المحكمة الجنائية الدولية والقضية الفلسطينية: من أوكامبو إلى كريم خان مرورا ببنسودا

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

على السلطة الفلسطينية ألا تتخوف من تقديم شكاوى كثيرة للمحكمة تشمل الجدار وسرقة المصادر الطبيعة واستهداف الأطفال وكل ذلك موثق.

نيويورك-»القدس العربي»:  منذ إقرار نظام روما الأساسي لعام 1998 القاضي بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وبعد دخول النظام حيز الإلزام للدول الأعضاء في تموز/يوليو 2002 تقلب على موقع «المدعي العام» إثنان والثالث على الطريق، الأرجنتيني لويس مورينو أوكامبو، والغامبية فاتو بنسودا، والقادم والذي سيبدأ ولايته في 16حزيران/يونيو المقبل لمدة تسع سنوات البريطاني المسلم كريم خان. لقد بدأت قضية فلسطين مع أوكامبو لكنها همشت وأقفلت ثم عادت لتظهر بقوة خلال ولاية بنسودا رغم التردد والتأخير المتعمدين، لكن المرحلة الحاسمة ستكون خلال ولاية المدعي العام القادم. فهل ننتظر منه موقفا شجاعا ينسجم مع القانون الدولي دون وجل ومراوغة؟ أشك في الأمر للأسباب التي سأقدمها.

عهد أوكامبو 2003- 2012
انتخب أوكامبو بالاجماع في نيسان/أبريل 2003 بعد انتخاب القضاة الثمانية عشر في اذار/مارس. كان هناك كثير من اللغط حول علاقاته المتميزة مع الولايات المتحدة واستشاراته مع البنك الدولي واستقباله أستاذا زائرا في جامعة هارفرد وييل. وحتى في إسرائيل حيث عمل أستاذا زائرا في الجامعة العبرية.
وبعد تقاعده من المحكمة الجنائية نشرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية معلومات دقيقة بناء على حصولها على رسائل أوكامبو الإلكترونية التي تشير إلى امتلاكه لعدد من الشركات والمصالح خارج بلاده الأرجنتين. كما تبين شطب اسم حسن تتنكي، من ليبيا أحد عملائه التجاريين الكبار، والمتهم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من قائمة المتهمين مع معمر القذافي.
قام لويس مورينو أوكامبو بزيارة لإسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2015 حيث أشاد بوزارة الخارجية الإسرائيلية لنشرها تقريرا يدعي أن المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية قانونية بموجب القانون الدولي. وقال أوكامبو في مقابلة مع «التايمز أف إسرائيل»: «إنه في الوقت الذي يعارض مضمون التقرير، هناك حاجة ماسة لمناقشة مستفيضة حول شرعية المستوطنات بحيث يمكن أن تكون مفيدة لجميع الأطراف المعنية». وقال: «إن هذا ممتاز. هذا بالضبط ما يتوجب عليهم القيام به. إنني لم أقرأ التقرير. ولكن أعتقد أن هذا هو السبيل لتحقيق ذلك: توضيح وجهة نظرك».
في عهد أوكامبو، لم تفتح المحكمة أي ملف إلا للأفارقة. وقد صدرت إدانات لثلاثة رؤساء أفارقة هم السوداني عمر البشير، والرئيس السابق لساحل العاج، لوران غواغبو، والعقيد معمر القذافي ومجموعة من رموز نظامه والمقربين منه بمن فيهم سيف الإسلام. أوكامبو لم ينطق بكلمة في ما كان يجري من جرائم حرب في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال واليمن وغيرها. وفي عهده جرت عملية «غيوم الصيف» على بيت حانون في تشرين الثاني/نوفمبر 2006 حيث أنجز الأب ديزموند توتو تقريرا مهما حول ما ارتكبته إسرائيل من فظائع. ثم أنجز القاضي ريتشارد غولدستون في تشرين الأول/أكتوبر 2009 تقريره الشهير حول عملية «الرصاص المسكوب» التي شنتها إسرائيل على غزة بين 27 كانون الأول/ديسمبر 2008 و 18 كانون الثاني/يناير 2009 والذي تضمن توثيقات مفصلة لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في غزة. لكن المدعي العام لم يثر الموضوع ولم يعلق على هذه الجرائم وكأنه في عالم آخر.
بتاريخ 21 كانون الثاني/يناير 2009 قدم وزير العدل الفلسطيني آنذاك، علي خشان، طلبا للتوقيع على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية معلنا التزام الحكومة الفلسطينية بصلاحية المحكمة وقراراتها. إلا أن المدعي العام أوكامبو لم يرد على الطلب الفلسطيني إلا في 3 نيسان/أبريل 2012 أي قبل مغادرته المنصب بشهرين، قائلا إنه غير قادر أن يقرر في ما إذا كانت فلسطين «دولة» لديها صلاحيات الانضمام إلى نظام روما الأساسي أم لا. وانتهى الأمر عند ذلك.
في عهد بنسودا
رحب الأفارقة بتعيين الغامبية فاتو بنسودا، مدعية عامة للمحكمة من 16 حزيران/يونيو 2012 لمدة تسع سنوات. كانت أزمة الثقة بين القارة الأفريقية والمحكمة قد بلغت أوجها. كان التركيز على أفريقيا أساسا ليس لأن أفريقيا خالية من مجرمي الحرب بل لأن العالم يزخر بالمجرمين الخطيرين من خارجها. لقد فتح مكتب المدعي العام عشر حالات تحقيق رسمية وكان يتعامل مع تسلمها المنصب تسع حالات في بداية مرحلة التحقيق الأولية كلها لأفارقة. وقد بلغ من وجهت له تهم رسمية 39 فردا كلهم بلا استثناء من القارة الأفريقية من بينهم الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس الكيني أوهورو كنياتا ورئيس ساحل العاج السابق لورا غباغبو والرئيس الليبي السابق معمر القذافي وجوزف كوني، قائد مجموعة مسلحة في أوغندا.
اقترحت جزر القمر عام 2009 أن يقوم الأفارقة بالانسحاب الجماعي لكن الموضوع تأجل وخاصة بعد تعيين بنسودا. استبشر الأفارقة خيرا إلا أن بنسودا لم تغير في التوجه نحو ملاحقة. فحتى كانون الثاني/يناير 2016 كانت المحكمة تفتح ملفات تسع حالات كلها في القارة الأفريقية. في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2016 قررت ثلاث دول أفريقية الانسحاب منها هي بورندي أولا تلتها جنوب أفريقيا ثم غامبيا. كما أن كينيا وناميبيا ألمحتا إلى أنهما تدرسان إمكانية اتخاذ قرار الانسحاب. وساطة للأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أقنعت جنوب أفريقيا وغامبيا بالعودة إلى المحكمة خاصة بعدما تم قبول فلسطين عضوا في المحكمة وبدأ الحديث عن توسيع دائرة التحقيقات لتشمل أفغانستان وميانمار إضافة إلى إسرائيل.
في الأول من نيسان/أبريل 2015 أصبحت فلسطين العضو 123 في المحكمة الجنائية الدولية والدولة العربية الثالثة بعد الأردن وتونس. وقد جرى احتفال بسيط في مقر المحكمة بلاهاي بحضور وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي الذي تسلم نسخة رمزية خاصة من نظام روما الأساسي لعام 1998 والذي بموجبه إنشئت المحكمة. قدمت فلسطين ثلاثة ملفات برسم المحكمة: ملف الاستيطان وملف حرب صيف 2014 وملف الأسرى والمعتقلين.
لكن المحكمة تباطأت كثيرا. فبعد انضمام فلسطين لقانون روما الأساسي، وحسب المادة 12 من نظام روما، فليس أمام المحكمة إلا أن تتعامل مع هذه العضوية. إن مسألة ولاية المحكمة على فلسطين المحتلة قد حسمت تماما بقبول عضوية فلسطين. لكن المحكمة ولأسباب معروفة من بينها الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، أعادت 2018 فتح ملف ما إذا كان للمحكمة ولاية على الأراضي الخاضعة لدولة فلسطين، لتعود وتقول بعد ثلاث سنوات إضافية نعم للمحكمة ولاية قانونية على أراضي الدولة العضو، والمحددة بالضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة. عملية المماطلة وإعادة البحث كانت نوعا من التهرب من مواجهة الحقيقة الواضحة قانونيا. والغريب مرة أخرى أن بنسودا انتظرت لقبل رحيلها بأربعة أشهر لتنطق بهذا القرار في 5 شباط/فبراير 2012 وتعود وتؤكد قبل أيام من فتح ملفات التحقيق قد بدأ فعلا رغم التهديدات الإسرائيلية والأمريكية. خطوة تأخرت كثيرا لكن أن تأتي متأخرة خير من ألا تأتي.
كريم خان: تخوفات مبنية على أساس
إن اختيار كريم خان يثير الشكوك من الألف إلى الياء. فحسب القانون غير المكتوب بتناوب المناصب الدولية الرفيعة بين المجموعات الجغرافية، وصل الدور إلى مجموعة الدول الأوروبية ودول أخرى بعد أمريكا اللاتينية وأفريقيا.
والغريب في الأمر أن القائمة الأولى للمترشحين ضمت 89 مرشحا اختصرت إلى 14 وظل اسمه فيها ثم إلى أربعة وكان اسمه من بينهم. والغريب أيضا أن اثنين من المرشحين من أفريقيا وبالتالي يتم استبعادهما فورا والرابع من كندا. ولأن نائب بنسودا حاليا من كندا، وهو باق في المنصب، فمن غير المنطق أن يكون المدعي العام ونائبه من نفس البلد. إذن ما كان أمام جمعية الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي إلا انتخاب كريم خان بعد أن تم استبعاد المنافس الحقيقي له القاضي الإيرلندي فرغال غاينور المتعاطف مع القضية الفلسطينية.
وأود أن أشير أن خان معروف بدفاعه عن مجرمي الحرب، كما وثقت ذلك الباحثة عائشة البصري بالتفصيل في مقال حول شخصية كريم خان وسيرته غير السويّة. فقد دافع عن مجرم الحرب شارلز تايلور، رئيس ليبيريا الأسبق، والذي حكم عليه من قبل المحكمة بالسجن لمدة 50 سنة. ودافع عن ثلاثة من مجرمي الحرب في دارفور، وعن سيف الإسلام القذافي في ارتكابه جرائم ضد الإنسانية في استهداف المدنيين في الأيام الأولى الثورة الليبية. كما دافع عن بيير بيمبا، وهو مجرم حرب من جمهورية الكونغو وارتكب هو وجنوده جرائم حرب في جمهورية أفريقيا الوسطى مستهدفا مئات المسلمين حكم بعدها بالسجن لمدة عشرين سنة لكن خان برأه من التهمة. كما دافع عن مجرمي حرب في كينيا أحدهم نائب الرئيس الحالي وأجبر مكتب الإدعاء على إسقاط التهم عنهما بعد ان اختفى الشهود فجأة واغتيل أحدهم. ولا عجب أن نرى كينيا هي التي كانت وراء إقناع المجموعة الأفريقية بدعم خان.
علينا ألا نتوقع الكثير. وسنكتشف ربما قريبا أو لاحقا أن اللوبي الصهيوني والأمريكي كانا وراء ترشيحه ودعمه حتى لو لم يكونا عضوين في الجمعية العامة للمحكمة. فغالبية أعضاء المحكمة من أمريكا اللاتينية وأوروبا وأوروبا الشرقية وأفريقيا.
على السلطة الفلسطينية ألا تتخوف من تقديم شكاوى كثيرة للمحكمة تشمل الجدار وسرقة المصادر الطبيعة واستهداف الأطفال. وكل ذلك موثق. وقد يثار سؤال عن إمكانية قيام الولايات المتحدة بوقف التحقيق عن طريق تفعيل المادة 16 من النظام الأساسي والذي يتيح لمجلس الأمن اعتماد قرار تحت الفصل السابع لوقف التحقيق لمدة عام. وأكاد أجزم، أن هذا الأمر أقرب إلى الاستحالة لأن الولايات المتحدة لن تجد أصلا تسعة أعضاء يؤيدونها لهذا الخرق الواضح للقانون الدولي وبطريقة رعناء. فقد فشلت الولايات المتحدة في موضوع القدس عندما لم تجد نيكي هيلي أحدا يصوت مع مشروعها إلا نفسها وفشلت كيلي كرافت في مشروع قرار لإعادة فرض العقوبات على إيران ولم تجد دولة تقف معها إلا الجمهورية الدومينيكية. فلا نتوقع أن تغامر الولايات المتحدة بتجربة مماثلة في ظل إدارة تقول إنها تحترم القانون الدولي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية