من أعمال الفنان طارق الصفتي
القاهرة ـ «القدس العربي»: في حي الدرب الأحمر العريق بالقرب من شارع (تحت الرَبْع) وسط قاهرة المعز لدين الله الفاطمي، يقع شارع «الخيامية» حيث العديد من الورش المتخصصة في إنتاج هذا الفن. بدأ الأمر بصنع الخيام وتزيين الميادين في الاحتفالات الدينية، إلا أنه تطور بعد ذلك، بحيث لا يقتصر على الخطوط والتشكيلات والنقوش الإسلامية، بل تواصل وامتد إلى التراث القبطي والفرعوني، ليشمل الروح الحضارية المصرية ككل. ورغم اندثار هذه المهنة/الفن في الوقت الحالي، حيث تقتصر على بعض الفنانين الذين توارثوا المهنة، إلا أنهم يحاولون الصمود، وينتجون أعمالاً فنية جديرة بتاريخ هذا الفن القديم، وعدم اختصاره في تكرار مقيت ـ دونما إبداع ـ على سرادقات العزاء والدعاية الانتخابية، حيث لا فارق بينهما.
ويأتي معرض «ذكريات مُعلقة» الذي أعدّه الفنان سيف الرشيدي، والمُقام في غاليري (أوبونتو) في القاهرة، محاولاً الاحتفاء بهذا الفن، الذي يُجاهد الاندثار، من خلال أعمال مجموعة من الفنانين يستعرضون مواهبهم في تشكيل لوحات وأعمال من المنسوجات المعهودة في فن الخيامية، نذكر منهم .. أشرف هاشم، عاطف كمال، هاني عبد القادر، حسام الفاروق، معتز نصر، مصطفى عبد المجيد، مصطفى الليثي، وطارق الصفتي.

من أعمال الفنان هاني عبد القادر
فن الخيامية
ارتبط هذا الفن بداية بتصنيع الخيام، ومن ثمّ إصلاحها، خاصة خيام الحُجاج في طريقهم إلى الأراضي المقدسة ـ حُجاج المغرب العربي بوجه خاص ـ ثم ارتبطت الخيامية بعد ذلك بكسوة الكعبة، التي كانت تزينها خيوط الذهب والفضة، حيث كانت تقوم مصر بتصنيعها حتى فترة ستينيات القرن الماضي وإرسالها إلى أرض الحجاز في موكب مهيب يعرف باسم (المحمل). ثم تطور هذا الفن ليصبح من المعلقات على الجدران.
وتأخذ هذه التقنية مراحل عدة، فيبدأ الفنان برسم التصميم الذي سيختاره على قماش التيل المصري المميز باللون العاجي، بوضع التصميم الذي سيختاره لعمله الفني، ونقله على ورقة (الباترون)، حيث تتم خياطته على القماش الذي سيُطرّز، وبعدها توضع بودرة مخصّصة لطبع الرسم على القماش كي تُجرى عملية التطريز في وحدات القماش الملونة، وخلالها يقوم الصانع الذي يُعرَف باسم «الخيامي» بعمل أكثر من وحدة من التصميم نفسه، ثم تتم خياطتها مع بعضها بعضاً.
لقطات من بدايات القرن العشرين

من أعمال الفنان لويس بارتلمي
بدأ المعرض ببعض الصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود لفناني الخيامية في بدايات القرن الفائت، مقارنة ببعض الفنانين الآن، وفي المكان نفسه. إضافة إلى صور توثيقية لرحلة المحمل المصري إلى أراضي الحجاز، والاحتفال الكبير المرافق لهذا الحدث المقدس، حتى أنه في بعض السنوات حرص الخديوي عباس حلمي الثاني بتقدّم المحمل بنفسه.
من رايات الأولياء إلى تحية الثوار
ومن اللافت في بعض المعلقات في المعرض وجود راية قديمة تحمل لفظ الجلالة ورسوله، وهي خاصة بأحد محافل الموالد الشهيرة في مصر، الخاصة بآل البيت، بخلفيتها الخضراء الشهيرة، والمنتمية لبدايات القرن العشرين، وصولاً إلى مُعلقة للفنان هاني عبد القادر تجسد أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011 .. ميدان التحرير ومبانيه ومعالمه الشهيرة، عربات الشرطة واصطياد الثوار، القتلى، عربات الإسعاف والإطارات المشتعلة، دون نسيان العبارات الشهيرة في ذلك الوقت، مثل (يسقط النظام) و(إرحل).
الخطوط والأشكال
وتأتي الأعمال المختلفة، ما بين التشكيل بالخط العربي، كما في لوحة الفنان طارق الصفتي والفنان معتز نصر. والتشكيل اعتماداً على الجسد الإنساني، والمستمد إيقاعه من التراث الفرعوني، لكن في شكل من الرقص الحداثي، كما في عمل الفنان لويس بارتليمي. ثم التشكيل من خلال عالم الطبيعة، حيث الزهور والطيور والحيوانات، والأقرب إلى التشكيل الفارسي منه إلى العرب، كما في أعمالهم التراثية المعروفة بهذه الرسومات، وذلك في أعمال كل من طارق الصفتي ومصطفى الليثي.
وفي الأخير لا تقل هذه الأعمال فناً ومهارة عن أعمال التصوير، فالرسم هنا بالخيوط بديلاً عن الفرشاة، ففي كل لوحة نرى التناسق اللوني، إضافة إلى الإيقاع والحركة والتكوين، ومن التكرار المقصود نصل إلى الحالة الدرامية للوحة، أو المُعلقة.

من أعمال الفنان معتز نصر