنوات واليوم تقدم مجددا برامج إخبارية في الإذاعة العبرية.

خطر إيران

ويشير شلحت لاعتبار ميخائيلي أنها “رابينية (نسبة إلى إسحاق رابين) في توجهاتها السياسية”، ففي لقاء لها مع صحيفة “معاريف” في الشهر الماضي حول العلاقة مع الفلسطينيين، أكدت أنه “إذا أردنا أن نحافظ على دولة إسرائيل فإنه يتوجب أن تكون حدود بيننا وبين الفلسطينيين ولا يمكن أن تكون دولة واحدة للشعبين وثلاثة أديان”.

وقالت لمعاريف في هذا المضمار “أعتقد أن حل الصراع من خلال دولتين لشعبين يعتبر أولا مصلحة إسرائيلية، حتى لو لم تكن هناك دولتان فورا، على الأقل نبدأ بالاعتراف بأنه لا يمكن ضم الفلسطينيين الذين يعيشون في الأرض وأيضا لا يمكن ضم “المناطق” (الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967).

وحول الشأن الإيراني قالت ميخائيلي “إن رابين أدرك أن إيران تتجه لأن تكون الخطر القادم قبل نتنياهو وزعم أنه يجب أن نوفر لأنفسنا ظروفا أفضل من أجل مواجهة هذا التحدي. وأعربت ميخائيلي عن معارضتها لـ”قانون القومية” في صيغته الحالية لأنه لا يضمن المساواة بين المواطنين في الدولة، واعتبرت أن الموضوع الاقتصادي- الاجتماعي سيكون الموضوع المركزي الذي ستعمل عليه في الكنيست المقبل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية