مع أن معدلات تصويت العرب كانت متدنية، وحملة الانتخابات كانت غافية نسبياً، إلا أنه لا شك بأن نتائج انتخابات الكنيست الـ 24 ألقت الأضواء على الوسط العربي وجعلت ممثليهم في الكنيست لاعبين أساسيين في السياسة الإسرائيلية – ومنهم كفيلون أيضاً بأن يحسموا فيما إذا كانت ستقوم حكومة وبرئاسة أي زعيم.
وقبل أن ينجح رئيس “راعم”/الموحدة، منصور عباس، في اللحظة الأخيرة بعبور نسبة الحسم، أصبح الشخصية الأكثر عرضة للغزل في الساحة السياسية ولأول مرة هناك إمكانية حقيقية في جلوس حزب عربي داخل الائتلاف أو على الأقل أن يؤيده من الخارج، بهذا الشكل أو ذاك. بالمقابل، فإن القائمة المشتركة، التي تعرضت لضربة قاسية في صندوق الاقتراع بعد الانقسام مع “الموحدة”، ما زالت تدرس خطأها وتوضح بأنها ليست في جيب يئير لبيد أو جيب أي شخص آخر.
في الوقت الذي لا يزال فيه مصير الحزبين العربيين الناجحين غامضاً في مسائل عديدة، وبعد أن شاهدا كيف تدفق عشرات الآلاف من ناخبيهم إلى أحزاب أخرى أو ظلوا في البيت، يمكن أن نستخلص عدة استنتاجات جوهرية عن التغييرات السياسية الجارية في الوسط العربي، ونقول: هذه الانتخابات وضعت مواطني إسرائيل العرب في مفترق طرق. اختيارهم إلى أين يتقدمون كفيل بأن يحسم شخصية رئيس الوزراء التالي بل والمصير السياسي للدولة.
1* التحول في أوساط ناخبي “راعم”:
نزعة المحافظة وخيبة الأمل من القائمة المشتركة
“عرب إسرائيل اليوم يريدون أن يكونوا أكثر انتماء من أي وقت مضى، هويتهم الفلسطينية مهمة ولكن يوجد فارق بين الفلسطينيين الذين هنا في داخل الخط الأخضر وأولئك الذين خلفه، حول كيف يمكن الحصول على الحقوق كمواطني دولة”، شرح د. اريك رودنتسكي، باحث في برنامج المجتمع العربي في إسرائيل في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية. “لقد أصبح الخطاب مدنياً أكثر. شخصت “راعم” هذه الإمكانية الكامنة، وتأتي كحزب أصيل، كالتيار المركزي العربي الإسلامي المحافظ، وتقول إنه لن يستطيع أحد أن يسلبنا هويتنا، ولكنهم قد يحرموننا الحقوق إذا لم نحرص نحن على أنفسنا”.
في داخل الوسط العربي من يشير إلى التحولية المحافظة للناخبين. يدعي د. ميخائيل ميلنشتاين، وهو باحث كبير في معهد السياسة والاستراتيجية في المركز متعدد المجالات في هرتسيليا ورئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان، بأن نجاح “راعم” في الانتخابات ينطوي على ميل محافظ: “من صوت له يريد أن يندمج ويؤثر في المبادئ المهمة وألا يكون مقيداً بالمعارضة، ومن جهة أخرى، هذا الجمهور ذو التفكير المحافظ على نحو خاص، وكل الوسط البدوي سار معهم، يأتي مع هوية جد مختلفة عن المصوتين للأحزاب في اليسار، فهم ليسوا علمانيين حديثين أو ميالين للغرب.
وتشير الصحافية ناهد درباس، إلى عاملين آخرين لنجاح “راعم”: خيبة الأمل من القائمة المشتركة، وعمل ميداني مكثف نجح في أن يحمل بعضاً من المصوتين السابقة للمشتركة للتصويت لـ”راعم” هذه المرة.
إن مراكز التأييد لـ”راعم” غير محدودة، وتضم مناطق وسكاناً متنوعين في الوسط: في الأسبوع القادم سينشر بحث يحلل نتائج الانتخابات في المجتمع العربي، ووجد أن معاقل قوة “راعم” كانت في بلدات المجتمع البدوي في الجنوب، وفي الشمال، وفي الأحياء والمدن المختلطة التي يعيش فيها جمهور من أصل بدوي (مثل الجواريش في الرملة)، وكذا في جنوب المثلث ولا سيما – في كفر قاسم، عرش الحركة الإسلامية.
2* سقوط القائمة المشتركة:
زمن إعادة النظر في المسار
في الانتخابات السابقة نجحت القائمة المشتركة في اجتراف 15 مقعداً، ولكنها بدون “راعم” هبطت هذه المرة إلى 6 فقط. “انقسام “راعم” عن المشتركة مس بالمشتركة، فقد عاقب الجمهور العربي الأحزاب وامتنع عن التصويت لأنه غضب من هذا الانقسام – وأراد أن تتنافس كل الأحزاب معاً”، شرحت درباس. وعلى حد قولها، فإن انفصال الممثلين العرب قلص قوتهم في الكنيست ودفع الكثير من الناخبين إلى عدم الاقتناع بالتصويت. والنتيجة: نسبة التصويت من 45.6 في المئة في الوسط مقابل نسبة تصويت عامة فوق 67 في المئة بقليل.
يشير الخبراء إلى الضربة التي تعرضت لها أحزاب القائمة (الجبهة بقيت مع 3 مقاعد، وحركة التغيير مع 2، والتجمع مع 1) وهو تحطم سيجبر المشتركة على إعادة النظر في المسار. “هذا درك أسفل في كل الأزمنة، هناك عرب في “ميرتس” الآن أكثر مما في التجمع، مما يطرح السؤال إذا كانت ستقوم حكومة بتأييد “راعم” في المدى البعيد بينما تجلس المشتركة في الخارج”، قال رودنتسكي.
وثمة سبب آخر لسقوط المشتركة: لم تنجح في تحقيق ما يكفي من مصالح الوسط العربي. “لقد عملوا أساساً بكثير من الشعارات والأيديولوجيا والأفكار الوطنية قبل المشاكل المدنية”، شرح ميلنشتاين. “هذا انتهى، لا جدوى منه، هذا هو الجيل القديم. والآن بعد فشل المشتركة في جلب البضاعة، يريد الجمهور العربي تمثيلاً في الحكومة يحقق إنجازات ذات مغزى”. وعلى حد قوله، بقيت القائمة المشتركة سائدة في البلدات التي كان فيها معدل التصويت متدنياً مثل أم الفحم، بؤرة الاحتجاج ضد وباء الجريمة والعنف المتصاعد في المجتمع العربي.
3* يتدفقون لليكود؟
حملة “أبو يئير” ونصف مقعد لليكود
يقدر الخبراء على أساس معطيات لجنة الانتخابات الأولية بأن الليكود زاد قوته في المجتمع العربي، ولكن -بشكل متواضع- من نحو نصف مقعد. والمعنى: ظهور رئيس الوزراء في إطار حملة أبو يئير ونشاطه في أرجاء الوسط زاد معدل التأييد له ولا سيما في البلدات البدوية في الجنوب، ولكن ليس أكثر بكثير من ذلك. يقدر رودنتسكي بأن نتنياهو أوضح في الأسبوع الأخير من الانتخابات، بأنه لا يعتزم إقامة حكومة مع “راعم”، وهذه أخرجت الهواء من أشرعة المقترعين. والنتيجة: نسبة التصويت الأدنى في الوسط العربي منذ عشرين سنة.
يعتقد رودنتسكي بأنه غير قليل من الناخبين في الوسط ممن يعتقدون أن نتنياهو مناسب للمنصب، “ولكن توجد مشكلة من عدم الثقة بالحكومة، وبخطة القضاء على العنف في المجتمع العربي، التي وعد نتنياهو بالعمل عليها، ولكهم لا يؤمنون بأنه سينفذها”، قال. “في نهاية المطاف، لم يحصل الليكود إلا على نصف مقعد، ولكن هذا لا يزال أكثر بكثير مما حصل عليه الليكود في أي وقت. يعتقد غير قليل من الجمهور العربي بأن نتنياهو مناسب كرئيس للوزراء، ويعتبر مثل اريك شارون كمن يمكنه أن يأتي بخطة، ولكنه في نهاية الأمر حصل من الوسط على نحو 20 ألف صوت. وبالتالي لم تنجح خطته”.
تقدر درباس بأن من صوت لليكود من الوسط هم من المجتمع الدرزي، وقالت. “كل الأحزاب اليهودية معاً حصلت على نحو 70 ألف صوت من العرب، ولتفكيك القائمة المشتركة دور في هذا. إذا ما عادت المشتركة لتتحد فإني أؤمن بأن المقترعين سيعودون إلى هناك”.
4* ”راعم” في الائتلاف؟
استقبلوا “شاس المجتمع العربي”
في الوقت الذي يغازل الطرفان حزب “راعم” فإن احتمالات جلوسه في الائتلاف– مع نتنياهو أو مع لبيد – تبقى متدنية نسبياً. “فقد قال اليمين، على مدى طريقه، إنه لن يسير مع الأحزاب العربية، وسيقف نتنياهو قبل كل شيء على رأس حزب يميني، وسيتعين عليه العمل وفقاً لمصوتيه، فهو لا يريد أن يفقد المقاعد الكثيرة هذه التي يتلقاها من اليمين الصهيوني ليسير مع عباس”، قالت درباس.
وعلى حد قولها، مع أن حزب “راعم” يفحص الإمكانيات مع الكتلتين، إلا أنه سيسير مع من يعد بتحقيق الخطة للقضاء على العنف في الوسط، وإلغاء قانون القومية، وإعطاء حرية تصويت بالنسبة للقوانين في موضوع حقوق المثليين. بالنسبة للشرط الأخير، يقدر حزب “راعم” بأن عباس سيصطدم بمعارضة شديدة من كتلة التغيير. بالمقابل، حتى لو أوصى في النهاية بنتنياهو، فالتقدير هو أن الخلافات الداخلية في كتلة اليمين لن تسمح للحكومة بالبقاء على مدى الزمن، وعملياً تضمن انتخابات خامسة.
مقابل الاحتمالات الطفيفة لإقامة ائتلاف مع لبيد، يقدر رودنتسكي بأن هناك احتمالاً بأن يرتبط “راعم” بمعسكر اليمين: “المعسكر الثاني أكثر انسجاماً، فهناك نتنياهو والموالون له، باستثناء الصهيونية الدينية ويمينا المعارضين. وهؤلاء سيحصلون على منصب وزير، و”راعم” سيحصل على ما يريد – معالجة المشاكل الملحة. إذا ما صمد هذا سنتين على الأقل، فسيكون هنا تغيير، وإذا ما اعترفوا بقرى النقب، سيبدأون بضخ الأموال للخطط في المجتمع العربي. في نهاية المطاف، سنرى أن هذه سياسة في أفضل صورها. و“راعم” مستعد لأن يكون “شاس المجتمع العربي”.
5* سيناريو انتخابات خامسة:
فوضى وأزمة ثقة
إذا بقيت “راعم” خارج الائتلاف ولم تقبل أي من الكتلتين شروطها، يتعاظم احتمال انتخابات خامسة. في هذه الحالة، سيكون التأثير على الوسط هداماً وستحتدم التوترات بين الدولة والعرب.
“إذا رأينا هبوطاً في هذه الانتخابات في معدلات التصويت، فسيفهم الجمهور العربي بأن الحكومة لا تريدهم في الانتخابات القادمة، وستكون معدلات التصويت متدنية أكثر فأكثر، وسيبدأ إحباط كبير في المجتمع العربي الذي سيفهم أنه لن يحدث تغيير في الجريمة، وفي مساعدة الجيل الشاب والبنى التحتية”، قدر ميلنشتاين. “يمكن لهذا أن يلحق ضرراً كبيراً بثقة المجتمع العربي للحكومة”. معظم الخبراء يقدرون بأن ليس لـ”راعم” مصلحة في انتخابات خامسة.
بقلم: سيون حيلاي
يديعوت 31/3/2021