الناصرة- “القدس العربي”: ينتهي الإثنين موعد تقديم الأحزاب في إسرائيل توصياتها أمام رئيسها رؤوفين ريفلين على مرشحين لتشكيل حكومة جديدة دون أن يلوح بالأفق مخرج من أزمتها المتكررة في معسكر نتنياهو وكذلك المعسكر المناهض له، العاجزين عن جمع أصوات كافية لصياغة ائتلاف حاكم في ظل استبعاد القائمتين العربيتين عن المشاركة به حتى من الخارج.
وتسارعت الاتصالات بين هذه الأحزاب وسط ترقب كيف سيتصرف حزب “يمينيا” برئاسة نفتالي بينيت وهو القادر على حسم الموقف وكسر حالة التعادل علما أنه أعلن منذ انطلاق الانتخابات أنه غير راغب بالكشف عن دعمه من عدمه لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
وكان بينيت ونتنياهو قد التقيا نهاية الأسبوع المنقضي من أجل بلورة تفاهم بين حزبيهما للمضي معا في ائتلاف حكومي وقد استغرق اللقاء نحو ثلاث ساعات دون أن يتمخض عن نتائج حول تحالف بينهما، غير أن كلاهما قال بعد اللقاء إنه كان لقاءً بناءً وإنهما اتفقا على مواصلة الاتصالات فيما بينهما. وعلق مكتب حزب يمينا على هذا اللقاء بالقول: “ناقش الرجلان ضرورة تشكيل حكومة مستقرة وعاملة بأسرع ما يمكن والخيارات المتاحة لهما في الوضع السياسي الحالي”.
وفي تغريدة له عبر “تويتر”، قال نتنياهو عقب اللقاء مع بينيت إن “النضال من أجل حقنا في الدفاع عن أنفسنا، والكفاح ضد إيران التي تريد العودة إلى الاتفاق النووي، في مواجهة هذه التحديات وفي مواجهة الفرص الهائلة التي نواجهها، نحتاج الآن إلى حكومة يمينية مستقرة من أجل سنوات لرعاية جميع مواطني إسرائيل. هذا ما نحتاجه الآن وبعون الله سنحقق ذلك”.
وبعد ذلك التقى بينيت مع يائير لابيد رئيس حزب المعارضة الأكبر (هناك مستقبل) وفي ختامه أيضا لم تنجل الصورة الضبابية وصدر بيان مقتضب مشترك للحزبين جاء فيه أن اللقاء الذي استغرق ساعتين ونصف بين الاثنين قد مر في أجواء طيبة وأن الاثنين اتفقا على مواصلة التواصل فيما بينهما لاحقا.
وذكرت مصادر عن حزب “يمينا” أن نفتالي بينيت كان يميل إلى دعم بنيامين نتنياهو، لكنه لن يوصي عليه عند ريفلين وأكدت بأنه سيفعل كل شيء لمنع إجراء انتخابات خامسة. ورجحت مصادر سياسية أن يائير لبيد طلب من نفتالي بينيت بأن يوصي عليه لدى رئيس إسرائيل والإعلان أنه لن ينضم إلى حكومة برئاسة بنيامين نتنياهو وفي المقابل سيمنحه فرصة إشغال رئاسة الوزراء في الفترة الأولى ضمن اتفاق تناوب.
ويخشى المعسكر المناهض لنتنياهو أن لابيد يتجه للتحالف مع الأخير لكنه يجري اتصالات مع خصومه من أجل تحسين مواقعه وزيادة مكاسبه في المفاوضات مع “الليكود” ولذا يطالبه لابيد بالإعلان أنه لن يتحالف مع نتنياهو فورا.
ويتوافق عدد من المراقبين على أن بينيت لن يتعاون مع معسكر “لا لنتنياهو” لأن حزبه (يمينا) صغير مع سبعة مقاعد فقط ولن يقوى أخلاقيا وسياسيا على ممارسة صلاحياته كرئيس وزراء بحال تحالف مع أحزاب أكبر منه في المركز- يسار.
من ناحيته، يبدأ الرئيس الإسرائيلي ريفلين الإثنين باستقبال وفود الأحزاب من أجل التشاور مع قادتها وسماع آرائهم بشأن المتنافسين على مهمة تشكيل الحكومة الجديدة. وخلافا لما هو معتاد، فقد قرر الرئيس الإسرائيلي هذه المرة أن يجتمع مع كافة مندوبي الأحزاب في يوم واحد بدلا من عدة أيام كما كان متبعا، وقد خصص لكل وفد 45 دقيقة يستمع خلالها إلى موقف الحزب من الأوضاع في البلاد ونظرته لكيفية الخروج من هذا المأزق السياسي ومن ثم سيستفسر ريفلين من كل وفد من هو الشخص الذين يوصون بأن يتولى مهمة تشكيل الحكومة الجديدة.
وقال الرئيس ريفلين عند تسلمه النتائج الرسمية للانتخابات منذ أيام معدودة، إنه سيمنح مذكرة التكليف للشخص الذي يراه هو صاحب أفضل فرص لتشكيل الحكومة القادمة وليس بالضرورة لزعيم الحزب الأكبر، مما أثار حفيظة عدد من شخصيات الليكود البارزة فشنوا عليه حملات متتالية واتهموه بمحاولة التدخل في نتائج الانتخابات ضد نتنياهو.
وتبدو عملية الخروج من المأزق هذه المرة أيضا عملية معقدة جدا نظرا لكثرة الأحزاب الصغيرة والخلافات الشخصية بين قادتها وصعوبة جمعها في قارب واحد ونظرا لوجود معارضة لدى بعض هذه الأحزاب أي اعتماد على نواب عرب في تشكيل حكومة علما أنه بدونهم يبدو شبه مستحيل الإفلات من الأزمة. وهناك من يتوقع أن نتنياهو الذي ستبدأ مرحلة سماع الشهود في محكمته الإثنين ربما يراهن على انشقاق بعض النواب من أحزاب مناهضة له والالتحاق به وبالتالي يكون قادرا على تشكيل حكومة علما أن مثل هذه الانشقاقات حصلت عقب جولات انتخابات في السابق.
وكررت أوساط في اليمين الصهيوني خاصة من حزب “الصهيونية المتدينة” رفضها لاعتماد نتنياهو على دعم خارجي من قبل القائمة العربية الموحدة رغم الخطاب الناعم والخالي من الملامح الفلسطينية الذي قدمه رئيسها النائب منصور عباس وحاول فيه تليين معارضة اليمين، شرعنة الاعتماد عليه والمشاركة في اللعبة السياسية الإسرائيلية بشكل كامل.
ورغم محاولة عباس في خطابه تجاهل الثوابت السياسية والوطنية لاستمالة اليمين الفاشي، وتنصله من ذكر قضية الاحتلال والقضايا القومية والسياسية الأساسية للجماهير العربية مثل قانون القومية وقانون كامينتس، رد رئيس “الصهيونية الدينية” باتسلئيل سموتريتش على هذه التنازلات بالقول: “كان عباس ولا يزال مؤيدًا للإرهاب الذي قام باحتضان الإرهابيين الذين قتلوا اليهود، ولا يقبل بحق اليهود في الوجود كشعب في بلاده في دولة يهودية، ويواصل التمسك بالرواية الفلسطينية التي تتناقض مع الرواية اليهودية”.
اليمين الصهيوني المتشدد يرفض خطاب منصور عباس ويعتبره “خطة مرحلية”
وقال سموتريتش أيضا إن عباس في خطابه لا يعترف بإسرائيل كدولة يهودية، ويطالب بالاعتراف بـ”كلتا الروايتين”، وفي الواقع يحاول بالطريقة العربية المعروفة بالمرحلية أو خطوة بخطوة قلب إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية، دولة لجميع مواطنيها. وفي عملية إغلاق الباب أمام دعم خارجي من قبل القائمة العربية الموحدة اعتبر علانية أن اعتماد اليمين على منصور عباس سيكون جريمة وسيفضي لكارثة بالنسبة للدولة اليهودية.
وهناك من يرى أن حسابات سموتريتش حزبية أيضا لا مبدئية فقط فهو يريد المزاودة على الليكود وعلى يمينا والظهور بصورة اليمين الصهيوني الأيديولوجي الصلب خاصة وأنه بالواحد والأربعين من عمره وما زال في بداية طريقه السياسي ويستطيع الانتظار بدلا من الموافقة على حكومة مدعومة من العرب يكون فيها وزيرا لمدة مؤقتة وبعدها يخسر مصداقيته أو شعبيته.
وعبرت أوساط في القائمة العربية الموحدة عن عدم رضاها من خطاب عباس الناعم وقالت لـ”القدس العربي” إنه من غير المعقول أن نكتفي بخطاب مدني مطعم بمصطلحات دينية، فارغ من الرواية الفلسطينية، مؤكدة على ضرورة المساهمة في إسقاط نتنياهو كونه المحرض والكاذب الأكبر بالنسبة لكل الشعب الفلسطيني. كما شككت جدا باحتمالات نجاح مثل هذا الخطاب البراغماتي المطالب بالاندماج باللعبة الإسرائيلية وقالت إن التنازل عن الهوية الفلسطينية في الخطاب السياسي لن ينجح في اختراق اليمين الصهيوني العنصري الذي لا يرضى إلا برحيلنا من هنا. وعبر النائب عن القائمة العربية الموحدة وليد طه عن “ضرورة مواصلة اختراق حصون عنصريتهم بحكمة”.
في هذا السياق يرى المحاضر في الفلسفة الدكتور رائف زريق أن هناك سببا كافيا للاعتقاد بأن لابيد سيحاول رفع وزنه أمام بينيت بمساعدة أصوات المشتركة (الجبهة والطيبي) وأن بينيت سيحاول رفع أسهمه أمام نتنياهو بمساعده وأصوات لابيد، معتبرا أنه بكل الأحوال لا يرى في الأفق أية إمكانية حقيقية للإطاحة بنتنياهو ولا معنى لتوصية نواب عرب على لابيد لكن حتى لو كانت إمكانية كهذه فمن المفيد أن تفكر المشتركة -والتي فقدت لغتها وقدرتها على الكلام- في نوعية الشعار السياسي والنهج والطريق الذي ستتخذه في حال سقط نتنياهو، حتى لا تجد نفسها عاطلة عن العمل -والفكر- في حال سقوطه.
ويرى في هذا المضمار بضرورة تنسيق جدي بين التجمع والجبهة منذ الآن والانتخابات القادمة مسألة وقت. وتابع زريق في منشور على صفحته “من غير المعقول أن يكون جل الفرق بين المشتركة والموحدة أن الأولى توصي على لبيد والثانية على نتنياهو. إذا كان ذلك هو الفرق الوحيد فإن ذلك يصح على الفرق بين ميرتس والموحدة”، محذرا من أن القائمة المشتركة فقدت لغتها وشعارها السياسي، ويقول إن أول شيء في استعادة لغتها هو أن تغير اسمها لأنها ليست قائمه مشتركة ولا تمثل إرادة شعب، ولا يمكنها الاختباء وراء شعارات عامة.
وشدد زريق على أنه مقابل مشروع إيديولوجي واضح المعالم هناك حاجه لمشروع إيديولوجي واضح المعالم تتبناه المشتركة. لكن مهمة بناء هذه اللغة برأيه “ليست بسيطة والقدرة على صياغة شعار ومشروع سياسي ليست مهمة بسيطة وهي مهمه ملقاة علينا جميعا ويخطئ من يعتقد أن هناك جوابا واضحا وجاهزا وموجودا في الخزانة”.
ويعتقد أن جزءا من الأزمة السياسية العربية الراهنة داخل أراضي 48 نابع عن أخطاء في القيادة وهذا صحيح، لكن جزءا آخر نابع من أن هناك مبنى قوى جديدا واصطفافات جديدة تحتاج إلى تطوير مفاهيم وأدوات في كيفية التعامل مع هذا الواقع الجديد. وخلص زريق للقول محذرا “من يعتقد أنه ليس جزءا من الأزمة بالمطلق إنما يقف خارجها، سيجد نفسه خارج القدرة على التحليل والتفاعل والتأثير والتفكير، وكلما قلت قدرته على التأثير كلما زادت قناعاته بصدق طريقه وأنه معصوم عن الخطأ. كل التيار الوطني في أزمة والكل مدعو للمشاركة بالخروج منها. من لا يرى نفسه داخل الأزمة لن يستطيع الخروج منها”.