فيضان المُسلسلات المصرية يُغرق الساحة الفنية بأعمال البلطجة

في ظل التدفق الهائل لكمية المُسلسلات الآتية للشاشات الفضائية من كل حدب وصوب، يصعب أو يستحيل مُتابعة كل ما يُعرض، حيث تضارب المواعيد والكثافة الزائدة عن الحد وتعدد العناوين والنجوم والموضوعات، ناهيك عن تواتر الفواصل الإعلانية التي تقطع التواصل وتُبدد الوقت في انتظار ما سوف تُسفر عنه الأحداث في الحكايات والحواديت المُتكررة، التي تتمحور كلها حول صراعات البلطجية في المناطق العشوائية المُسماة قسراً بالشعبية كأن الكُتّاب قد استنفدوا كل الأفكار ولم يعد لديهم غير الأنماط التقليدية للصراعات الدموية والخيانات الزوجية والشخصيات المريضة!

«العتاولة 2»

في محاولة لاستثمار مُعدلات المُشاهدة العشوائية المُرتفعة التي تحققت خلال الموسم الماضي، عادت فرقة مُسلسل «العتاولة» بالجزء الثاني لتُطل من جديد بسماتها وأفكارها والمُشكلات المحلية ذاتها، والممارسات العنيفة لبلطجية الحارة وشبابها الضالعين في الإجرام والعائشين بقانون البقاء للأقوى، في تكريس سافر للعُنف، فلا تزال المعارك الطاحنة دائرة بين باسم سمرة «عيسى الوزان»، ربيب السجون، والصديقين أحمد السقا «نصار» وطارق لطفي «خضر»، اللذين يعيشان على حافة الخطر ويتأهبان باستمرار للقتال، مُتمسكين بعقيدة «من تتورع عن قتله اليوم سيقتلك هو غداً»، في اتفاق تام مع قانون الغابة، وهو ما يُمثل غياباً فاضحاً للقانون والقوة التنفيذية الرادعة، وربما الدولة بكيانها كله لو صح هذا الادعاء.
ما يُثير الاستفزاز أيضاً في حوار الأبطال والشخصيات بالمسلسل المذكور وغالبية المُسلسلات الأخرى هي، تلك اللهجة الغريبة المُتعالية من الأشقياء والمُسجلين خطر، المليئة بنبرة الثقة غير المُبررة في قدراتهم الخارقة على ارتكاب أي فعل إجرامي في أي وقت، كأن هذه هي علامات الرجولة والفتونة وهو المُنحدر الأخطر في الخطاب الدرامي، الذي يجعل من العدوانية وأعمال الشغب منطقاً للحياة في البيئة الشعبية، بخلاف الانحرافات الأخرى السلوكية والأخلاقية وتدني لغة الحوار إلى درجة التقزز.

80 باكو

لا يختلف مسلسل «80 باكو» كثيراً عن سابقة فالأجواء هي ذاتها، والبيئة الحاضنة للأحداث هي البيئة الشعبية نفسها، التي تُلصق بها كل الموبقات، بدعوى التعبير عنها والنفاذ إلى أعماقها وهي حُجة باطلة بُطلاناً مُبيناً، لأن التعبير والدفاع عن البيئات الشعبية يكون بالانتماء أولاً والمحافظة على الأسس والتقاليد وليس بالتعرية الفجة التي تخدش حياء المجتمع وتجرد كل العناصر من الفضيلة. يدور المسلسل كله في فلك الاحتياج المالي، وحالات الفقر والعوز، فبوسي العاملة في أحد صالونات الكوافير وتصفيف الشعر «هدى المُفتي» تحتاج إلى 80 ألف جنية لإتمام زواجها وشراء لوازمها من الجهاز وخلافه، فتقترح عليها صاحبة الصالون «انتصار» فكرة تطور بها نشاطها وتُزيد من دخلها، حيث الذهاب إلى زبائن الصالون من النساء في بيوتهن، وهنا يبدأ الإفصاح الدرامي المُلغز عن ما يدور خلف الجُدران المُغلقة من أفعال وأسرار، هي بالقطع ليست في صالح مُصففة الشعر الشابة، التي تسعى للحصول على مبلغ 80 ألف جنية، وفي سبيلها تخوض المُغامرة غير المحسوبة.
تمر الكاتبة غادة عبد العال عبر رحلتها الإبداعية بمُنعطفات ومسالك وتمضي في سراديب مجهولة للإيعاز بخطورة مسار البطلة وقسوة الفقر التي تدفعها إلى خوض التجربة الحرجة.
إنه الإطار فقط بعيداً عما يتضمنه المحتوى، فما كتبته المؤلفة، وتبنته المخرجة كوثر يونس، ورحبت به جهة الإنتاج بدعوى تبنى قضايا الفقراء من المُهمشين في الأحياء الشعبية، أو العشوائية، لم يزد عن كونه مجرد حيلة لنزع القشرة الخارجية عن النواة الصلبة للمجتمع، تحت زعم الوصول إلى الأغوار وإخراج ما في الباطن الدفين من خفايا، في حين أن ما تم التركيز عليه فعلياً في المسلسل الذي يتضمن عشر حلقات لا غير، كان أكثر قتامة وسوداوية.
المُسلسل شارك في بطولته سماح أنور، وألفت إمام، ومحمد لطفي، والممثلة الكبيرة إنعام سالوسة.

«إش إش»

وبامتداد الخط الدرامي على استقامته بلا انحراف عن قصد التركيز المُتعمد على الحالة الاجتماعية الشعبية المُذرية، حسبما هو معروض ومُتضمن في الحلقات يأتي مسلسل «إش إش» متناغماً مع العزف الأوركسترالي النشاز، على حاجات المصريين واحتياجاتهم بمستويات مُختلفة لم تخرج قيد أنملة عن مبادئ الخوف والقلق وما يترتب عليها من تجاوزات أخلاقية وخرق لنسق القيم والتقاليد، حيث الزواج العُرفي بغير علم الأسرة للبطلة والعلاقات المشبوهة بين بقية الأطراف. كلها دلالات لتغير مفاهيم الحارة الشعبية وتخليها عما يميزها، في الإشارة إلى تفكك واضح تُعاني منه مُعظم الأسر وتعجز عن مواجهته الأمهات ويدلس عليه الآباء بافتراض غياب المنظومة القيمية بكامل ثوابتها وركائزها الإنسانية. ومن باب التوثيق والتأكيد وزيادة جُرعات الإحباط، تتخلى بعض الشخصيات في خطابها العام عن الحذر الفطري في ما يخص العفة والشرف كأهم دعائم الأسرة والمجتمع.
ويأتي التبرير المُعتاد من جانب الكُتاب المُتخصصين في هذا اللون الدرامي وحده، بأن الأحداث تدور في وسط العوالم والراقصات، الذي يموج بالتقلبات ويُحاط بالخارجين على القانون من الجنسين، سواء الرجال أو النساء ولا غرابة في ذلك ولا غضاضة في رصد واقع هو بالأساس مُقترن بسمات وخصائص مُتعارضة مع الثوابت الاجتماعية.
المسلسل بطولة مي عمر «إش إش» وماجد المصري وهالة صدقي وإدوارد وتأليف وإخراج محمد سامي، وهو يُمثل متلازمة التعاون الفني بين المخرج وزوجته منذ فترة طويلة تعددت خلالها الصور الدرامية المُختلفة، ونجحت في فرض مي كبطلة رئيسية ونجمة صف أول.

 كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية