نحن و»الستراس»من رهق إلى كرْب

أكاد منذ أن عمّت الجائحة، لا ألتقي صديقا أو صديقة، إلاّ اشتكى الحزن والغَمّ الذي يأْخذ بالنفس؛ وهو يدير على لسانه هذه الكلمة «ستراس»، سواء تعلّقت الحال باضطرابات جسميّة أو نفسيّة مردّها إلى مرض أو انفعال أو صدمة أو شدّة أو خوف أو نازلة ما. فهذا خطاب مشترك يزدهر في كلامنا على نحو غير مألوف، حتى صار من المألوف، ورسخ من حيث هو حالة اجتماعية تحشد وعينا أفرادا وجماعات. بل صار منذ عقود مجال البحث العلمي والاجتماعي المتنوّع، بناء على مسح ميداني دقيق يشكّل فسيفساء عجيبة. أمّا البحوث الأولى فقد نهض بها أطبّاء وعلماء نفس، ولعلّهم أوّل من عني بمصطلح «ستراس» أو «رهق» و»كرب» كما استقرّ في لغتنا، على قلق العبارة؛ إذ هي لا تحيط على ما يبدو بما ينطوي عليه الأصل من معنى بيولوجيّ ونفسيّ، وما يتعلّق بردّ فعل الجسم، من أجل استعادة توازنه واستقراره وطمأنينته أو ما يسمّى علميّا «متلازمة التكيّف العامّة» أو تزامن أعراض مرض من الأمراض أو «تناذرها» كما يفضّل البعض ترجمة «سندروم»؛ إذ يمكن أن يكون «الستراس» سلبيّا أو شرّا عند فرد، أو إيجابيّا أو خيرا عند آخر؛ بناء على طريقته في إدارة الحالة أو معالجتها .
ذلك أنّ الأمر على ما يقرّره أهل الذكر يتعلّق بالشخصيّة الاجتماعيّة للفرد ومكابدته ومعاناة مشقّته. ومع ذلك فإنّ دوران الكلمة على الألسن، لا يعني أنّ هناك تواضعا جمعيّا تامّا على معناها. وحتى لو سلّمنا بهذا التوافق أو التواضع، فهو يظلّ نسبيّا؛ ذلك أنّ ما نصطلح عليه «ستراس»، لا نصطلح عليه كذلك؛ لأنّنا خبرنا ماهية الحالة أو الظاهرة، أو وقفنا على حقيقتها؛ وإنّما لأنّنا «نحدس» في ما بيننا خصائص لهذه الظاهرة، تميّزها عن أيّة ظواهر أخرى. وقد لا تخفى النزعة الإسمانيّة التي تسند الاعتقاد في المصطلح من حيث هي تفيد الميل إلى إحلال الاسم محلّ الحقيقة؛ أو تفيد بتحديد أدقّ، كون حقيقة الشيء اسمه. لأقل إذن إنّ هناك توافقا على الكلمة، وليس على جملة معانيها. وهذه المعاني المتنوّعة إنّما نظفر بها في الأدب بسائر أجناسه، والفنون والعلوم الإنسانيّة عامّة، حتى أنّ «الستراس» تحوّل في بعضها، إلى حالة أشبه بحالة الجنون، وغدا الجنون أشبه بثقب المزلاج، كما يقول البعض؛ والمزلاج مغلاق، ولكن لا مفتاح له؛ إذ هو ينفتح باليد. أي أنّ الأمر موكول إلى الفرد نفسه، في عالم أشبه بحجرة ضيّقة، يزكم هواؤها الأنوف، ولا منفذ فيها؛ والأفراد فيها هم المجانين.
وفي مسرحيّة لدافيد ستوري (1933 ـ2017) «نقاهة أرنولد ميدلتون» يفيق «المريض» في عقب علّته، دون أن يرجع إليه كمال صحّته وقوّته. هو أستاذ تاريخ  يعاني من «الستراس» والضجر والملل والكآبة، في مجتمع الرفاه والوفرة. ويحاول وقد برم بعمله وأعرض، أن يتحرّر من هذه الحالة، فيرفض أن يساير العرف الجاري، ويغيّر من نمط تدريسه؛ بل يضيف إلى المنهاج التعليمي الرسمي، لكن دون طائل؛ إذ لا أحد يفهمه أو يستجيب له. وكذا حاله في المنزل حيث الملل والهذيان اليومي العادي. ويشتري درعا مزْرُودة، كتلك التي كان يتقلّدها فرسان العصور الوسطى؛ وينتصب في الصالون حيث تجتمع الأسرة للسهر (هو والزوجة والحماة)، وكأنّه صورة من دون كيشوت، جالسا إلى الورق أمامه والقلم على أذنه، ومرفقه إلى المائدة؛ وكفّه على خدّه؛ يفكّر في ماذا يقول. أظنّ أنّ هذه حال «الستراس» التي برع الكاتب في تصوّرها وهو يتّخذ من «الفارس»قناعا» أو»قرينا» للمدرّس المأزوم.
وهذا مسرح وتخييل، أو هو ملتقى الفنّ والحياة حيث يلتبس التاريخ بالواقع والسيرة. فثمّة صلات وثيقة سواء في المستوى الزمني أو في مستوى الشخصيّة وهي «تتقنّع» بالمختلف والمتباين زمانا ومكانا. بل قد يكون قرين الكاتب نفسه، أي مصاحبه الذي وُكّل به، أو نغمة منه أخرى، في مقام موسيقي آخر. وقد تكون كلمة «قرين» أبلغ وأنمّ في السياق الذي أنا به، لأنّ القرين في العربيّة يكون في الخير وفي الشرّ؛ و»الستراس» كما أسلفت، يكون في هذا مثلما هو في ذاك. وهذا»الفارس المُدّرع» يُبعد في الزمان لا في الأرض، هاربا فزعا من «الستراس» دون أن يصيب من قرينه جدوى أو عطيّة تعفيه من القلق والغمّ وضيق النفس؛ حتى وهو يحاول وقد سكر أن يقربَ حماته، ويركب منها ما لا يحلّ؛ وقد شبّهتْ عليه، عسى أن يتغيّر بذلك عن حاله، أو وهو يشهر سيف الفارس، ويأخذه بقوّة.
وقد يكون «الستراس» هنا وقد خلّط على الشخصيّة أمرها أشبه بالجنون، و»ميدلتون» الشبيه المختلف، إنّما كان يهرب من»الجنون الجماعي» حيث تتماثل أذواق الناس ومعاييرهم، إلى «جنونه الخاصّ» كما يقول بعض النقّاد؛ ولا هو اجترأ على الموت، ولا الحياة هانت عليه. والأمثلة على»الستراس» الذي يبلغ حافة الجنون والرغبة الجارفة في الموت، كثيرة جدّا؛ وهي على ما أقدّر، أبلغ في الآداب الأنجليزيّة، وإن كنت أقرؤها في ترجمتها الفرنسيّة أو العربيّة على ندرتها، منها في الآداب الفرنسيّة. ولولا الخشية من أن يحجزني الاستطراد عمّا أنا فيه، لسقت أكثر من مثال دالّ على هذا «الستراس» أو حالة «الجنين في زجاجة»، كما تمثّله الشعراء والكتّاب الأجانب عامّة.
يعود»الستراس» اليوم إلى الأدب بقوّة، لأسباب لعلّ من أظهرها هذا الاقتران بين الجائحة واستحقاق الرفاهة؛ وهما زوجان أي فردان اثنان. ولنا اليوم أن نتكلّم بهذا الزوج موحّدا، وأن نجعله حجرا سهل النحت؛ وإن لم يكن ذلك من لغة العرب، ولا من لطائفها حيث الزوج هو الفرد. والعرب تقول: رفّه عنه أي كان في ضيق فنفّس عنه. وهذه الرفاهة من رغد الخصب ولين العيش والتنعّم والدعة، والتوسّع في المطعم والمشرب والملبس؛ إنّما ندين بها، ولكلّ نصيب أو»كوتا»، إلى صعود البورجوازيّة كما نقرأ عند أهل الذكر من المفكّرين والفلاسفة. وقد يستغرب القارئ مثل هذا الطرح، إن هو غفل عن أنّ استحقاق الرفاهة كان يستهدف أساسا البذخ الأرستقراطي القديم وتكاليفه الباهظة، أو ما تبطره النعمة وسعة العيش، والتوسّع في الملذّات والشهوات؛ أو ما يسمّى اليوم «الاحتشاء» أو لنقل رغد العيش من حيث هو «الهوى الديمقراطيّ» بامتياز عند البورجوازيّة.
وقد يكون ألكسيس دو توكفيل (1805 ـ 1856) وهو أرستقراطيّ الهوى وديمقراطيّ بحقّ، واكب الديمقراطيّات الحديثة وحدس في الصعوبات التي تتهدّدها؛ من الأوائل الذين تنبّهوا إلى هذه «الوصفة» العجيبة؛ بشأن هذا الهوى الديمقراطي» الذي  يدفع بالفرد إلى التضحية بأهوائه وميوله، بما في ذلك طعم الحرّية. وقد بيّن أنّ دولة القانون واحترام الحرّيّات الفرديّة هي الدافع إلى التقدّم الاقتصادي والاجتماعي. يقول: «لا أعرف ما إذا كان بالإمكان أن نذكر شعبا واحدا اختصّ بالصناعة والتجارة، من الصوريّين (نسبة إلى صور) إلى الفلورنسيّين والإنجليز، لم يكن حرّا. فثمّة وشيجة قربى وعروة وثقى بين هذين الطرفين: الحرّيّة والصناعة… وعليه فإنّه لا غنى عن الحريّة في إنتاج الثروة. وعلى طرف النقيض من ذلك فإنّ الاستبداد هو عدوّها بوجه خاصّ».
على أنّ اللافت حقّا هو أنّ المجتمعات الدّيمقراطيّة الحديثة أي الغربيّة عامّة، دفعت بمذاق رغد العيش إلى جعله رديف السعادة؛ وهي اليوم تعيش على هذا «الزوج الموحّد» حيث يستطيع الأفراد، وإن بتفاوت، أن يجمّعوا كلّ أسباب الرفاهة من صحّة وسكن ونقل ومستلزمات الحياة العصريّة، من «ديكور المعيش اليومي»؛ غير أنّهم لا يفعلون أكثر من تجميع  أسباب رغد العيش؛ أمّا مسألة السّعادة، فتظلّ في حقيقة الأمر تُطرح خارج هذا الحيّز، ومن هنا يتولّد «الستراس». ذلك أنّ السعادة من منظور فلسفيّ حديث كما هو الشأن عند كونت سبونفيل في كتابه الممتع «السعادة يأسا»، إنّما تقترن بالرغبة أي ما هو منشود مرغوب فيه. على أنّ الرغبة ليست في ما يعوزنا أو ينقصنا، وإنّما في ما هو في متناول اليد أو ما هو «أمر واقع» حيث للسعادة حدود مثل ضمان السّلم والأمن والطّمأنينة، وتدبّر شؤون الجماعة ديمقراطيّا.
وهذه مسألة  قد تكون أعلق بالفرد، وهناك أفراد كثيرون سعداء في كلّ المجتمعات، أو يتهيّأ لهم ذلك. على أنّ هؤلاء مهما يكنْ نصيبهم من السعادة، ليسوا بمنجاة من التحوّلات الوافدة على مجمل القيم التي لا يزال الفكر البشريّ  يجريها مجرى الوجود، إمّا لرمزيّتها المجرّدة، أو لانتسابها إلى مجال الغائيّة. وهي ماثلة اليوم في تنامي التدبير الرّأسمالي العالمي للاقتصاد وللمجتمع والصحّة؛ وهي تُرى وتُلمس، سواء في معيشنا أو ما يحفّنا من وسائل الاتّصال، وما يعترينا من «الستراس» حيث لا ينجو ببدنه اليوم إلا الحاذق بالعوم.

* كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية