تضطلع تجربة الفنان مهدي طاهر الجلاوي بمجموعة من الجماليات في وضع فني يتجاوز كل القيود، في نطاق مشروع فني يضطلع بخصائص التداعيات الوجدانية في سحرها الجمالي المرصع بنشوة الهندسة المعمارية والتصوير الفوتوغرافي، والتصاميم التي يتقصدها بعين المبدع الذي يخوض غمار صناعته الدقيقة، وفق خزان من الأشكال والألوان المنتقاة بدقة وعناية كبيرة، التي تخضع للتقنيات المعاصرة.
إن اعتناء الفنان مهدي طاهر الجلاوي، من خلال رؤاه الفنية والجمالية بالتصميم الفني والهندسة الجمالية والتصوير الفوتوغرافي، يمنح القارئ من خلال منجزه تحويلا خلاقا على مستوى المادة الفنية، وعلى مستوى المفاهيم الواقعية، وعلى مستوى التقنيات الجديدة، وعلى مستوى الإطار الجمالي الذي يتمثل فيه الكلَّ الفني. إنه بذلك يدمج جملة من المفردات التشكيلية في مساحات هندسية يباغت بها القارئ الذي يستشعر المعنى الهندسي في نطاقه الفني، وفي إطاره الحضاري الذي يترصد الأصالة والمعاصرة بعناية فائقة، وسط المساحات المتوسطة والكبيرة، فينجز لمسات فنية من تصاميمه ورؤاه الفنية غاية في الجمال، بنوع من التبسيط بانتقاء وتسويغ تحكمه الانطباعية حينا، والواقعية حينا آخر، ويحكمه كذلك الوعي بالمادة الهندسية بكل ما تقتضيه من أشراط، حتى يتراءى عليها الدال الفني بائنا بجماله، فيعد ذلك إنجازا فنيا قويا وانتصارا للهندسة ولقوة التصميم الذي يستجلي غالبا دلالات إضافية.

إن إنجاز عوالم هندسية من تدبيره، وتصميم عناصر شخوصية بانسجام تام مع الهياكل العامة للتصميمات الهندسية والألوان المتدرجة، يجعل خاصية التعدد العلاماتي والإيحائي، والإشارات في نسيجها التشكيلي تُحدث مجالا فنيا قادرا على تغيير المنحى التعبيري، والانزياح به نحو تعددية القراءة، فالمبدع يبلور العمليات الإبداعية وفق خاصيات جديدة، وأسلوب معاصر في التعبير، فينسج مفردات بنائية جديدة؛ إذ يمزج بين ملامح اللون في أنساق الشكل الهندسي بكل محتوياته، فيتخذ من العمليات الإبداعية تصورا للواقع بمختلف أشكاله، في نطاق من التوظيف المحكم لمختلف الصور والأشكال الواقعية، والقيم الجمالية التي تتيح للبناء البصري صياغة تصويرات تتفاعل مع مقومات العمل الهندسي والفني، بشكل أمثل. فهو يستنطق مخزونا إبداعيا بصدق في الأداء، ومنهجية عالمة، ما يجعل أسلوبه دقيقا تتوالد معه سيولة من القيم الفنية والجمالية والتعبيرية بأبعاد غير محدودة. إنه بذلك يصنع مجالا هندسيا مرئيا يتذوقه الحس، كما تتذوقه الرؤية البصرية بصيغة ذات مقومات جمالية على اختلاف المفردات والمكونات التعبيرية المُستخدمة في العملية الإنتاجية. لأنه يتقصد حيّزاً من الفراغ، دون حدود للمكان ليطبع أعمالها بحزمة من الإيحاءات والإشارات الدالة على أشياء مخزونة وراء البنايات والأشكال الهندسية، والشخوصات واللون المتدرج، بل وعلى سيميولوجية ثقافية تستمد كينونتها من الثقافة المحلية. وهو ما يخول له فنيا وتقنيا صنع مجال تعبيري مدجج بروابط علائقية، يكثف بها الفضاء في حلل فنية بديعة تجعل من التدقيق اللوني الموافق للشكل، بناء فنيا منظما في تواشج ذا معنى حضاري.
وبناء على كل ذلك؛ فإن تجربة مهدي طاهر الجلاوي تنبني على أسس هندسية وتصاميم فنية تمتح من الواقع الحضاري، أسسه القويمة بوظائف بنائية ودلالية مغايرة للمعتاد، ووفق تطبيق عملي ورؤى ذات سيولة معرفية وعلمية وفنية، ما يجعل أعماله تتبدى فيها رزمة من الاجتهادات والابتكارات التي يقارب بها ماهية أعماله بالنسيج الإبداعي في مجمله.
وهو في الواقع ينحت مسارا تجديديا متفردا وفق منهج يتوق التوظيف الحضاري والجمالي المتقن، سواء على مستوى اللون أو على مستوى المادة الفنية الهندسية التصميمية، ليدعم التنظيم الفارقي، ويدعم القاعدة الفنية التي تستهدف الواقع بمختلف أشكاله. ويتبدى أن هذا التأطير يأتي في سياق تجربة فنية عالمة بحيثيات الفن وجمالياته إلى أبعد الحدود.
ناقد مغربي