الوصف غير الدبلوماسي من الرئيس بايدن للرئيس الروسي بوتين “بالقاتل” إما أن يكون دليلاً على أن دواليب السياسة الخارجية لإدارته لا تزال تحتك أو العكس، على قراره بأن سبيل ترميم مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى سائدة هو في اتخاذ مواقف متصلبة ظاهراً، وفي رفع مستوى حدة التصريحات العلنية. هكذا أيضاً تصرف وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك ساليبان مؤخراً في لقاء ألاسكا مع نظيريهما الصينيين. ليس واضحاً بعد كيف ستتعاطى بكين وموسكو، اللتان أعلنتا مؤخراً عن تنسيق المواقف في الشؤون الخارجية مع الموقف الأمريكي الجديد، ولكن توماس فريدمان، المحلل الكبير في “نيويورك تايمز” كتب مؤخراً بأن هاتين الدولتين فقدتا الخوف من أمريكا، وفي هذه الأثناء، أعلنت الصين عن اتفاق استراتيجي لـ 25 سنة مع إيران. وللتذكير: في موضوع كوريا الشمالية أيضاً هناك فشل متواصل في السياسة الأمريكية.
ومع ذلك، واصلت إدارة بايدن بل شددت العقوبات تجاه الصين وروسيا، بحجة خرق حقوق الإنسان. ولكن يبدو أن هذه الحجة لا تنطبق على إيران، إذ إن “موظفاً” في الإدارة أعلن بأن أمريكا لن تصر بعد الآن على مطلب أن تتخذ طهران الخطوة الأولى في المفاوضات قبيل استئناف الاتفاق النووي، وأن توافق هذه مسبقاً على ضمان مواضيع أخرى. وهكذا في واقع الأمر، تكون واشنطن قبلت موقف الزعيم الأعلى خامينئي، وواضح أن حماسة إدارة بايدن لاستئناف الاتفاق النووي قد تبقي علائمها أيضاً على علاقاتها مع إسرائيل والشرق الأوسط بعامة.
إلى جانب الشخصيات المركزية في الإدارة المعروفين بعطفهم لإسرائيل وبتفهمهم لاحتياجاتها الأمنية، بما في ذلك الجانب الديمقراطي في الكونغرس، هناك محافل، وبخاصة في وزارة الخارجية، تنظر بعين شوهاء إلى العلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتتخذ مواقف غير مريحة من ناحيتها في الموضوع الفلسطيني أيضاً. الميول المناهضة لإسرائيل، سواء في الموضوع الفلسطيني أم في السياق الإيراني، وجدت مؤخراً تعبيراً في مقال في “نيويورك تايمز” عكس النقد السلبي للجناح اليساري في الحزب الديمقراطي على السياسة الخارجية للرئيس بايدن حتى الآن، وتضمن المطالبة بالاستئناف دون تحفظ للاتفاق النووي مع إيران وممارسة الضغوط على السعودية وإسرائيل.
كما يوجد آخرون يشاركون المواقف آنفة الذكر ولكنهم يعبرون بشكل مزدوج اللسان وبصيغة متعالية في أن “إسرائيل هي الدولة الأكثر تسلحاً في الشرق الأوسط، ولها علاقات طيبة مع الكثير من جيرانها العرب، بحيث لم تعد حاجة إلى الدعم الأمريكي المكثف”.
في هذه المرحلة، تفضل الإدارة التنازل لليسار في مواضيع داخلية مختلفة دون المواضيع الخارجية، ولكن ينبغي الافتراض بأن الضغوط ستستمر بل وستتعاظم في علاقة مباشرة مع نجاحات أو إخفاقات الإدارة في مواضيع الاقتصاد والمجتمع. وبالإجمال، لا تزال سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط تتشكل ولكنها تشهد استمرار ميل الإدارات السابقة لتقليص الوجود الأمريكي في المنطقة في صالح الشرق الأقصى. ولكن “ما يرى من هنا لا يرى من هناك”؛ هكذا بالنسبة لأفغانستان، وهكذا في موضوع العراق واستمرار الدور الأمريكي في الحرب ضد الإرهاب الإسلامي – كل هذا من شأنه أن يعرقل الميل آنف الذكر.
ويبرز هذا التميز أيضاً بالنسبة للعلاقات مع السعودية في أعقاب نشر التقرير الاستخباري الذي ألقى على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المسؤولية المباشرة عن مقتل رجل المعارضة جمال خاشقجي. “جنة عدن السعودية – الأمريكية انتهت”، أعلن مراسل الشؤون العربية في “كان 11” ولكنه نسي أن الحياة مستمرة حتى بعد الطرد من جنة عدن إياها، وهو الحكم بالنسبة لعلاقات الولايات المتحدة مع السعودية. أو كما قال الناطق بلسان وزارة الخارجية الأمريكية: “نريد تحقيق الكثير من الأهداف مع السعوديين، مثل وقف الحرب في اليمن، وخلق علاقات لتثبيت السلام في الشرق الأوسط، ومنع إمكانية الحرب مع إيران”. وكذا أيضاً فإن “تقدم السلام بين السعودية وإسرائيل هدف مشترك”.
وختاماً: في سياسة بايدن الخارجية أضواء وظلال على حد سواء. من ناحية إسرائيل، هذا يستوجب تواصل النهج الحكيم والمتوازن الحالي في العلاقات مع واشنطن.
بقلم: زلمان شوفال
معاريف 30/3/2021