250 قطعة تحكي التاريخ ووثائق قيّمة ومعها شارع المتنبي وصخب الحياة
بيروت-»القدس العربي»: يفتح «صندوق الفرجة» بابه على مصراعيه أمام المتفرجين واضعاً بمتناولهم حقبة ممتدة من القرن الثامن عشر وإلى أواخر القرن العشرين. صندوق ينفرج بابه على التاريخ، والسياسة، والصناعة، والفن وبالطبع الاجتماع. وإن كان المعرض يركز على مقتنيات من فلسطين ولبنان وتركيا، لكنه لم يغب عن سوريا ومصر، وعن أوروبا وحتى آسيا. العام 1991 ارتبط بمنشور نثره الطيران العسكري اللبناني فوق مناطق الشمال مبشراً الأهالي بعودة بث تلفزيون لبنان إليهم عبر القناة 8 بعد انقطاع تسبب به أرباب الحرب الأهلية. بالمقابل وفي سياق مغرق في الزمن ويصبّ في لبّ العلوم أتى الإسطرلاب الذي يعود لسنة 1831 في تركيا العثمانية. وهو أداة فلكية محمولة.
بين متفرج يعيش نوستالجيا مع ما يشاهده وآخر تقوده حشريته «صندوق الفرجة: لزوم ما لا يلزم» في دار النمر فتح أبوابه للمتعطشين للخروج من الحجر. معرض كان مقرراً وضعه في متناول الجمهور بدءاً من الرابع من كانون الثاني/يناير الماضي، لكن الإقفال العام بسبب وباء كورونا أرجأه إلى 22 من شهر آذار/مارس الجاري ويستمر حتى 12 حزيران/يونيو المقبل.
معرض يجمع 250 قطعة من مقتنيات دار النمر، بإستثاء 15 منها. معروضات من كل ما يخطر على بال، بدءاً من اللوحة الفنية القيمة، أو المنحوتة ذات الدلالات. إلى ذلك ثمة من سيسأل عن مقتنيات مثل علب الزيت والسمنة الصدأة، وزجاجات المشروبات الغازية وغيرها، لماذا وجودها؟ ومن أين هذه الكراكيب؟ لكنها عملياً جزء من تاريخ صناعي وتجاري أيضاً، وممارسة حياة ماضية.
نبش المقتنيات الشخصية المحفوظة ومحاكاتها بمنظور اللحظة الراهنة ليس للقول بأنها منتهية الصلاحية. بل لكونها تشكل قراءة في سلوك أفراد استهواهم هذا الجمع والتجميع والاحتفاظ بأشياء تتراوح بين حصان قافز منحوت في الصين في أواخر القرن التاسع عشر ومن سلالة تانغ، وبطاقة لحضور حفل لماجدة الرومي سنة 1985. ومن ثم ترك تلك المقتنيات في متناول العامة لتتفاعل معها بترتيب وتنسيق فني مدروس.
إلى جانب حشرية الفرجة التي يحرّض عليها صندوق الفرجة، فهو يساهم في جعلنا على تماس مع الماضي القريب والبعيد. ويشكل في جانب منه شهادة على نوعية الحياة ببعديها الاجتماعي والثقافي.
صندوق الفرجة معرض مثير للدهشة في أكثر من زاوية ومن أكثر من منظور. فهو يجمع الفن التشكيلي والنحت إلى جانب المقتنيات الشخصية كما ليفة الإستحام. وكذلك الوثائق النادرة من مصر وفرنسا وبلدان أخرى، وبالمقابل ألعاب للأطفال من سيارات صغيرة وقطار نحاسي يعمل على البخار، وغيرها.
إلى جانب المعروضات المتنوعة حاول المعرض التعريف بمحطات منسية من تاريخنا. وعرّفنا إلى شخصيات تركت أثراً ما في حياتنا العامة. كما دلنا إلى سياسات اقتصادية واجتماعية بخاصة في الحقبة العثمانية التي أرخت بأثرها على الأماكن والبلدان التي طالها حكم السلطنة لقرون. من تلك السياسات زراعة وتعاطي التبغ. ففي المعرض لوحة فنية تحمل اسم «بسم الله الرحمن الرحيم» صُنعت من أوراق التبغ الصغيرة الحجم. وعليها رمز الهلال والنجمة وهما رمزان عثمانيان. وفيما كان التبغ من رموز ازدهار السلطنة ويُهدى للدبلوماسيين في بداية إنتاجه في القرن السادس عشر، تمّ حظره مرات عدة لأسباب دينية واجتماعية. وعندما وضعت تجارة التبغ تحت امرة الباب العالي صارت مقبولة شرعاً.
الرحلة عبر التاريخ كانت لها محطة خاصة في فلسطين قبل النكبة. منها سكة الحديد، وحمضيات يافا الشهيرة، إلى وثائق عديدة وأصفاد وغيرها مما كان يشكل عتاد الشرطة التي أنشأها الاستعمار البريطاني لخدمة أهدافه. وفي مكان آخر برزت علبة صابون بلدي من حيفا بأحجام صغيرة وموضبة في علبة مكشوفة معدة للهدايا يشتريها زوّار فلسطين.
وبرز لبنان في معرض صندوق الفرجة في سياق اتقانه المعروف تاريخياً للطباعة. المحطة المهمة تمثلت بتطور أفيشات الأفلام السينمائية والمصرية، ومطبوعات الحفلات. وفي جانب من المعرض تداخلت الحركة الفنية النشيطة من سينما وحفلات في لبنان، وكانت محطة على ترابط مع سوريا ومصر وكذلك فلسطين قبل نكبتها. وظهرت حياة اللهو القديمة العهد في بيروت في أكثر من شكل ومكان حمل أسماء سيدات كنّ منظورات ولهنّ بيوت وعمارات بأسمائهن كما ماريكا وكلارا وسامية وأم وليد. وخُص شارع المتنبي بلوحة تشكيلية أكريليك على قماش ليس لها تاريخ ولا توقيع.
لـ»صندوق الفرجة: لزوم ما لا يلزم» متعة فرجة واستطلاع ومعرفة ممتدة على مدار ثلاثة قرون، فهل يصح كذلك تسميته درساً في التاريخ الاجتماعي؟ قيمة المعرض لما قبرصلي ترى أنه: صندوق فرجة، نظراً لمحتوياته التي تعود لقرون ثلاثة ماضية، بعضها كان ذات وظيفة والآخر بدونها. المعرض أقسام، منها الألعاب، إلى جانب الأواني كالصحون وغيرها من الأدوات المنزلية، والليفة الشخصية. وإلى الوثائق التي يتضمنها فهو معرض يضم مقتنيات من خاصة وعامة، من كبيرة في حجمها إلى صغيرة كما بطاقات الحفلات، وبعض الماركات التجارية. باستثناء اللوحات والمنحوتات كافة محتويات المعرض كانت ذات وظيفة، لكنها تحولت لاحقاً إلى عامة بعد أن هجرها أصحابها. ثمة أغراض ليست مألوفة في عصرنا هذا ونحن نسأل عن فائدتها. وربما شاهدنا بعضاً منها في منازل كبارنا.
*ما الذي يجمع مقتنيات شخصية ذات وظيفة مع لوحة فنية للفنان الفرنسي أنطوان رمبو تؤرخ لإنشطار باخرة لو شامبليون على بعد 400 متر من شاطئ الأوزاعي؟
**قد يكون الحنين لزمن مختلف، لو شامبليون انشطرت سنة 1952 وكان على متنها حجاج من أوروبا في طريقهم إلى بيت لحم. هو حدث مأساوي على شواطئنا وكثر لا يعرفون عنه أي معلومة. اللوحة والمعلومات الواردة حولها شكلت مفاجأة لأكثر المتفرجين.
*ما هو المعيار في تقسيم المقتنيات الكثيرة التي تضمنها صندوق الفرجة؟ وكم هو أصعب من تنظيم معرض لوحات فنية؟
**ثمة مقتنيات فرضت نفسها ووجدناها تحمل عوامل جذب وحشرية للمتفرج، فقررنا طرحها للجمهور في سياق متناسق من حيث وظيفة كل منها. بالتأكيد صندوق الفرجة معرض صعب. يضم 250 قطعة مختلفة، وتقسيمها ضمن مجموعات أمر دقيق، فمن الضروري أن نقدم للجمهور معرضاً مفهوماً ومنطقياً. وفي الواقع صرفنا النظر عن عرض أكثر من 80 غرضاً. لدى تقسيم المجموعات نظرنا بعين الزائر، ووجدنا ضرورة لتسهيل المعرض بحيث يكون خفيفاً على المتلقي قدر المستطاع.
*في عصر الاستهلاك الذي نعيشه في رأيك من يمكنه أن يحتفظ بدفتر ورق لف التبغ ولا يضعه في خانة مقتنيات منتهية الصلاحية؟
**ربما هو شخص يحب الـ»كراكيب». تضحك وتقول: من يحتفظ ببطاقات الحفلات أو المسرحيات، أو السفر أو دفتر السجائر إنسان يهتم بالتأريخ للمراحل. أو هو تأثر بما شاهد وترك البطاقة كذكرى. دفاتر السجائر التي احتلت ركناً خاصاً أخذت شكلاً جمالياً من خلال تصاميمها، وأسمائها وألوانها. نحتفظ بالأشياء إما للقيمة الجمالية، أو لأثرها على الشعور في مرحلة سابقة. وهي في جانب معين مقتنيات تعبّر عن هوية مكان وبلد وعن أسلوب حياة. هل من السهل على سبيل المثال العثور على خريطة مقاعد التياترو الكبير في أي مكان؟ فهذه الخريطة دلّت على أهمية التياترو الكبير والذي كان الأكبر في المنطقة. فهكذا بقيت الرواية الشفهية والجسدية والمشهدية عن تاريخ المنطقة على قيد الحياة.
*من أية مجموعة «كراكيب» استخرجت علب السمنة والزيت وزجاجات نجم وجلول من المشروبات الغازية؟
**المعرض بكاملة من مقتنيات رامي النمر ودار النمر، فقط 15 قطعة تمت استعارتها من مالكين إثنين.
*لماذا عنوان «صندوق الفرجة: لزوم ما لا يلزم»؟
**لكوننا حيال مقتنيات تثير الحشرية كان عنوان «صندوق الفرجة» الذي يثير الحشرية من قديم الزمان. و»لزوم ما لا يلزم» لأننا حيال أغراض كانت ذات فائدة كبيرة فيما مضى، ولم تعد لها وظيفة حالياً.
في جانب منه يشكل المعرض الكثير من الفائدة ويغذّي حشرية الأجيال الجديدة في سؤالهم عن ماضي أجدادهم تقول مهى قبيسي من دار النمر عن هذا التواصل مع التلامذة: قسم الألعاب بشكل خاص يثير اهتمام صغار التلامذة. وقد نظمنا عبر زووم مع مؤسسة «كودرال» التي تقدم برامج خاصة بالأطفال فرجة لقسم الألعاب، وكان التفاعل لافتاً. وقد استقبلنا كذلك مجموعة من أطفال مؤسسة غسان كنفاني من مخيم البداوي في جولة على المعرض. وكان العدد محدوداً ومتفقا عليه مسبقاً. فمع جائحة كورونا ليس لنا استقبال مجموعات كبيرة في الوقت عينه. قنواتنا مفتوحة مع مدارس المخيمات لهذا يسهل تنظيم جولات لهم شخصية أو عبر تطبيق زوم.