المحافظون الإيرانيون يطالبون برفع العقوبات أولا
الملف الإيراني بات الملف المحوري في سياسات إدارة بايدن الشرق أوسطية، بل ربما مثل الملف المحوري الذي التفت حوله الملفات الأخرى، مثل الموقف من دول الخليج، والملف الإسرائيلي والبرود الذي شاب العلاقة مع إدارة نتنياهو، والأخطر الموقف في المناطق الساخنة كالعراق وسوريا واليمن حيث أذرع إيران الإقليمية وأدوارها في تأجيج وتهدئة الصراعات.
ربما نظر المتابع للموقف الإيراني من قرارات الإدارة الأمريكية على انه موقف واحد وموحد للفرقاء السياسيين في طهران، بينما واقع الحال ينبئنا أن هناك صراعا شرسا بين جناحي السياسة الإيرانية: جناح المحافظين يقابله جناح الإصلاحيين.
صراعات
يمكننا قراءة الصراع في طهران بين الإصلاحيين والمحافظين في تصريحات وزير الخارجية محمد جواد ظريف في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة «همشهري» يوم 6 شباط/فبراير الماضي، فقد أشار إلى أهمية عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي، وقال «الوقت ينفد أمام الأمريكيين، بسبب قانون البرلمان وأيضا بسبب جو الانتخابات التي ستلي السنة الإيرانية الجديدة بعد 21 آذار/مارس». مشيرا إلى أن قانونا وافق عليه البرلمان الإيراني يلزم الحكومة بتشديد موقفها النووي إذا لم يتم تخفيف العقوبات الأمريكية بحلول 21 شباط/فبراير.
في المقابل نقرأ تصريح المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، إذ قال مبينا موقف المحافظين من العودة إلى الاتفاق النووي، يوم 17 شاط/فبراير الماضي بقوله؛ إن بلاده «ستعود إلى الالتزام بالاتفاق النووي، إذا أوفت أطرافه من الدول الكبرى عمليا بوعودها» وقال بحسب تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإيرانية «أرنا»؛ «أريد أن أقول كلمة واحدة حول الاتفاق النووي، وهي، أننا سمعنا الكثير من الأقوال والوعود الجميلة التي انتهكت على أرض الواقع؛ لا جدوى من الكلام والوعود» وأضاف؛ «هذه المرة نطلب التطبيق العملي للوعود فقط والوفاء بها، وإذا لمسنا ذلك في الجانب الآخر سنقوم بالعمل أيضا».
النتيجة هي؛ المحافظون يطالبون إدارة بايدن برفع العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على إيران أولا، وعندها ستثبت واشنطن حسن نواياها في الالتزام ببنود الاتفاق الذي تم التوقيع عليه عام 2015 بينما تطالب إدارة بايدن حكومة طهران بالجلوس والتفاوض أولا، لإثبات حسن نية طهران بالالتزام بالاتفاق النووي ومن ثم يتم الاتفاق على تفاصيل رفع العقوبات والإجراءات الجديدة التي تطالب بها واشنطن كشروط إضافية يجب ان تضاف للاتفاق القديم والتي تتركز حول ترسانة إيران الصاروخية، وتخلي طهران عن أذرعها الإقليمية في المنطقة.
وفي محاولة من الترويكا الأوروبية «بريطانيا، فرنسا، ألمانيا» لاحتواء تداعيات الأزمة الخطيرة التي أثارتها طهران منتصف شهر شباط/فبراير الماضي عبر تنفيذ تهديدها بفرض قيود على مفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، اقترح المدير السياسي للاتحاد الأوروبي إنريكي مورا عقد اجتماع غير رسمي لجميع المشاركين في الاتفاق النووي، وقال؛ إن «الاتفاق النووي يمر بلحظة حرجة، في حين تعتزم إيران فرض قيود على بعض عمليات التفتيش التي تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في حال لم ترفع واشنطن عقوباتها التي فُرضت منذ 2018 وقد حددت مهلة لذلك تنتهي في 21 شباط/فبراير».
وافقت إدارة بايدن على الدعوة، ورحب الأوروبيون بها، بينما رفضها الإيرانيون وقالوا أنهم لن يجلسوا إلى طاولة المفاوضات قبل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليهم. هذا التشدد أثار استياء الخارجية الأمريكية التي صرح الناطق باسمها نيد برايس يوم 25 شباط/فبراير مشيرا إلى؛ أن «صبر الولايات المتّحدة على وشك النفاد» بسبب عدم قبول الجمهورية الإسلامية للاقتراح الأوروبي لعقد مباحثات أمريكية-إيرانية مباشرة بهدف إعادة إحياء الاتفاق النووي.
وقد أكد المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيرانية موقف طهران المتشبث برفع العقوبات الاقتصادية قبل أي خطوة يمكن أن تخطوها طهران في طريق العودة للاتفاق النووي، وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده في بيان رسمي؛ أنه «نظرا للمواقف الراهنة وخطوات الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث (المنضوية في الاتفاق) تعتبر الجمهورية الإسلامية في إيران أن الوقت غير مناسب لعقد اجتماع غير رسمي اقترحه المنسق الأوروبي لـ(خطة العمل الشاملة المشتركة) الاسم الرسمي للاتفاق المبرم بين إيران والقوى الست الكبرى». وأضاف خطيب زاده «لم يحصل أي تغيير في مواقف الولايات المتحدة وتصرفها بعد، وإدارة بايدن لم تكتف بعدم التخلي عن سياسة (الضغوط القصوى) الفاشلة لترامب، بل لم تعلن حتى التزامها واحترام مسؤولياتها في إطار خطة العمل الشاملة المشتركة وقرار مجلس الأمن الدولي 2231».
هذا التشدد من الطرف الإيراني دفع الأوربيين لاتخاذ مواقف أكثر تشددا، إذ أكد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان يوم 2 آذار/مارس الجاري، أنه سيتم تقديم مشروع قرار للوكالة الدولية للطاقة الذرية في الأيام المقبلة لانتقاد قرار إيران بالحد من التعاون مع الوكالة الدولية، وستمضي فرنسا في خطة تدعمها بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة لاستصدار قرار من مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ينتقد إيران بالرغم من التحذيرات من العواقب الوخيمة التي قد يجرها مثل هذا القرار.
من جهته، وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» رد الرئيس الإيراني حسن روحاني على هذا التصعيد باتصال هاتفي مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم 3 آذار/مارس الجاري قال فيه؛ إن «الاتفاق النووي مع بلاده غير قابل لإعادة التفاوض، والطريق الوحيد لإعادة إحيائه هو رفع العقوبات الأمريكية عن طهران». ولفت روحاني إلى أن «الاتفاق النووي هو اتفاق دولي متعدد الجوانب وأطرافه معروفون ومسجلون ضمن القرار الأممي رقم 2231 وأن إضاعة فرص الحفاظ على الاتفاق وإعادة إحيائه ستضع الجميع أمام ظروف أكثر صعوبة». وشدد على أن «أي خطوة أو موقف غير بناء يصدر عن مجلس حكام الوكالة، سيجعل الأطراف أمام تحديات جديدة وسيزيد من تعقيد الظروف الراهنة».
الإوراق الإقليمية
كثيرا ما قرأت التوترات الإقليمية على أنها أوراق ضغط تلعبها أطراف النزاع لفرض شروط تفاوضية في الملف النووي الإيراني الذي يعتبر اليوم محوريا في أحداث الشرق الأوسط، ومن بين أوراق التصعيد ما يشهده العراق من هجمات ميليشيات مقربة من طهران بصواريخ كاتيوشا مصنعة إيرانيا تم استخدامها في ضرب القوات الأمريكية المتواجدة في قاعدة حرير قرب مطار أربيل الدولي في كردستان العراق، بالإضافة إلى الضربات التي تم توجيهها لقاعدة عين الأسد في الأنبار غرب العراق مؤخرا والتي قتل فيها متعاقد مدني أمريكي. من جانبها إدارة بايدن لم تقف مكتوفة الأيدي على ما حصل، فوجهت ضرباتها لنقطة تفتيش حدودية بين العراق وسوريا قتل فيها 22 مقاتلا من ميليشيا «سرايا أولياء الدم» التي أعلنت مسؤوليتها عن توجيه الضربات الصاروخية. رسالة إدارة بايدن من الضربة التي نفذت في سوريا يوم 25 شباط/فبراير مفادها أننا سنرد وبقوة على أي تهديد، وإن الوجود الإيراني في سوريا لن يكون بعيدا عن ضرباتنا، بل اننا نستطيع توجيه الضربات في أي مكان يصدر منه تهديد للوجود الأمريكي في المنطقة.
الولايات المتحدة الأمريكية والخليجيون والإسرائيليون أصروا على ان يتم تعديل الاتفاق النووي قبل عودة واشنطن له، وان التعديلات يجب أن تشمل وضع الترسانة الصاروخية الإيرانية تحت الرقابة الدولية، وأن توقف إيران تدخلاتها الإقليمية عبر تحريك أذرعها في اليمن وسوريا ولبنان والعراق. من جانب آخر نجد أن ضغوط إدارة بايدن الأخيرة على الرياض والتحالف الذي تقوده في حرب اليمن قرأته طهران على انه ورقة لينة في الصراع الإقليمي يجب ان تستثمرها قبل المضي قدما بحل الأزمة اليمنية دبلوماسيا، لذا قرأ هجوم حركة أنصار الله الحوثية للسيطرة على مدينة مأرب وبالتالي السيطرة على كامل شمال اليمن على أنه ورقة ضغط إيرانية في التفاوض اليمني وبالتأكيد سينعكس ذلك على مفاوضات الملف النووي.
كما إن تعرض السفينة الإسرائيلية «إم في هيليوس راي» التي تستخدم لنقل السيارات لانفجار في خليج عمان يوم الجمعة 26 شباط/فبراير، قرأ على انه تصعيد إقليمي إسرائيلي ضاغط على مفاوضات الملف النووي، إذ صرح وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس يوم 27 شباط/فبراير بقوله؛ إن تقييما أوليا خلص إلى مسؤولية إيران عن الانفجار. وقد أشار ألون بن دافيد معلق الشؤون العسكرية في القناة العاشرة الإسرائيلية إلى الأمر بقوله؛ إن «التقييم الإسرائيلي يشير إلى إطلاق إيران صاروخين نحو السفينة، وأن فريقا إسرائيليا سيتوجه إلى دبي للتحقيق في الحادثة».
ويرى عدد من الباحثين في شؤون الصراع الإيراني الإسرائيلي أن هذه الاتهامات تأتي ضمن الضغوط الإسرائيلية على إدارة بايدن لأخذ الشروط الإسرائيلية في الحسبان في أي اتفاق نووي مقبل مع إيران، كون الاتفاق السابق تعتبره إسرائيل لا يحمي أمنها القومي ولا مصالحها الإقليمية. كما ترى جهات مقربة من طهران أن التطورات الجيوسياسية التي طرأت على المنطقة بعد الاتفاق النووي السابق، شكّلت خطراً وجودياً على الأمن القومي الإسرائيلي، ما دفع حكومة نتنياهو للضغط على إدارة بايدن لتكون لها حصة مميزة في أي اتفاق مقبل.