باريس-»القدس العربي»: بينما كان لبنان يعيش على وقع حراك شعبي غير مسبوق احتجاجاً على الأزمة الاقتصادية الخانقة والطبقة السياسية الحاكمة، أتت كارثة انفجار مرفأ بيروت يوم 4 آب/أغسطس عام 2020 لتزيد الطين بلة. الرئيس الفرنسي، كان أولَ الساعين إلى إنقاذ لبنان، لكن جهوده سرعان ما اصطدمت بالواقع السياسي لهذا البلد، ليجد نفسه غارقاً في المستنقع اللبناني.
ففي 6 آب/أغسطس أي بعد يومين من انفجار مرفأ بيروت الذي خلف أكثر من مئة قتيل وشرد الآلاف وأحداث دماراً مادياً كبيراً، وصل إيمانويل ماكرون إلى بيروت، ثم عاد إليها مرة ثانية في غضون أقل من شهر. وبين الزيارتين كثفت القوى السياسية اللبنانية الرئيسية من مباحثتها لتتوصل في اللحظات الأخيرة إلى اتفاق يقضي بتكليف الرئيس ميشال عون للدبلوماسي المقرب من الاتحاد الأوروبي مصطفى أديب تشكيل حكومة جديدة تخلف حكومة سلفه حسان دياب المستقيلة تحت وطأة الضغط الشعبي على خلفية انفجار المرفأ.
تقدم ماكرون بمبادرة فرنسية في طيها اشتراطات على الطبقة السياسية أنتجها اتفاق الطائف، وتدعو في مرحلتها الأولى إلى تشكيل حكومة طوارئ بـ»مهمة محددة» تتمثل في إنقاذ الاقتصاد المنهار بشكل يهدد باختفاء لبنان، كما حذر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان. على أن تشمل لاحقاً إصلاح القضاء النظام المصرفي والبنك المركزي اللبنانيين.
لكن مدة الأسبوعين التي حددها الرئيس الفرنسي لميلاد الحكومة الجديدة انقضت من دون أن ينجح رئيس الوزراء المكلف بتشكيلها بسبب الخلافات الداخلية المعهودة، ما دفعه إلى رفع الراية البيضاء ويعتذر عن مهتمه، في خطوة رأى محللون ومتابعون أنها تعد صفعة لإيمانويل ماكرون، وعودة إلى المربع الأول بالنسبة لمبادرته. و»هكذا فإن الطبقة السياسية اللبنانية، التي وعد قادتها باختلاف توجهاتهم الرئيس ماكرون خلال لقاءاته بهم في بيروت، لم تف بوعودها بالالتزام بفحوى المبادرة الفرنسية والعمل على تشكيل حكومة المهمة» كما يوضح لـ»القدس العربي» الكاتب السياسي محمد كلش.
مبادرة ماكرون في طريق مسدود
رد ماكرون لم يتأخر، حيث عقد الرئيس الفرنسي مؤتمرا صحافيا في الإليزيه يوم 27 أيلول/سبتمبر مخصصاً لـ»التطورات في لبنان» وجه فيه انتقادات لاذعة لقادة لبنان، قائلاً إنهم «يأخذون بلادهم رهينة» لحساباتهم الضيقة. كما اتهمهم بـ»الخيانة العظمى» وفق ما نقلت وسائل إعلام فرنسية وأجنبية عمن وصفتهم بالمقربين منه. وهي تصريحات رفضها الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله الذي رأى فيها نوعاً من الاستعلاء داعياً الرئيس الفرنسي إلى إعادة النظر في لغة التخاطب التي يستخدمها. وفي هذا الصدد رأى بعض المراقبين أن الفرنسيين تجاوزا بروتوكولات الخطاب الدبلوماسي، عبر بعض التصريحات، على غرار الجملة التي صدرت عن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان عندما قال مخاطباً القادة في لبنان: «تباً.. ساعدونا على أن نساعدكم».
ويبدو أن العديد من اللبنانيين باتوا يرون في عدم تسيمه فرنسا للجهات المعينة التي تتهما بعرقلة تشكيل الحكومة نوعاً من عدم جدية باريس، أو عدم قدرتها على حل المعضلة السياسية في لبنان، كما يقول الإعلامي محمد زين لـ»القدس العربي» معتبراً أنه من الصعب أن تتجسد مبادرة ماكرون على أرض الواقع، لأن «الواقع اللبناني معقد جداً» حيث إنه ليس من السهل إزاحة أو إزالة النظام الطائفي، في ظل تحكم المنطق الطائفي في كل شيء في هذا البلد.
ورغم انتقاداته الحادة للطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، إلا أن الرئيس الفرنسي منحها فرصة ثانية، مهملة من أربعة إلى ستة أسابيع لتشكيل الحكومة، واعداً بمواصلة الضغط لتحقيق هذا الهدف. ليتم في 22 تشرين الأول/اكتوبر، أي بعد نحو شهر من استقالة مصطفى أديب، الاتفاق على تكليف الرئيٍس ميشال عون، لزعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري بتشكيل الحكومة، في خطوة تشكل عودة إلى ما قبل المبادرة الفرنسية وانفجار بيروت. فالحريري، سبق له أن تولى رئاسة الوزراء ثلاث مرات منذ عام 2009 وهو من كان يتولى هذا المنصب خلال اندلاع الحراك في 17 من تشرين الأول/اكتوبر عام 2019 قبل أن تستقيل حكومته على وقع الاحتجاجات الشعبية غير المسبوقة ضد الأوضاع المعيشية المزرية والطبقة السياسة كافة.
بعد تكليفه، أكد الحريري أن حكومته ستكون من الاختصاصيين، وقائمة على أساس المبادرة الفرنسية، لكنه هو الآخر فشل في المهمة لنفس الأسباب التي دفعت الدبلوماسي مصطفى أديب إلى الانسحاب. بل زاد الطين بلة بدخوله في حرب كلامية علنية مع الرئيس ميشال عون، عبر الاتهامات المتبادلة فيما يتعلق بعرقلة تشكيل الحكومة، على الرغم من ضغوطات باريس التي لم تتوقف.
مقاربة جديدة؟
أمام حالة الجمود السياسي وحوار الطرشان المستمر في بيروت، وتصاعد الأزمة الاقتصادية في الأيام الأخيرة مع التراجع التاريخي في قيمة الليرة مقابل الدولار والإجراءات المفروضة بسبب جائحة كورونا، حمل وزير الخارجية الفرنسي القوى السياسية اللبنانية مجتمعة مسؤولية هذا التعطيل المتعمد لتشكيل الحكومة، وذلك في بيان، نشرته وزارة الخارجية الأسبوع الماضي، عقب اتصال أجراه جان ايف لودريان مع كبار مسؤولي الدولة اللبنانية، والذين أبلغهم أن الاتحاد الأوروبي يبحث سبل ممارسة ضغوط على من يقفون خلف التعطيل المستمر للحكومة منذ سبعة أشهر، قائلاً إن «حان الوقت لتشديد الضغط». في هذا السياق، كانت وكالة «فرانس برس» قد نقلت عن مصدر دبلوماسي فرنسي، قوله، في قت سابق، إن تصعيد الضغط الأوروبي المحتمل يمكن أن يأخذ شكل «فرض عقوبات على بعض الشخصيات اللبنانية».
وبالتالي، يمكن القول بأننا أمام ما يشبه مقاربة فرنسية جديدة تجاه لبنان. «ففرنسا بصدد تكثيف تحركاتها لتوسيع دائرة الضغوط على الطبقة السياسية اللبنانية لإنجاح مبادرة ماكرون، لتصبح هذه الضغوط على مستوى الاتحاد الأوروبي، بالتزامن مع تحرك باريس مع الولايات المتحدة الأمريكية وإيران السعودية بشكل خاص» كما يقول المحلل السياسي محمد كلش، مرجحاً أن تصل هذه الضغوط إلى مرحلة «اتخاذ عقوبات أمريكية إضافية وأخرى أوروبية ضد سياسيين في لبنان، في حال استمرت المواقف التعجيزية لتشكيل الحكومة، في ظل تسارع حالة الانهيار الذي يعشه اللبنانيون».
كما يرى بعض المحللين أن فرنسا قادرة باسم الشفافية أن تضغط على بعض المسؤولين، عبر حملة تحت عنوان «من أين لك هذا؟» فيما يتعلق بأولئك الذين يحملون جنسياتها، ولديهم أملاك على أراضيها، بما في ذلك في البنوك الفرنسية. وهذه النقطة كانت من بين شعارات اللبنانيين الذين كانوا يتظاهرون في ساحات باريس ضمن الحراك الشعبي ضد الطبقة السياسية والفساد الذي ينخرها والأوضاع الاقتصادية المزرية التي تسبب بها، بحسبهم.
وفي سياق هذه التحركات الفرنسية، يمكن الإشارة إلى الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الخميس الماضي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حيث أكدا على ضرورة تشكيل حكومة لبنانية ذات مصداقية، وقادرة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، مشددين على أن تشكيلها يعد «شرطا لحشد الدعم الاقتصادي الدولي طويل الأمد للبنان».
وفي نفس اليوم، نقلت وكالة «رويترز» للأنباء عن مصدريْن دبلوماسيَين تأكيدهما أن ألمانيا ستطرح يوم السابع من الشهر الجاري خطة بنحو (2 إلى 3 مليار دولار) وافق بنك الاستثمار الأوروبي على تمويلها، تقضي بمساعدة السلطات اللبنانية على إعادة إعمار مرفأ بيروت. وأكد مسؤول لبناني أن ألمانيا ستقدم فعلاً هذا المقترح.