إسرائيل الأكثر انتهاكا للقانون الدولي في تاريخ البشرية جمعاء
نيويورك-»القدس العربي»: في الأسبوع الأخير من كل شهر يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة مطولة تستغرق الفترة الصباحية كلها لمراجعة بند ثابت على جدول أعمال المجلس منذ عام 1974 تحت عنوان «قضية الشرق بما فيها القضية الفلسطينية». وقد جرت العادة أن يقدم المبعوث الخاص للأمين العام للأراضي الفلسطينية ومنسق عملية السلام في الشرق الأوسط إحاطة شاملة حول آخر تطورات الأوضاع على الأرض والتي تشمل الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة وما يسمونه «العنف والإرهاب» والتحريض من الجانب الفلسطيني. ومرة كل ثلاثة شهور يخصص المبعوث الخاص تقريره لمدى التزام إسرائيل بتنفيذ القرار 2334 الذي اعتمد في كانون الأول/ديسمبر 2016 بغالبية 14 صوتا وتصويت مندوبة الولايات المتحدة، سامنثا باور، بـ»امتناع» بتعليمات من الرئيس باراك أوباما مباشرة للسماح للقرار المهم أن يعتمد. المشكلة ليست في القرارات، فهناك عشرات القرارات تتعلق بانتهاكات إسرائيل المتواصلة للقانون الدولي وهناك العديد من التقارير التي توثق جرائم إسرائيل التي ترقى لمستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لكن المهم في الموضوع هو ازدراء إسرائيل لهذه القرارات وللقانون الدولي وللتقارير المتعاقبة حول المجازر التي ترتكبها منذ النكبة وحتى اليوم. لا شيء يردع إسرائيل فقد كانت تحت الحماية البريطانية الفرنسية لغاية عام 1967 وبعدها تولت الولايات المتحدة مهمة الحماية من المساءلة. لقد اتبعت كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة واحدة لا يشذ عنها أحد «قل ما تشاء وأنا أفعل ما أشاء».
المراجعة الأخيرة في مجلس الأمن
تكرر الكلام يوم الخميس وعدد المبعوث الخاص الجديد، النرويجي، تور وينسلاند، الانتهاكات العديدة ثم تبعه أعضاء مجلس الأمن الأربعة عشر فأعربوا أيضا عن قلقهم بسبب الأنشطة الاستيطانية التي تقوض فرص حل الدوليتن. وطالبوا إسرائيل بوقف تلك الأنشطة، وزادوها من الشعر بيتا فطالبونها بوقف هدم البيوت وعدم استخدام القوة المفرطة. حتى السفيرة الأمريكية الجديدة، ليندا توماس غرينفيلد، التي باشرت عملها مع بداية هذا الشهر، تمنت على الأطراف المعنية عدم اتخاذ قرارات أحادية من شأنها تقويض حل الدولتين، وقالت: «إن بلادها ملتزمة أيضا بإيجاد حل للصراع متفق عليه على أساس وجود دولتين، يعيش فيهما الإسرائيليون في أمن وأمان ويقيم الفلسطينيون دولة مستقلة قادرة على البقاء. يجب على كلا الجانبين اتخاذ خطوات ملموسة نحو حل الدولتين وتجنب الإجراءات الأحادية بما في ذلك الاستيطان والهدم والعنف والتحريض».
تنفض الجلسة ولا يصدر عنها لا بيان صحافي، ولا بيان رئاسي ولا قرار. كلام في كلام في كلام. وتعود إسرائيل لتقرر بناء المزيد من المستوطنات وتهدم مزيدا من البيوت وتطلق النار على المزيد من الأبرياء.
ولنقرأ شيئا من تقرير وينسلاند، والذي تفاءلنا به خيرا بعد سنوات نيكولاي ملادينوف، الذي كان يتجنى على الفلسطينيين كأنهم هم من يحتل إسرائيل ويقتل أطفالها، لكن تفاؤلنا لم يكن في محله. فبين الجمل الطويلة التي يطلقها حول انتهاكات إسرائيل يدس شيئا من السمّ في ثنايا الحديث حتى لا يكاد يشعر به أحد. وسأعود إلى الموضوع في حينه.
في إحاطته لمجلس الأمن الدولي التي تحمل رقم التقرير السابع عشر حول تطبيق 2334 (2016) الذي يدعو إسرائيل إلى الوقف الفوري والكامل لجميع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، والاحترام الكامل لالتزاماتها القانونية بهذا الشأن، قال وينسلاند إن هذه الأنشطة الاستيطانية تهدد آفاق تحقيق حل الدولتين، مؤكدا أن المستوطنات غير قانونية وتمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي. وحث المسؤول الأممي إسرائيل على وقف جميع الأنشطة الاستيطانية على الفور. وقال إن النشاط الاستيطاني قد استمر خلال الفترة التي يغطيها التقرير بين 11 كانون الأول/ديسمبر 2020 و 23 اذار/مارس 2021. وأشار إلى مخططات إسرائيل لإنشاء نحو 800 وحدة سكنية وطرح مناقصات لبناء 1900 وحدة في المستوطنات الموجودة في المنطقة جيم بالضفة الغربية بالإضافة إلى 210 وحدات في القدس الشرقية. وقال إن نحو 40 في المئة من هذه الوحدات توجد في مستوطنات في عمق الضفة الغربية.
ثم تحدث المنسق بإسهاب عن ارتفاع وتيرة عمليات هدم ومصادرة البيوت والمنشآت المملوكة للفلسطينيين، بما في ذلك مشاريع ممولة دوليا. وحث إسرائيل على وقف عمليات هدم المباني وإجلاء السكان الفلسطينيين، بما يتوافق مع التزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي، والموافقة على خطط تسمح للمجتمعات الفلسطينية بالبناء بشكل قانوني ومعالجة احتياجاتها التنموية.
وقال وينسلاند إن عمليات الهدم والمصادرة تستند إلى عدم وجود تصاريح بناء صادرة من إسرائيل علما أن حصول الفلسطينيين على مثل هذه التصاريح شبه مستحيل. وخلال الفترة التي يغطيها التقرير هُدمت أو صودرت 325 منشأة من قبل السلطات الإسرائيلية أو اضطر ملاك هذه المنشآت إلى هدمها لتجنب غرامات الهدم الإسرائيلية الباهظة. وقد أدى ذلك إلى تشريد 465 شخصا منهم 235 طفلا و105 امرأة. والتقرير فيه تفاصيل كثيرة عن العنف والتحريض والأوضاع الإنسانية وخاصة في غزة ومعاناة الفلسطينيين من وباء كوفيد -19 وهناك قسم خاص باعتداءات المستوطنين.
تاريخ من الانتهاكات للقانون الدولي
لا شك أن إسرائيل هي الدولة الأكثر انتهاكا للقانون الدولي في تاريخ البشرية جمعاء. فقد صدرت بحقها قرارات لها أول وليس لها آخر، حتى أن قبول عضويتها في المنظمة الدولية بتاريخ 4 اذار/مارس 1949 في مجلس الأمن و11 ايار/مايو عام 1949 في الجمعية العامة اشترط انصياع إسرائيل للقرارين المهمين، قرار التقسيم (181) وقرار حق العودة (194) ووقع المندوب الإسرائيلي آنذاك أبا إيبان على الشرطين خطيا.
لقد اعتمدت الأمم المتحدة قرارات عديدة تحدد الموقف الدولي من كافة جوانب النزاع. فقد أكدت الأمم المتحدة على حق العودة أكثر من 45 مرة واتخذت سبعة قرارات تتعلق بالقدس الشرقية وصيانة معالمها وعدم المساس بتركيبتها الديموغرافية. كما صدرت قرارات تؤكد عدم شرعية الاستيطان واعتبار أي نشاط استيطاني في أي مكان في الأرض التي احتلت عام 1967 مخالفا لاتفاقية جنيف الرابعة، وبالتالي مخالف للقانون الدولي، ثم جاء رأي محكمة العدل الدولية في 9 تموز/يوليو 2004 في مسألة بناء جدار الفصل العنصري ليؤكد أن الأرض الفلسطينية التي تقع ضمن خطوط 4 حزيران/يونيو 1967 هي أرض محتلة، وهذا الاحتلال غير شرعي وبناء عليه فبناء الجدار غير شرعي ويجب أن يفكك ويتم تعويض المتضررين من أصحاب الأراضي التي ابتلعها الجدار.
كما أن إسرائيل هي الدولة الأكثر تعرضا للإدانة من قبل لجنة حقوق الإنسان أولا ووريثها مجلس حقوق الإنسان ثانيا بسبب انتهاكاتها المتكررة لحقوق الإنسان في الأراضي العربية المحتلة. وهي الدولة التي صدرت بحقها تقارير لجان التحقيق حول المذابح والاستخدام المفرط للقوة مثل، مخيم جنين عام 2002 وبيت حانون 2007 وتقرير غولدستون لما جرى في غزة في عملية الرصاص المصبوب 2008/2009 وتقرير شباس حول حرب صيف 2014. إسرائيل قد تكون الدولة الوحيدة التي ترفض السماح للجان التحقيق الدخول إليها، ناهيك عن التعاون معها، بل وتدير ظهرها للعالم ولا تأبه به وتحتقر القانون الدولي وتشتمه علنا وتهزئ الأمم المتحدة وأجهزتها جميعا- فماذا يكون الرد: المزيد من الدلال وغض البصر والتنقيب عن أخطاء الضحية والتعامي عن خطايا المجرم.
إن هناك أنواعا من الانتهاكات للقانون الدولي خاصة بإسرائيل «علامة مسجلة». ودعني أذكر ثلاثة فقط كأمثلة:
– إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لديها محاكم عسكرية لمحاكمة الأطفال. وقد أصدرت الأمر العسكري «132» الذي يعتبر طفلا من هو دون سن 16 سنة (للفلسطينيين فقط) وهو مخالف صراحة للقانون الدولي. يصل الأطفال المحكمة مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين ويعطون أحكاما طويلة وجائرة، فهناك طفل حكم بالسجن المؤبد وهناك 3 أطفال حكموا بالسجن 15 عاما. كما يفرضون على الأطفال غرامات باهظة قد تصل إلى 60.000 شيقل.
– إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تحتفظ بجثامين الشهداء لفترات طويلة قد تزيد عن السنة بدون أي تبرير قانوني إلا المزيد من التعذيب لأهالي الشهداء. ويصل الآن عدد الجثامين إلى 52 جثمانا بمن فيهم أحمد عريقات الذي ثبت رسميا بأنه أعدم على حاجز بيت لحم دون أي مبرر.
– إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تطلب من صاحب البيت هدم بيته وإلا ستطالبه بدفع غرامة قد تصل إلى 70 ألف شيقل إذا قامت جرافاتها بهدم البيت.
مع كل هذه الانتهاكات، فبدل أن يتم فرض عقوبات عليها قام المجتمع الدولي بمكافأة إسرائيل في العديد من المرات مثل انتخابها نائبا لرئيس لجنة تصفية الاستعمار في 19 حزيران/يونيو 2014 وانتخبت عضوا دائما في لجنة الفضاء الخارجي ورئيسا للجنة القانونية (السادسة التابعة للجمعية العامة) ونائبا لرئيس الجمعية العامة عدة مرات. كما سمح لها أن تقيم المعارض والأنشطة في مقر المنظمة الدولية والمبنية على الكذب والتزوير مثل «معرض القدس 3000 سنة من التاريخ اليهودي» تتصدره صورة ضخمة للصخرة المشرفة والذي افتتحه نتياهو نفسه في اذار/مارس 2018 كما سمح لإسرائيل أن تستخدم الجمعية العامة لتدريب أنصار إسرائيل على محاربة حملة «المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات»BDS .
تتغير الحكومات في إسرائيل بسرعة غير مسبوقة لكن القاسم المشترك لكل الحكومات المتعاقبة هو انتهاك القانون الدولي وازدراء المجتمع الدولي. إسرائيل ستبقى تنتهك القانون الدولي ما دامت مظلة الحماية متوفرة. وكما قال ديفيد لنك، المقرر الخاص لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، «إذا لم تكن هناك مساءلة لن يكون هناك تراجع عن هذه الممارسات».