على عكس الأعوام الماضية التي شهدت عرضاً لمسلسلات طويلة التيلة من فئة الثلاثين حلقة فصاعداً، تتراجع الدراما الرمضانية المصرية بشكل ملحوظ خلال الموسم المُرتقب، لتضع حدوداً للزيادة العشوائية في حلقات المط والتطويل، والفبركة الدرامية المُتسببة عادة في إفساد الموضوع والحبكة الفنية، جاء هذا الإجراء ليحكم عملية الإنفاق والسفه الإنتاجي المُعتاد، الذي بدأ قبل سنوات، وأدى إلى تنميط المُصنف الفني وربط المشاهد عنوة بأنواع ثابتة من الموضوعات، بلا أدنى محاولة للتنوع.
هذا العام تبدو المؤشرات مختلفة إلى حد كبير، فهناك تحجيم صريح لسياسة الاستثمار والتكرار، والاعتماد على أفكار مُستهلكة وصور تقليدية سبق تقديمها مئات المرات، غير أن النجوم الكبار الذين اعتادوا أن يطلّوا على الجمهور من الشاشة الصغيرة، خلال شهر رمضان، تقلصت فرصهم فباتوا غير متحمسين لدخول السباق السنوي لعدم ضمان النتائج، حيث امتلأت الساحة بالعديد والعديد من الأبطال البدلاء والوجوه الجديدة، كما أن المساحات المحجوزة لهم حسب الترتيب المعهود في كل عام، استولى عليها النجوم الشباب، الذين أصبحوا يمثلون أوراقاً رابحة في سوق الإنتاج والتوزيع، بدواعي التأثير الإيجابي لأدوارهم في المواسم الفائتة.
على سبيل المثال يعاود أحمد السقا تصدر البطولة مع أمير كرارة في مسلسل «نسل أغراب» للمؤلف والمخرج محمد سامي الذي كتب وأخرج له العام الماضي مسلسل «ولد الغلابة» فرغم الانتقادات الحادة التي وجهت للسيناريو والإخراج والأداء التمثيلي، إلا أن ذلك لم يمنع تعاونهما كأن هناك إصرارا على تحسين الصورة المهزوزة لتجربتهما الأولى، وتدارك الأخطاء السابقة، وهي فضيلة المراجعة والتدقيق في الحسابات، طالما أن الظرف يسمح بالتدارك والتصحيح. ومن دواعي الاهتمام بهذا المسلسل وانتظار ما ستسفر عنه التجربة الجديدة للنجمين كرارة والسقا، أن مسلسل «نسل الأغراب» تدور أحداثه حول القضايا الجنوبية في صراعات متشابهة مع حلقات «ولد الغلابة» وبالأبطال أنفسهم تقريباً، مي عمر وسلوى عثمان وإدوارد، مع إضافة وجوه أخرى كأحمد داش وأحمد مالك.
أما مسلسل «الاختيار» الذي كان سبباً في رفع أسهم أمير كرارة العام الماضي، فالبطولة المطلقة فيه ستكون لكريم عبد العزيز مع الممثل الكوميدي أحمد مكي وإياد نصار وأسماء أبو زيد، وسوف تمتد الأحداث لما بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني، وما تمثله من تحول كبير على مستويات كثيرة، ومن المتوقع أن يستغل المخرج بيتر ميمي التفاصيل الجديدة التي كتبها السيناريست هاني سرحان في خلق أجواء من الإثارة والتصعيد الدرامي لزوم المنافسة.
ويأتي مسلسل «موسى» لمحمد رمضان كوجع في رأس من كانوا يتوقعون له الفشل بعد حملات الهجوم الشرس على مدار الشهور الماضية، لكن يبدو أن الهجوم أحدث نتائج عكسية لدى النجم الشاب فبات أكثر قوة وتحدياً، وهي الدلالات التي ظهرت في مسلسل «البرنس» الذي عُرض في الموسم الرمضاني الماضي، وتفوق فيه رمضان على نفسه، فخلف ظنون المراقبين والمتابعين لمسيرته الفنية والدرامية، مسلسل «موسى» يخرجه محمد سلامة ويشارك فيه عدد كبير من نجوم الصف الأول والثاني، سمية الخشاب وعبير صبري ومُنذر ريحانة وسيد رجب وصبري فواز ورياض الخولي وضياء عبد الخالق وهبه مجدي، وربما يميزه قوة السيناريو الذي كتبه الكاتب ناصر عبد الرحمن صاحب التجارب الناجحة في السينما أيضاً.
هذا العام تبدو المؤشرات مختلفة إلى حد كبير، فهناك تحجيم صريح لسياسة الاستثمار والتكرار، والاعتماد على أفكار مُستهلكة وصور تقليدية سبق تقديمها مئات المرات.
وتعود دراما المخابرات مجدداً إلى الساحة بعد سنوات من الاختفاء مُتمثله في العمل النوعي المهم «هجمة مرتدة» المأخوذ من الملفات الرسمية للعمليات التخابرية المصرية، وتشمل الأحداث الكثير من التفاصيل المُثيرة للاهتمام، ويُنتظر أن يحقق المسلسل نسبة مشاهدة عالية قياساً على ما تحقق للنوعيات المشابهة من الأعمال كـ«دموع في عيون وقحة» و«رأفت الهجان» و»السقوط في بئر سبع» و«التعلب والحفار» وغيرها، لاسيما أن عدداً كبيراً من النجوم يشارك في البطولة كأحمد عز وهند صبري وماجدة زكي وهشام سليم وصلاح عبد الله وأحمد فؤاد سليم، فضلاً عن أن التأليف لباهر دويدار، والإخراج لأحمد علاء الديب وهما طاقتان متجددتان من الحماس والجدية. أما يوسف الشريف فقد استعد لدخول الماراثون السنوي بعمل مختلف كعادته بعنوان «كوفيد 25» من تأليف إنجي علاء وإخراج أحمد نادر جلال، ويُعتقد أن يكون المسلسل من النوعية الدرامية التي قدمها الشريف العام الماضي في مسلسل «النهاية» وأثارت حفيظة جهات كثيرة وتركت أثراً بالغ الأهمية لاختلافها الكلي والجزئي عن بقية الأعمال المصرية التي عُرضت خلال العشرين سنة الماضية.
وتتوإلى العناوين بتنويعاتها ومستوياتها فهناك الكثير من العينات لمسلسلات لا يزيد عدد حلقاتها عن 15 حلقة، وهو متغير جديد وإيجابي من شأنه أن يؤدي إلى ثراء التجارب وتحقيق مبدأ التنوع، ومن بين الأعمال المُنتظرة مسلسل «إللي مالوش كبير» بطولة ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي و«الأب المثالي» و«المدينة» «وضل راجل» لياسر جلال و«الملك» لعمرو يوسف، والأخير مأخوذ عن الرواية التاريخية الشهيرة «كفاح طيبة» لنجيب محفوظ، وتمثل تلك الخطوة إشارة جديدة لفكرة امتزاج الأدب بالدراما وهو اتجاه استمر لفترة، وتوقف لأسباب غير معلومة بدقة، رغم أن آخر الأعمال الأدبية الدرامية و»احة الغروب» للأديب بهاء طاهر حقق معدلات مُشجعة للغاية من حيث نسبة المشاهدة والإعجاب الجماهيري، وهذا يؤكد أن الرهان على الأدب في التوظيف الفني والدرامي مضمون النتائج إلى حد بعيد واحتمالات الخسارة فيه ليست واردة إلا في حالات نادرة وأسبابها خارجه عن مسؤولية الأدب والأدباء.
كاتب مصري