لغتي الحميمية

عادة ما يتحدث اللسانيون عما يسمونهIdiolect أي لهجة فردية، وذلك لتعيين المظاهر الفردية أو الذاتية من اللغة المشتركة. حين نتحدث جميعنا نحن نستعمل اللغة، وهي الملكة العامة والمشتركة بين البشر، يرثونها فطريا مثلما يرثون قدرات أخرى، كقابلية المشي والأكل والضحك وغيرها. بيد أن هذه الملكة البشرية تتحقق بين مجموعة بشرية في شكل ألسن طبيعية كبرى، كالعربية أو الإنكليزية أو الألمانية، أو تتحقق في مجموعات أصغر في شكل لهجات مثل، اللهجة التونسية واللبنانية والسورية، وغيرها من اللهجات العربية الأخرى، التي ربما تفرعت بدورها إلى لهجات صغرى أو لُغيات. وحين ينجز المتكلم الفرد لهجته المحلية أو لسان جماعته اللغوية، فإنه ينجزهما بأداء خاص: بصوته الأجش مثلا أو الرخيم، وبلكنته المميزة وبنبرته الخاصة، وقد يفخم أو يرقق أو يهمس أو يميل بطريقة أكثر أو أقل من الطريقة العادية، أو الطرازية، هذا يشبه في الأداء اللغوي بصمات الإنسان.
إلا أن الأداء المختلف للكلام من شخص إلى آخر لا يُعتد به في مضامين الأقوال وفي تأويلها، إلا إذا كانت النبرة التي أريد أن يجعلها المتكلم مرافقة للكلام دالة على انفعال من الانفعالات التي تدعم مضمون الرسالة. فحين أقول صارخا (اُغرب عن وجهي)، فإن الصراخ يدعم القوة الإنشائية في الملفوظ الذي أصدره وهنا يكون الانفعال والطريقة التي أقول بها القول مفيدة في توجيه الرسالة الوجهة التي أريد، وربطها بالعمل اللغوي المقصود. في هذا السياق اعتبر اللساني الفرنسي إيميل بانفينست، أن التلفظ Enonciation هو «أن تشتغل اللغة بواسطة حدث استعمال فردي». ويضيف أن «المتكلم هو ركيزة من ركائز الحدث الاستعمال الفردي٫ فمن دونه لا ينتج التلفظ في اللغة فهو عامل مهم وشرط ضروري لا بد منه في عملية التلفظ. ويضيف بانفينست أن اللسان قبل التلفظ أي قبل أن يتدخل المتكلم في الحدث الاستعمال الفردي، لم يكن إلا إمكانا من إمكانات متعددة؛ غير أنه وبعد أن يتدخل المتكلم في الكلام، وينتج هذا الحدث القولي الذي يسميه تلفظا، يصبح اللسان منجزا يتألف من عينات من الخطاب صادرة عن متحدث. اعتمادا على هذا الكلام فإنه لا يمكن أن تتحقق اللغة دون تدخل الأفراد، لإخراج الألسن من طور القُدرات الكامنة إلى الإمكانات الإنجازية المتحققة.
وما يضفي بعدا ذاتيا على الأقوال، أو الملفوظات بما هي قطع حية من خطابات، أن تلكم الأقوال لا ينجزها المرء إلا في سياق مخصوص يكاد يكون فريدا. فحين أكون خبازا ويقبل عليّ كل يوم العشرات ممن يبتاعون الخبز، ويخاطبونني بجمل متشابهة من نوع «أريد خبزتين إيطاليتين» أو «خبزتين فرنسييتين٫ فإنه رغم كون المطالب واحدة، يوجد تعامل خاص، وربما حميمي مع أنواع من الجمل، إن قالها أفراد يلعبون على تنويع متاح في اللهجة، أو في اللطف، أو حتى الشدة والمزح، وغيرها من الأشكال التي تصاحب هذا القول النمطي. إن عملية التلفظ تلعب على التنويع المتاح تركيبيا ومعجميا، وأيضا تتيح العلاقات الاجتماعية والثقافية المتنوعة أن تجعل العملية التلفظية متجددة فيها من الذاتي أو الفردي الشيء الكثير، الذي لا يجعلني آلة تستجيب لآلة، بل بشرا يتفاعل مع بشر، رغم تشابه الجمل المستعملة في الطلب. ولو أن نادلا في مقهى يقضي يومه في الاستجابة لرجال آليين، أو لنساء آليات يقلن القول نفسه بالتقطيع الرتيب نفسه، وبحس معدوم، لمَا استطاع أن يصبر الساعات الطوال التي يصبرها وهو يشتغل في المقاهي التي يرتادها البشر.
الحميمية تطلق عادة على علاقة نفسية عميقة بين شخصين أو أكثر، وعادة ما تنبت بين الأصدقاء أو الأحبة. غير أن ما ينسى بين الناس الذين يصلون إلى هذه الدرجة من الحميمية، أن اللغة هي من أكثر العوامل بناء لهذا الشعور. وتكون اللغة في أكثر أحوالها الحميمية حين تكون في مخاطبات المكاشفة والبوح، أو ما نسميه بعبارة شعبية «فَضْفَضَة». ولا يمكن أن تكون اللغة حميمية «مُفَضِفِضة٫ وبواحة إلا لمن انشرحت له نفسك، وتواصلت معه روحك بلا وسائط. هذا صحيح، لكنْ ما رأيك لو قلت لك إن في اللغة درجات من الحميمية، وإن هذا البوح شكل من أشكالها.

الحميمية تطلق عادة على علاقة نفسية عميقة بين شخصين أو أكثر، وعادة ما تنبت بين الأصدقاء أو الأحبة. غير أن ما ينسى بين الناس الذين يصلون إلى هذه الدرجة من الحميمية، أن اللغة هي من أكثر العوامل بناء لهذا الشعور.

لسنا نريد أن نفاجئ القارئ حين نقول، إن في أول أحوال المعاملات اليومية العادية شيئا قليلا أو كثيرا من الحميمية اللغوية، إذ تتأسس كل أنواع الحميمية بفعلين، فعل الانفصال عن المشترك أو الموسع، وفعل الاتصال بالمقرب أو الخاص أو المعزول. في اللغة كثير من العناصر التي تجعلك وأنت في علاقة باللغة حميميا؛ يكفي أن تستعمل ضمير المتكلم أو فعل الاعتقاد (أظن)، حتى تبدأ رحلتك مع اللغة الحميمية. في لعبة الضمائر مثلا كثير من قرار التقريب والتبعيد، فأكثر الضمائر حميمية هي ضمائر الخطاب، التي تصنع بمؤامرة إقصاء مدبرة تقريبا للنفس المتكلمة (أنا) وللمخاطب (أنت) وتبعيدا للغائب (هو).
لا يطلق ضمير الغيبة دائما على من هو غائب مقاما بالضرورة، بل يطلق على من غيّب قسرا أو كرها أو حتى حُبا. ساد في أحوال التخاطب القديمة أن يخاطب عظيم الشأن باعتماد ضمير الغيبة كأن يقال: (الأمير، جعلني الله فداه، خبير بالأمور بصير) في هذا القول أقصت حميمية اللغة وهي تتحدث عن النفس، سلطة لا تأمن شرها، وإن كانت ترتجي خيرها. الانتقال من استعمال ضمير الغيبة في خطابات السلطة القديمة إلى استعمال ضمير حضور الجمعي (جئناكم يا سيادة الرئيس لأن السبل أغلقت) هو نقلة في الوعي بالسلطة، تريد أن تجعلها حاضرة لتحاورها، حتى لو أدى الحوار إلى كسر الرقاب. الحميمية التي قربت الغائب دهرا في الخطاب هي حميمية لغوية، جربت قديما أن تغيب من يخيفها فما زادها إلا خوفا، لذلك استحضرته كضرب من ضروب كسر الهوة وتأسيس نوع من الحميمية الثأرية في الخطاب.
لم يعد العشاق في لغتنا اليوم يغيبون نساءهم في الخطاب، لقد كان الغائب في خطاب الأمس (الشعري أساسا) عنوانا من عناوين التظاهر في الخطاب، بإبعاد القريب خوفا عليه. يمكن أن نبعد بالضمير الغائب من نحب، لأننا نخشى عليه من شيء أو لأننا نراه سلطة لا نقدر عليها. استمعوا إلى قول جميل يتحدث عن غربته باستعمال ضمير الغيبة فيقول: (وأمشي وتمشي في البلاد كأننا * أسيران للأعداء مرتهنان) فتصنع الضمائر الحميمية في البيت ثم تكسرها: الحميمية في (أمشي) نابعة من استعمال ضمير المتكلم الذي هو ضمير النفس، في مقابل ضمير الغيبة (تمشي) البعيد. لو لم يكن في الأمر اغتراب في الوصف على صعيد التمييز بين (نفسي) و(غيري)، لكان ضمير الجمع (نمشي) موحدا وصانعا للحميمية. حركة المشي هي حركة مزدوجة لا تصنع حميمية العشاق، فلكل مشيه في البلاد يتفق الفعل والقلب مختلف. إلا أن الحميمية يصنعها جمع الضمير (كأننا) لكنه جمع افتراضي، فالتشبيه افتراض لحالة جامعة.
نرجع إلى مقهانا الذي يرتاده بشر ولا يرتاده آليون، حميمية اللغة فيه تبدأ من قول النادل لك: قهوة العادة؟ فتقول أنت: نعم من فضلك. وتجلس في ركنك المألوف وأنت تشعر بأنك وأنت حديث عهد بالزيارة لهذا المقهى الجديد، قد بدوت مألوفا وبدت العلاقات حميمية، وإن كان الكلام كله عاديا. قبل أن تكون الحميمية قربا وعادة في الترحاب، فإنها قول يبدو لك معادا، لكنه يبدو أيضا أنه يقال لك وحدك. (قهوة العادة) ستفهمها على أنها قهوتك، التي أنت اخترتها والعادة ستفهم على أنها ترحاب بمن إذا زار كل يوم زادت محبته.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية