لا مجال للمقارنة بين تأثير الفن السينمائي وبقية الفنون من ناحية امكانية الصورة السينمائية على التأثير الفوري، والأخذ بالشحن الايديولوجي والعاطفي إلى ناحية الهدف الذي يقصده صناع الفيلم، وحتى بعد ان هيمن البث التلفزيوني لم يستطع ان ينافس الفيلم ويزحزحه عن مكانته في قائمة اهتمامامات الجمهور، رغم واقعية ما يقدمه التلفزيون من صور ومشاهد وشخصيات، وهذا يؤكد على ان مساحة التخييل في الفن السينمائي تمتلك من التأثير على المتلقي ما تعجز عنه الصورة الواقعية، وهنا تكمن خاصية الفيلم الجمالية.
وفي ما يتعلق بحضور العرب في السينما، فهذا الموضوع ليس بجديد ويعود إلى مراحل مبكرة من الإنتاج السينمائي الأمريكي والغربي، التي لم تتوقف عن تقديم الشخصية العربية، حتى وصلت إلى ما يزيد عن 900 فيلم. ومن يتتبع الأرشيف الخاص بالنتاج السينمائي حول هذه التفصيلة سيجد فيلم «ليالي القصور» 1905 للمخرج جورج مليس، والأفلام التي جاءت بعده، لم تختلف عما قدمه هذا الشريط من صورة رديئة عن العرب فغالبا ما كان ظهور شخصية العربي على الشاشة أبعد ما يكون عن التحضر.
فالعرب على الشاشة عموما يعيشون مرحلة البداوة، حتى لو أقاموا في قصور فخمة وقادوا سيارات حديثة، فالبداوة من هذه الزاوية القسرية تبدو مطلقة، ومرتبطة بالجينات.
ليس من المنطقي القبول بهذه الفكرة لانها تتقاطع مع الواقع بشواهد كثيرة، والاصرار على تسويقها يعني، ان ما جرى في العالم من متغيرات لم يترك أي أثر على العربي، وما شهدته البلدان العربية من تأسيس لجامعات وكليات ومعاهد للبحث العلمي لم تفض إلى واقع اجتماعي جديد يضم بين ميادينه عقولا علمية.
وجهة نظر صانعي الأفلام الأمريكية كانت كثيرة الالحاح على تسويق صورة عن العرب يبدون فيها وكأنهم يعيشون في كوكب خاص بمعزل عن البشرية، ويتحصنون بعادات وتقاليد وأخلاقيات تنتمي إلى عصور غابرة، وهذا يشير إلى ان السينما الأمريكية أما تجهل الحقائق والمتغيرات، أو تتعمد إنتاج نفس الفكرة، وفي الحالتين تتجاهل ما يواجهه العربي من تحديات لأجل إحداث تغيير في واقعه المجتمعي، وما يشعر به من اغتراب في ظل بنى مؤسساتية تحاول ان تحطم تطلعاته الإنسانية.
واضح جدا ان الإنتاج السينمائي الأمريكي، في ما يتعلق بالشخصية العربية كان وما يزال يشتغل وفق إطار ايديولوجي محدد، وإلا ما معنى هذا التجاهل والقفز فوق الحقائق؟
كيف يمكن شطب إرث إنساني وتاريخي، والهروب نحو قوالب جاهزة، عادة ما يكون فيها العربي مخلوقا لا يخرج عن دائرة الشخصيات الشريرة أو المكروهة؟
تسطيح الشكل
حتى في الجانب الشكلي الذي عادة ما يظهر فيه العربي على الشاشة، كان التزييف سمة ثابتة طالما تم اختزاله في هيئة رجل أسمر بملامح قاسية، وهذا تسطيح للتنوع الذي تضمه المجتمعات العربية، والمفارقة ان هذه الصورة لاقت قبولا من قبل جماعات عرقية تتعايش مع العرب منذ قرون وتكافح من أجل تحقيق مطالب سياسية، فقد تم توظيفها ضمن إطار صراعها مع الأنظمة الحاكمة، دون ان يكون هناك فرز بين المجتمع وأنظمة سياسية متخلفة، وبذلك ضُربت بعرض الحائط العلاقات المشتركة التي جمعتهم مع العرب كمجتمع.
اشكالية نمطية الصورة التي يقدم فيها العربي في السينما الأمريكية ليست جديدة من ناحية تناولها من قبل الصحافة السينمائية أو الكتب، ولعل كتاب جاك شاهين الموسوم «الصورة الشريرة للعرب في السينما الأمريكية» من أبرزها،
إلا ان هذه الموضوعة ما تنفك ان تعود بين فترة وأخرى، لتأخذ حيزا من الاهتمام في التناول والتحليل لدى المهتمين بالفن السينمائي، ربما نتيجة حدث معين يصحو عليه العالم، يترك تداعيات على الشارع، قد يرتبط بدرجة أو بأخرى بقضية التمييز العنصري، مثل ما حدث عند مقتل المواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد في 25 حزيران/يونيو 2020 من قبل الشرطة الأمريكية وما خلفه من احتقان وهيجان في الشارع الأمريكي والأوروبي، فكان مقتله أشبه بالعبث بعش الزنابير، فإذا بالموروث العنصري المتراكم تحت قشرة الحاضر بعناوينه المزيفة التي تمجد حقوق الإنسان يطفو على السطح، ولتتعرى حقائق مؤلمة غالبا ما يتم تمييعها أو التستر عليها، من قبل آلة إعلامية مرتبطة بشكل أو بآخر بالشركات العملاقة التي تتحكم بإدارة دفة السياسة والإعلام، فالعنصرية التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية منذ تأسيسها لم تستطع ان تتخلص منها، وما يزال الملونون والأقليات يدفعون ثمنها، خاصة الذين قدموا من آسيا والبلدان الأفريقية.
طيلة تاريخها كانت السينما الأمريكية تظهر ذوي البشرة السمراء في صور تقليدية ترسخ في أذهان المتلقين فكرة دونية عنهم، ومن غير الممكن إلا ان نراهم يمارسون حرفا يأبى البيض ممارستها، إضافة إلى انهم يتسمون بالعنف، ويدمنون المخدرات، ويتاجرون بالممنوعات، وهي نفس آلية التفكير التي تنظر من خلالها السينما الأمريكية إلى العرب، وهذا ما يشير إلى ان في جعبتها بضاعة جاهزة تسعى لترويجها، متجاهلة بذلك حقائق كثيرة تحتشد في الحياة الأمريكية، فهل يستطيع الأمريكان ان ينكروا بان العرب والأمريكان من ذوي البشرة السوداء، موجودون في كافة حقول الحياة الأمريكية، ويساهمون فيها بإيجابية عالية، فهناك العديد منهم يعملون في الطب، والتدريس والهندسة إلى غيرها من الوظائف العلمية، وهناك من لهم اسهامات كبيرة في مراكز البحوث العلمية التي لها صلة بالفضاء والأدوية والطائرات، فأين هؤلاء إزاء ما يتم تقديمه من نماذج إرهابية على أشرطة السينما؟
بعد احداث 11 ايلول 2001 تصاعد بشكل ملحوظ هذا السياق من التنميط لشخصية العربي الإرهابي، وتم تقديم عديد الأفلام عن موضوعة الإرهاب ضمن هذه الحبكة السردية، فكانت الشخصية العربية حاضرة فيها، باعتبارها متورطة بالعنف، ومن أبرز الأفلام التي انتجت بعد هذا الحدث: «The Kingdom» 2007 «Munich» 2005 «Zero Dark Thirty» 2012 «PatriotsDay» 2013.
تطرف متبادل
من دون شك كان تأثير هذه الأفلام بتصديراتها النمطية للشخصية العربية بغاية السلبية، بعضها كان مباشرا على العرب الذين يقيمون في أمريكا والغرب لغرض الدراسة أو العمل أو السياحة، وانعكس على طبيعة ردود الأفعال ضدهم في الشارع وفي مكان العمل، ومن غير الممكن تجاوز مدى تعمق الشعور بالخوف إزاء العربي، وهذا بالتالي يلتقي مع موجة الإسلامفوبيا التي اجتاحت الغرب بعد تفجير برجي التجارة في نيويورك وارتفعت من بعدها مشاعر الكراهية تجاههم وتجاه المسلمين عامة، وتجلت مظاهر العداء واضحة في عمليات الهجوم على المساجد كما حدث في عدد من الدول الأوروبية التي تم فيها استهداف المصلين في المساجد بالأسلحة النارية كما في نيوزلندا وكندا وبلجيكا.
في المقابل كان هناك أيضا ردود أفعال متطرفة من قبل العرب والمسلمين في البلدان الغربية التي يقيمون فيها، بمعنى ان هذا الخطاب التشويهي الذي كرسته السينما عنهم ساهم بدرجة كبيرة في زيادة حالة الاحتقان والعنف بينهم وبين والمجتمعات الغربية التي يعيشون فيها ويحملون جنسيتها.
لا يختلف اثنان على ان السينما الأمريكية فيها من العقول الاحترافية في كافة جوانب العمل السينمائي، وهذا يلغي فرضية الجهل وعدم المعرفة بالحقائق المتعلقة بالشخصية العربية، بل يؤكد على ان هناك اصرارا وتعمدا في مخالفة الواقع، والبقاء في دائرة مغلقة، لانها تمثل مصالح شركات كبرى مرتبطة مع من يصنع القرار السياسي ويؤثر عليه.
ليس خافيا على من يتتبع حلقات الإنتاج السينمائي في أمريكا ان رجال الأعمال اليهود، كانوا الأكثر نشاطا مقارنة مع المنتجين الأمريكان من غير اليهود، خاصة في مسألة توظيف ما تنتجه شركاتهم لخدمة مشروع دولة إسرائيل، حتى لو كان ذلك على حساب تزييف الحقائق التاريخية المتعلقة بالعرب الفلسطينيين، كذلك في ما له صلة بالإرهاب.
وأصحاب رؤوس الأموال من العرب الأمريكان يتحملون مسؤولية كبيرة في ان الثقافة والفنون لم تكن ضمن أولويات اهتماماتهم في الاستثمار، وفي مقدمتها الفن السينمائي، وغالبا ما كانت بعيدة عما يفكرون فيه من مشاريع استثمارية، وكانها في نظرهم لا تدر أرباحا، بينما عوائدها لن تقتصر على جني أرباح مالية كبيرة جدا فقط، انما تصب في إطار تصحيح الصورة عن العرب وتقديمها بعيدا عما تم ترويجا، فهل من المعقول ان تبقى ساحة الإنتاج السينمائي بما فيها من فرص كبيرة للاستثمار الفني والاقتصادي بعيدة تماما عن اهتمامات رجال الأعمال العرب، خاصة وانهم موجودون في الغرب وفي أمريكا، ولهم شركاتهم ومؤسساتهم التي تساهم بشكل كبير في حركة الاقتصاد وتشغيل الأيدي العاملة، والأهم في هذا الموضوع ان ارتفاع القيمة الاحترافية لدى العاملين في السينما الأمريكية تدفعهم إلى الاشتراك في أعمال سينمائية بصفة كتاب ومخرجين ومنتجين منفذين دون ان تكون لجنسية الجهة المنتجة أهمية تذكر لديهم، أو ما يطرح من موضوعات أو وجهات نظر، فما يعنيهم ان يكون اشتراكهم بناء على ما يمتلكونه من خبرة احترافية ومهنية صرفة، وهذا على العكس مما هو سائد في بلداننا العربية إذ من الصعب فك الارتباط بين الايديولوجيات والأفكار عن الجانب الحرفي لدى الفنانين المحترفين، فالفن هنا من الجانب الحرفي لا ينفصل عن موقف الفنان المحترف إزاء القضايا السياسية والاجتماعية، بمعنى ان الاحتراف الفني متورط في قضايا السياسة والمجتمع، ونتيجة ذلك تكون على حساب الجانب الاحترافي في المهنة.
تعميم النماذج الفردية
من غير الممكن تجاهل حقيقة ان صورة العرب قد تأثرت كثيرا بما يتم تقديمه من نماذج سينمائية في هوليوود، وان شركات الإنتاج الأمريكية استثمرت نماذج فردية متورطة في الإرهاب لتعميمها على البقية.
وفي ظل تجاهل أهمية الاستثمار في الإنتاج السينمائي من قبل أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال والمستثمرين العرب في أمريكا والغرب، فإن عجلة الإنتاج لن تتوقف عن تصدير الإرهابي باعتباره عربيا.