في الذكرى العاشرة للثورة السورية: احتجاجات مرتقبة وانهيارات اقتصادية بمناطق سيطرة الأسد ومعادلة لا غالب ولا مغلوب هي المرجحة

حسام محمد
حجم الخط
0

مدة الثورة تعادل الحربين العالميتين الأولى والثانية مجتمعتين

مفارقات عظيمة شهدتها سوريا في الذكرى العاشرة لثورتها، فالمعادلات انعكست، إذ أظهرت المقاطع المصورة والحياة اليومية انهزام النظام السوري الذي أعلن الانتصار مرارا وتكرارا، فيما بدا شعب الثورة متماسكا ومنتصرا رغم النكبات التي حلت به طيلة العقد الماضي، ليحمل شهر آذار/مارس الحالي وهو تاريخ مولد الثورة في البلاد تطورات ملفتة، من عودة محافظة درعا جنوب سوريا، التي تحمل لقب «مهد الثورة» إلى الواجهة بمظاهرات سلمية ضخمة لتأكيد مواقفها الثابتة من رفض مصالحة الأسد إلى المطالبة بالتغيير وإسقاط النظام الحالي.
علاوة عن ذلك، شهدت مناطق سيطرة النظام في الأسابيع الأخيرة، حالة من الاحتقان الشعبي المستمر لدى الشرائح التي دعمت الأسد منذ عام 2011 جراء انهيار الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، ووصولها إلى 4500 ليرة مقابل الدولار الأمريكي الواحد، فيما يواصل الأسد وزوجته الغياب عن المشهد العام جراء إصابتهما بفيروس كورونا وفق ما منصة «رئاسة الجمهورية» على معرفاتها.
أما دوليا، وبمناسبة الذكرى العاشرة للثورة السورية، تعهّد وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، في بيان مشترك بعدم التخلي عن الشعب السوري، وأن دولهم ملتزمة بتنشيط السعي إلى حلّ سلمي يحمي حقوق جميع السوريين وازدهارهم في المستقبل، استنادا إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.
ولكن، رغم التطورات المتسارعة في المشهد السوري سواء المحلي أو الدولي، إلا أن آفاق الحل تراوح مكانها رغم الحراك الدبلوماسي الدولي، ليحمل الدكتور رضوان زيادة وهو باحث في المركز «العربي» في واشنطن النظام السوري المسؤولية الأولى والأخيرة عما آلت إليه سوريا اليوم، جراء تعنت الأسد ورفضه لأي شكل من أشكال الانتقال السياسي في سوريا، أسوة بما شهدته دول الربيع العربي كالسودان، وتونس أو الجزائر وغيرها.
زيادة، رأى من الصعب الحديث عن إنجازات الثورة في ظل أوضاع متردية للسوريين سواء داخل مناطق سيطرة النظام أو خارجها، وقال لـ «القدس العربي»: «سوريا دفعت ثمنا لا يمكن وصفه، ولم يكن لأحد تخيله قبل عشر سنوات، لكن من الواضح أن بشار الأسد لا يلقي بالاً أو اهتمامًا لمن مات أو عاش من السوريين، وأن الأسد يهتم فقط ببقائه في السلطة مهما كانت التكلفة» معتبرا، أن آفاق الحل في سوريا صعبة للغاية فيما لو استمر الأسد في إصراره على رفض الانتقال السياسي.
وفي قراءة الباحث في المركز بواشنطن للمشهد السوري، فيرى أن انهيار الاقتصاد سيستمر نحو قاع جديد وغير مسبوق، وهذا سيدخل السوريون في مجاعة حقيقية.
أما على صعيد الحل، فقال المتحدث لـ «القدس العربي»: مصير سوريا اليوم بيد غير السوريين على ثلاثى مستويات، محلي، إقليمي ودولي، مشيرًا أن أي حل في القريب العاجل من المستحيل تخيله، وذلك بسبب الفجوة الواسعة بين كافة الأطراف، كما أنه يتعلق بدور اللاعبين والمجتمع الدولي.
وطالما أن الفجوة كبيرة جدا، علينا عدم توقع أي حل قريب، فيما يتعلق بالانتقال السياسي وستبقى سوريا مقسمة إلى ثلاث سوريات، مع فقدان السيطرة المركزية على شمال وشمال شرق سوريا.

العالم خذل السوريين

قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي عبر بيان رسمي في ذكرى الثورة السورية: «تسببت عشر سنوات من الأزمة السورية في حدوث معاناة إنسانية وألم لا يمكن تصورهما. لقد خذل العالم السوريين».
بعد عشر سنوات، اضطر نصف عدد سكان سوريا للفرار من ديارهم، هناك أكثر من 5.5 مليون لاجئ في المنطقة.
فيما مئات الآلاف من الأشخاص الآخرين يتوزعون على 130 بلداً، إضافة إلى ذلك، فقد نزح 6.7 مليون سوري داخل البلاد. خلال عشر سنوات، تكاد أن تكون لا بلدة أو قرية في سوريا قد نجت من العنف، فيما المعاناة الإنسانية والحرمان لمن هم داخل سوريا باتت لا تطاق.

سيناريوهات مفتوحة

الجغرافية السورية مفتوحة على عدة سيناريوهات مستقبلية بدرجات متفاوتة، إذ يرى محمد سالم الباحث في مركز الحوار السوري، أن انتصار الثورة الساحق على النظام، أو انتصار بشار الأسد التام، كما حدث أيام الثمانينيات، هي احتمالات تبقى موجودة وغير مستبعدة، لكن فرصتها ضئيلة جداً.
لكن الخيارات اليوم بحسب ما قاله المصدر لـ «القدس العربي» هو بقاء خريطة السيطرة العسكرية ومناطق النفوذ على حالها، مما يعني بقاء مأوى لقوى الثورة والمعارضة في الشمال السوري، واستمرار المعارضة بأنشطتها السلمية كالمظاهرات التي تقض مضجع النظام.
هذه التطورات ستؤدي بدورها إلى تحريض المناطق التي يسيطر النظام السوري إلى الخروج باحتجاجات، خاصة في الأماكن التي يسيطر عليها بشكل هش كدرعا والسويداء، ويساعد في ذلك الوضع الاقتصادي المنهار في مناطقه. فيما بدأت روسيا على الرغم من التشدد الأمريكي الذي ظهر مؤخراً معها تبدي مرونة بموضوع الحل السياسي، فهي ستسعى لانقاذ النظام، لكن الأخير سوف يتعنت ولن يستجيب غالباً.
وحتى ذلك الوقت، سوف يستمر الوضع الحالي بذات الديناميكات حتى السنة المقبلة أو ما بعدها، عندها قد تنتج الإدارة الأمريكية الجديدة مع روسيا مقاربة حقيقية للحل، إذ قد يسعى بايدن لتحقيق إنجاز شخصي يتميز به عن حقبة أوباما في القضية السورية.

المساعي الدولية للحل

الوضع السوري تحوّل إلى ساحة دولية للصراع بين الولايات المتحدة وروسيا، والإقليمي بين إيران من جهة وتركيا وعدة دول عربية أخرى من جهة، وصراع محلي بين الشعب السوري والنظام، ومع تعدد المستويات واللاعبين تضاءلت فرصة الوصول للحل السياسي.
صدر في الذكرى العاشرة للثورة بيان مشترك عن الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وعدة دول أوروبية، يؤكد أن هذه الدول لن تعترف بالانتخابات الرئاسية التي يعزم نظام بشار الأسد إجراءها خلال أشهر لأنها لن تكون حرة أو نزيهة.
ولا يبدو أن الولايات المتحدة وحلفاؤها في معرض التراجع عن سياستهم المتشددة مع النظام، وشروطهم لإجراء الحل السياسي وضرورة محاسبة النظام على الانتهاكات التي ارتكبها خلال الفترة الماضية، وفق قراءة للباحث السياسي عرابي عرابي.
بالمقابل فإن روسيا وإيران لا يبدوان أنهما في وارد التراجع عن دعم النظام علنًا على الأقل، رغم اختلاف أسباب كل منهما، فتعويم النظام السوري كانت حاضرة في جولة لافروف الأخيرة في الخليج في محاولة لتخفيف الضغط المفروض على النظام الذي يعاني من العقوبات الدولية، وتداعيات قانون قيصر، إلى جانب العقوبات الأمريكية على إيران.
هذا التباين يؤكد، بحسب تصريحات عرابي لـ «القدس العربي»، أن الحل السياسي التوافقي ما زال بعيد المنال، وأن الدعم المتواصل من قبل موسكو وطهران للنظام لن يفرض أي شرعية له عالميًّا، وهذا سيطيل معاناة السوريين داخل البلاد وخارجها.

حضور المعارضة

يمكن اختصار حال المعارضة ومؤسساتها بأنها تفتقد الفاعلية التي تمكنها من الانخراط الفعلي والتأثير في مسار الأحداث، ويعود هذا لأمور عديدة مثل عدم وجود برامج وخطط استراتيجية، إضافة إلى غياب القيادة الموحدة.
وارتهان المعارضة السورية لعدة دول في المنطقة يؤكد استحالة استقلالها وتصرفها على نحو استراتيجي وفاعل، ويبدو أن هذا الأمر سيستمر كذلك حتى أمدٍ طويل مستقبلاً.

التنظيمات الجهادية

دخلت التنظيمات الجهادية مع الثورة السورية مرحلة جديدة من مراحلها الكلية، فبعد أن كانت السيطرة لتنظيم القاعدة، نشأ جيل جديد من الجهاديين ينتمون لتنظيم «الدولة» وهذا شكل انقساما في بنية الجهاد العالمي.
حتى إن القاعدة نفسها تشظت داخل سوريا إلى عدة تنظيمات آخرها «حراس الدين» وصل إلى التفكك شبه النهائي بينما تحولت «جبهة النصرة» في نسختها الأخيرة إلى سلطة أقرب للمدنية على يد «هيئة تحرير الشام».
يمكن التأكيد على أن نسخًا جديدة تنتسب لتنظيم «الدولة» ستظهر في سوريا، وأن المستقبل سيكون فيه حضور عبر الهجمات والتفجيرات الخاطفة ضد مختلف التنظيمات من قبل تنظيم «الدولة» مما سيجعل المواجهة مع هيئة تحرير الشام على رأس القائمة.

احتجاجات مرتقبة

سيكون من الصعب بعد عشر سنوات من التغلغل الديموغرافي إخراج إيران من سوريا كما أن الفقر تجاوز حدودًا خياليّة، وهذا قد يفجّر احتجاجات قريبة.
من ناحية أخرى فإن مواجهة الوجود الإيراني في حال التوصّل إلى تسوية سياسية سيكون أشبه بالمستحيل، إذ لن تتخلّى روسيا ولا إيران عن الامتيازات التي حصلت عليها سواء كانت اقتصادية أو دينية أو سياسية واستراتيجية.
بالتالي فإن ذلك سيستنزف موارد سوريا لعقود عديدة، وسيسبب في خلخلة النسيج الاجتماعي على الأغلب في محيط العاصمة ومحافظة دير الزور.

الأسد أصل الأزمة

قال رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى تركيا السفير نيكولاس ماير-لاندروت، إن نظام الأسد وحلفاءه الدوليين لا يبذلون جهدا من أجل التوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي للأزمة.
جاء ذلك في كلمة له خلال زيارته رئيس بلدية ولاية هطاي لطفي سافاش، الخميس، أشار فيها إلى أن الثورة السورية أكملت عامها العاشر.
ولفت، وفق وكالة «الأناضول» إلى أن أهم أسباب الأزمة في سوريا، هو الظلم والعنف الذي يمارسه نظام الأسد ضد أبناء شعبه.
وأوضح أن كلا من تركيا والاتحاد الأوروبي يبذلان جهودا كبيرة من أجل التوصل إلى تسوية سياسية في سوريا، حيث يهدفان لإيجاد حل لأصل المشكلة هناك.
وأضاف: «إذا نجحنا في إيجاد حل كهذا، حينها سيصبح من الممكن للسوريين الذي اضطروا لترك بلادهم، العودة بشكل طوعي وآمن وكريم».
وأردف: «لكن مع الأسف لا نظام الأسد ولا داعميه الدوليين يبذلان جهودا من أجل تسوية سياسية ودبلوماسية، ولذلك علينا التحرك بناء على الوضع القائم حاليا لفترة أخرى من الزمن».

الأمم المتحدة عاجزة

أكد مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا غير بيدرسون، منتصف شهر آذار/مارس الحالي، أن الصراع السوري «بات صراعا دوليا وأن معظم قضايا حله ليست بيد السوريين» وأن اللجنة الدستورية لا يمكنها بمفردها حل النزاع في سوريا ولابد من الإعداد المتأني لجولة سادسة من المفاوضات.
وتابع: «مر اليوم 10 سنوات على الصراع السوري.. 10 سنوات هي مدة الحربين العالميتين الأولى (1914-1918) والثانية (1939-1945) ويؤسفني أننا لم نتمكن من إيجاد نهاية لهذا الصراع حتى الآن».
بيدرسون قال كذلك: «شهد السوريون في سنوات الصراع العشر، 5 جيوش أجنبية وهي تتصارع على بلدهم ودخل مقاتلون من جميع أنحاء العالم تقريبا للمشاركة في القتال. تعرضت سوريا للدمار بسبب الغارات الجوية والبراميل المتفجرة والمتفجرات اليدوية وأهوال الأسلحة الكيميائية».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية