في فترات متباعدة نتيجة لسياقات حضارية محددة تتأثر بعض الأجناس الأدبية بالسلب بالرغم من التسليم بأهمية وجودها، وأهمية دورها الفعال في التقاط الغائر المخبوء في نفوسنا. في هذه الفترات يصبح الحديث عن جدوى النوع حاضرا، وعن قدرته على التواجد والاستمرار. فالقصة القصيرة بالرغم من كونها مستعصية على التحديد في إطار شكل وحيد هي الفن الأكثر ارتباطا بالحياة، لأنها تنطلق من الجزء بتجلياته المختلفة، ولكنها ترصد من خلال هذا الجزء قطاعا طوليا يحتوي على رؤية شاملة بالغة النفاذ للجوهر الخاص بالحياة. هي فن المفارقة التي تطهر وعينا، من خلال عرض وتشكيل التناقضات في لمحات خاطفة، فهناك لحظات محددة في حياة أي فرد، تظل عالقة ومؤثرة فيه، فهذه اللحظات الكاشفة هي موضوع القصة القصيرة، ومناط اهتمامها، ومن ثم فهي ليست مشدودة للحكاية، وإن كانت تنطلق منها، وإنما مشدودة إلى اللحظة البارقة التي تجعلنا نعيد الترتيب، ونعيد إدامة النظر والتأمل، لأنه ربما يكون هناك شيء أكبر من هذا المكتوب يتوارى خلفه يحتاج مزيدا من المقاربة.

الانقطاع الجزئي
في مجموعة «قهوة بوتيرو» هناك تهشيم للترتيب النمطي للأشياء بداية من تداخل العوالم، ومرورا بغياب المحددات النمطية مثل البداية والعقدة والحل بكامل تجلياتها، وانتهاء بوضع القارئ في قلب البؤرة أو الحدث أو النتيجة، وتركه لاهثا لاستبيان ملامح ذلك الحدث وتلك النتيجة، فهي تضعه على حافة الجرح، ولكنها لا تخبرك كيف حدث الجرح بشكل مباشر بل تتركك تجاهد للوصول إلى مسبباته دون ترتيب واضح.
والجرح هنا – في المجموعة القصصية – في جانب من جوانبه جرح الأسئلة الوجودية، هذه الأسئلة التي تستند في الإجابة عنها إلى الحدس والخيال والسرد، لأنها إجابات- أو تمويهات لتفادي جدار العجز- لا تستند إلى حواس وإدراك، وإنما تستند إلى فرضية حدسية أو فرضية سردية خاصة، مثل قصة «حقيبة الروح» التي تعيدنا بالضرورة إلى محاولات كتّاب سابقين في محاولاتهم تكديس الروح والإمساك بها، ولكنها تاخذ طريقا مغايرا، حيث تبني القصة استراتيجيتها على ثنائية الجسد والظل، وتصورهما منفصلين (الرجلان ماشيان بالفعل وفي تمام التوازي. لا تنتهي الحال إلا بحاجز شيء ما، طفل أو دراجة أو تكتوك).
وفي تصوير القصة لهذه الثنائية ندرك أن هناك قسيما أو نمطا لا علاقة له بالعرف أو الاجتماعيات المعهودة، ففي القصة هو لص، ولكنه لص من نوع خاص يجيد الإنصات لموسيقى الوجود، وحديث وصوت الروح وهمهماتها الحائرة. والقصة لا تبقي على تلك الثنائية، وإنما تتوقف وتستند إلى الظل الذي انفرد بالحقيبة حيث تتبدى- بوصفها مدركا ملموسا تتباين درجة الوعي به بين الإنسان العادي والكاتب الظل ذي السمات المختلفة.
بناء القصة القصيرة في قصص المجموعة ليس بناء طوليا ممتدا، هو بناء عرضي جزئي أشبه بالنتوء أو البروز أو الحدث الجلل الذي يجعلنا نعيد التفكير في الماضي بشكل خاص، ونتلقى القادم بوضعية مغايرة. هو نتوء بوضعه الخاص يشكل جزءا من الشجرة، ولكن له خصوصية الوجود المختلف الظاهر للعيان، ومن خلال تأمله يكون لدينا وعي حاد عن الشجرة، وعي يوحي بالحالة، ويشير إليها. ومن ثم فحسام المقدم في قصص هذه المجموعة ليس معنيا بتقديم وعي كامل، لكنه فقط مهتم بتقديم وعي مفتت يرتبط بتلك النتوءات البارزة الكاشفة عن الوحدة في إطار التعدد.
وهذا يرتبط بمقاربة موضوعات غير ناجزة وغير محددة ومدركة إدراكا حسيا، فهي أشياء تولد وتنمو وتفرّ وتتحرك وتموت، مثل الحب ومحاولة الإمساك به، كما في قصة «عباءة تسع طيور العالم»، وقصة «الضوء الأبيض»، أو مثل الموسيقى والغناء كما في قصة «نجوم صغيرة فوق نافذة فايزة أحمد». في قصص المجموعة هناك إلحاح على تشكيل انقطاع عرضي شبيه بالجزء الذي يكشف من خلال التحليل الميكروسكوبي عن خصائص الكل ومكوناته. ففي قصة «عبور استوائي» يشعر القارئ أن هناك تغييبا للتاريخ السابق للشخصيتين، وكأن هناك انقطاعا عن السابق، يضع القارئ في عمق اللحظة الآنية التي تلحّ على كونها نتيجة لتاريخ غائب يلفه الغموض. فالدكتورة أنسام طبيبة الأسنان والراوي الذي لم يذكر اسمه يتواصلان من خلال نافذة وسائل التواصل الاجتماعي للإشارة إلى تجذر آني دون تاريخ أو ماض، ويتمّ تجسير فراغات هذا التغييب من خلال قدرة الكاتب على الكشف أو التنقيط المحسوب لإضاءة التاريخي المفقود لدى كل قسيم. فقيمة القصة القصيرة تتولد بوصفها انقطاعا عن السابق، ولكنها – نظرا لطبيعتها – تظل تشير وتوحي بهذا الفقدان، وكأنها تبرّر هذا النتوء الذي يهشم الاستواء والنمطية البنائية.
والانقطاع الجزئي الذي تشكله قصص المجموعة يمثل حدثا فارقا بين حياتين، حياة تسبق الحدث، وحياة آنية ممتدة ليست ساكنة تظل متأثرة به، من خلال التكرار الدوري لهذا الحدث مع كل فعل قريب أو شبيه. والحدث الذي يشبه النتوء يصبح محور الاهتمام ويغيّر وتيرة الحركة والنزوع والتفكير، على نحو ما يمكن أن نرى في قصة «محاولة جادة لقراءة الكف»، أو في قصة «الثلاثاء بالأبيض والأسود». وفي قصة «الأقفال» يدرك القارئ أنه ليس أمام حكاية كاملة أو تامة الأركان والأجزاء، وإنما أمام جزء حيوي حياتي معيش يرتبط بمعاينة المترسب من رماد الاشتعال السابق وتصوير وجوده واستمراره حيا، وكأن كل تجربة يمرّ بها الإنسان تترك أثرا لا يمحى، خاصة إذا كانت هذه التجربة تحمل ملامح خصوصية، فيظهر أثرها في النزوع والحركة. القفل هنا معادل ارتباط دائم بين شخصين يحمل حرفي اسميهما ومفتاحه يتم إلقاؤه في المياه، فربط القلبين الدائم يمثل صورة من صور التوحد لمباينة التفكك المعيش.
تداخل العوالم
المنحى المعرفي في «قهوة بوتيرو» يتمثل في الوجود وفي الجزئيات الأخرى المتعلقة بأسئلة لا إجابة ملموسة عنها، فالوجود على النحو الذي نمر به في هذا العالم يشكل أزمة، ولن تفلح الإجابات النمطية المعهودة في فك لغز هذه الأزمة، ومن ثم كان البحث عن بديل حاضرا يقلل من حدة الاغتراب، ويضع قشرة رهيفة على جرح الوجود المنفتح، من خلال الانفلات من أسر القيد، وتخطي عوالمه المحددة المغلقة.
وللكاتب في مقاربة هذه الحالة أسانيد محددة، فجلّ اهتمامه في قصص المجموعة – خاصة القصص الأولى – يرتبط بالعناية بالمساحة العمرية المرتبطة بتشكل الوعي أو بدايته، وما يتجاوب معها من الوقوف أمام الأسئلة الصعبة بنداوة وبراح الطفولة، مثل قصة (أقوال جديدة في سيرة أمنا الغولة)، فالنص يقوم على انقطاع جزئي، وتُقدم له من خلال عيون بريئة صور مختلفة ومتجاوبة في الآن ذاته، مما يفتح الباب لتداخل العوالم منها المعيش والمتخيل وفق منطق الطفولة البريء.
تداخل العوالم- مثل عالم الإنس وعالم الجن والشياطين- سمة قارة في كل قصص المجموعة، كما في قصة «الثلاثاء بالأبيض والأسود»، أو في قصة «أزمنة الجميل»، حيث تسري في القصة الأخيرة روح الوحدة بين الإنسان والصفصافة وأشجار الكافور والتين. ويتجلى ذلك التداخل بشكل لافت من خلال صورة الأمير المسحور التي كان لها حضور في أكثر من قصة.
يقارب الكاتب من خلال قصصه أنساقا عديدة من الوجود، ولا يقاربها بمفردها، وإنما في التحامها وافتراض وجودها اللافح، خاصة حين يكون هذا النسق غرائبيا لا يمكن إدراكه بالحواس، فكل المتاح عنه لا يتجلى إلا من خلال نصوص سردية قديمة أو معاصرة، ولا يشكل وجودا ملموسا صارما.
ونظرا لطبيعة الآلية السردية المستخدمة بالرغم من كون الراوي عليما، وهي آلية عين الكاميرا الراصدة آنيا دون ارتدادات للخلف يتمتع السرد بقطاع أفقي شمولي واسع لإضافات عديدة من جانب، ومن جانب آخر فهو سرد يعاني من الانقطاع عن الماضي، لأن اهتمامه الأساسي يرتبط بما يقاربه سرديا بشكل أفقي للشخصيات العديدة التي يجمع بينها كيفية الحركة في ذلك اليوم التي أشارت إليه الأرصاد، وتم اعتماده عطلة رسمية.
هناك محاولة في بعض قصص المجموعة لزلزلة التحديد الصارم بين العوالم، يتجلى ذللك واضحا في قصة «رقصة القيامة»، فالبطل عبد الله – وهو اسم لا يخلو من دلالة تشير إلى الفطرة الأولى – له شطحات يقول في واحدة منه: (ما حكمة الله في تقييدنا بالأرض وجاذبيتها… أليس من الأفضل لو كنا بالخفة التي تجعلنا نطير في العالي، ونرى الحمام والنسور، والعصافير ترفّ من حولنا). هذه الرؤية تفتح الباب لاندفاعات خاصة تكشف عن ذوبان هذه الحدود مثل التكرار الدوري لقصة الأمير المسحور، فالأمير في رقصة القيامة ليس الولد المؤدب الذي يمشي بجوار الحائط، وإنما أصبح الأمير الذي تتزلزل تبعا لقدرته حدود العوالم، حيث ينتقل بحرية بين الكواكب ليرى أنماطا عجيبة من البشر مرتبطا بحركة الطيور البرية المهاجرة.
في «رقصة القيامة» هناك محاولة لحرق المسافة بين الأرض والسماء ونتيجة ذلك، بما يسدله على شخصيات القصة من تغييرات، حيث كانوا يعتلون مئذنة المسجد لحظة الزلزال 1992. فهؤلاء الذين عاينوا التجربة واقعا وتوزعوا في سياقات تالية، فالأول حدث له ما يشبه الانخطاف العقلي، والثاني- غالبا يشير إلى وحدة مع الكاتب- ظل على حذر من السكن في الأماكن العليا، وظل قريبا من الأرض، وفسر جاذبيتها بالحب، والثالث انسحب من السياق بالموت، والرابع باحث عن المعرفة.
تكشف قصة «رقصة القيامة» عن التنوّع في طبائع البشر في مقاربة المجهول أو غير المدرك، فمنهم من لا يقبل هذا التغييب والسكون فيتعاظم عليه، ومنهم من يأخذ جانب التسليم المشدود إلى الاندحار والركون إلى يقين بالوجود وإلى يقين بعدم الوجود، ومنهم من يظل مشدودا إلى محاولة المعرفة والمجاهدة من خلال محاولات الإمساك وفتح منافذ للإجابة.
في القصة التي تحمل عنوان المجموعة «قهوة بوتيرو»، لا تحلّ روح بوتيرو الفنان الكولومبي في هذه القصة فقط، ولكنها روح ترفرف كثيرا ودائمة الحضور في بقية القصص، لأنها معنية بتفسير أشياء لا تفسّر، ومحاولة الإجابة عن أسئلة لا يمكن بسهولة الإجابة عنها. ففي القصة يظل هذا السؤال حاضرا: لماذا نقترب من أشخاص أو نباتات أو حيوانات دون فهم سبب واضح لهذا النزوع في الاقتراب؟ وكأن الإجابة عن هذا السؤال فنيا بشكل سردي تشكل مرتكزا أو موقعا يستطيع أي أديب من خلاله أن يعيد آلية ارتباطه بالعالم. يقول بوتيرو: (ينجذب الفنّان إلى أشكال محددة دون أن يعرف لماذا، إنك تتبنى بالحدس موقفا ما، وبعد ذلك تحاول أن تبرره، وتقنع به نفسك).
حسام المقدّم: «قهوة بوتيرو»
الهيئة المصرية العامة للكتاب،
القاهرة 2019
134 صفحة.