ذات يوم قام في دولة اليهود حزب رفض كل تعاون مع الأجانب. وهذه ليست قصة تاريخية، بل مدينة فاضلة، كتبها يعقوب (جاك) بخر، وأطلق الحزب على نفسه اسم “انتيغويوت”، كما أنه اسم المدينة الفاضلة. وفي تلك الدولة اليهودية – الفاضلة، أخذ قادة ذاك الحزب إلى المحاكمة أمام هيئة القضاة العليا (السنهدرين)، وبعد بحث جدي طُرد العنصريون من الحياة العامة. كان بخر مندوب يهود الجزائر في الكونغرس الصهيوني الأول، وكتبت المدينة الفاضلة في نهاية القرن التاسع عشر، على خلفية تعاظم اللاسامية. ما يفعلونه بنا، أوضح بخر، لن نفعله بالآخرين.
لم يكن بخر وحيداً. في المدينة الفاضلة “التنويلند” لبنيامين زئيف هرتسل، تظهر بالتزامن صورة د. غاير، الذي يقف على رأس حزب عنصري. وهناك ينتصر تسامح المجتمع الذي يقيمه اليهود، وتهزم العنصرية. ثمة ملازمة مشابهة هذه المرة ولكن ليست في المدينة الفاضلة، وتظهر لدى زئيف جابوتنسكي، الذي أصبح بيان الموقف اليهودي والصهيوني منذ مقاله “الحائط الحديدي”، يظهر فكرة المساواة لعرب الدولة، وإن كان ذلك بعد أن فقدوا الأمل في إحباط المشروع الصهيوني.
لا يوجد الكثير مما يقال في ثناء الانتخابات الأخيرة، ولكن شيئاً واحداً قد حصل: عرب إسرائيل نالوا الاعتراف.
وها هو الآن، يلوح من بين كل الأحزاب في أعقاب الانتخابات، حزب عربي، راعم، سيكون لسان الميزان. هو الذي بوسعه أن يتوج رئيس الوزراء التالي ويمنع جولة انتخابات أخرى أيضاً.
فهذه لم تعد مدينة فاضلة، بل هو الواقع. لا يوجد الكثير مما يقال في ثناء الانتخابات الأخيرة، ولكن شيئاً واحداً قد حصل: عرب إسرائيل نالوا الاعتراف. هم هنا، وبقوة سياسية، لا يمكن بدونهم. وأهم من ذلك، لا توجد بينهم وحدة في الآراء. ها هو نائل زعبي، مربٍ من قرية نين، ينضم إلى الليكود، ويروج منذ سنين للتسامح والشراكة، وينجح في تجنيد عدد محترم من المؤيدين لأفكاره. أما منصور عباس، الذي يقف على رأس “راعم” فيمثل الحركة الإسلامية الجنوبية التي اختارت طريقاً أكثر اعتدالاً بكثير بصرف النظر عن الانتخابات وحتى قبل الاتصالات مع نتنياهو. وهناك معارضون لطريق الزعبي وعباس. لا حاجة للفزع من الخلاف، فمجرد أن أعلن “راعم” مسبقاً عن الشراكة والتسامح فهي علامة طريق مهمة. شيء ما قد يحصل.
مدينتا بخر وهرتسل الفاضلتان لم تتحققا بعد، المشاكل هنا، ولكن التغيير ممكن. القائمة المشتركة، مع محافل مثل عوفر كسيف وأعضاء التجمع الديمقراطي “بلد”، لا يزالون يمثلون الاستفزاز، الذي لا يؤدي إلا إلى الاغتراب ويبعد الشراكة. ولكن مقابلهم تظهر قوى جديدة. هم ليسوا ضد، بل مع. هم ليسوا صهاينة، ولكنهم يعترفون بوجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. هذه ليست بعد قصة حب، ولكنها بداية. ومن غير العمد لا بد سنصل إلى العمد. إن شاء الله.
بقلم: بن – درور يميني
يديعوت 25/3/2021