الخرطوم-»القدس العربي»: وصلت المفاوضات بين دول حوض نهر النيل الأزرق حيث تعمل أثيوبيا بشكل متسارع لإكمال مشروع سد النهضة، إلى طريق مسدود بعد رفض أثيوبيا مقترحات السودان ومصر الداعية لإضافة أطراف دوليين إلى وساطة الاتحاد الأفريقي بغرض الوصول إلى اتفاق لملء وتشغيل السد قبيل موعد الملء الثاني تموز/يوليو المقبل، حيث تنوي أثيوبيا تخزين 13.5 مليار متر مكعب، سيمكنها من تشغيل السد وبدء إنتاج الكهرباء في أقل مستوياتها حيث صمم المشروع على ان يبدأ في توليد الكهرباء بشكل متدرج خلال عملية البناء كواحدة من المزايا الفنية التي وضعها الممولون الغربيون لبناء سد النهضة، وهي واحدة من الأسباب التي جعلت السودان ومصر تتمسكان بضرورة التوصل لاتفاق دولي يحدد ما لأثيوبيا وما عليها من التزامات تتعلق بوجود آلية فنية بشهود دوليين تحدد عملية تبادل البيانات حول ايرادات النهر والكميات التي ستمرر إلى دول المصب وعلى رأسها السودان الذي هو أكبر المتأثرين بغياب آلية متفق عليها بخصوص تبادل البيانات، لأنها مهمة للمهندسين السودانيين في ما يخص التخطيط للزراعة وتوليد الكهرباء وتمديدات مياه الشرب الجديدة، بالإضافة إلى ضمان أمان سد الرصيرص الذي تقع بحيرته على بعد 5 كيلو فقط من جسم سد النهضة الذي يمثل عشرة أضعاف سد الرصيرص ما يجعله في دائرة الخطر في حال عدم وجود بيانات تتيح للمهندسين التصرف في كمية المياه الخارجة من بوابات السد وتحديد الكمية التي يجب تخزينها والتي يجب تمريرها للزراعة والشرب والكهرباء.
وأذا اخذنا هذه المخاوف في الاعتبار بالنظر إلى اتجاه أثيوبيا للملء الثاني من دون اتفاق وهو الأمر الذي سيجعل السد أمرا واقعا ما يجعل أي تفاوض أو اتفاق مرتجى في مهب الريح، إذ ستتحول موازين القوى وتصبح لأثيوبيا اليد العليا في أي تفاوض مقبل ان عادت له بعد الملء الثاني، إلى جانب انه سيجعل أثيوبيا مهيمنة سياسيا ودوليا على دولة السودان باعتبار ان لديها القدرة في التحكم في المياه الذاهبة إلى السودان ثم مصر من بعد ذلك، آخذين في الاعتبار عدم توقيع اتفاق دولي ملزم يحوي آلية لتبادل البيانات وأخرى لفض النزاعات ما سيجعل الأجيال السودانية المقبلة تحت رحمة الحكومات الأثيوبية على مر التاريخ. كل ذلك يجعلنا نفهم ارتفاع الغضب بين شعوب وحكومات دول المصب من اتجاه أثيوبيا للملء الأحادي الذي سيغير موازين القوى بشكل استراتيجي في المنطقة، وهذا يجعلنا نفهم ارتفاع درجة التوتر بين الدول الثلاث لحد التلويح من الرئيس المصري الفريق عبد الفتاح السيسي بـ»فوضى لا يتخيلها عقل بشر» حال إقدام أثيوبيا على الملء الثاني، وهو التهديد الذي بات واضح العبارات ومباشرا للغاية ما يجعل التنظيرات التي كانت توضع من الخبراء الاستراتيجيين في العالم بأن حروب القرن الحالي ستكون حول المياه واقعية.
التعاون وتبادل المنافع
وبالنظر إلى دول حوض النيل الأزرق التي تشهد انتقالات سياسية في ظل هشاشة أمنية، ففي السودان يعاني الشعب من جراء الأوضاع الاقتصادية والأمنية المتردية في ظل انقسامات داخلية نتيجة لهشاشة عملية التغيير نفسها، والأمر الذي ينطبق على أثيوبيا التي تعيش نفس الوضع، سلطة انتقالية بين يدي رئيس الوزراء ابي أحمد يريد شرعنتها وسط انقسامات داخلية حادة وحرب ضروس في إقليم تيغراي. وفي ظل كل هذه المعطيات تحول سد النهضة إلى قضية أساسية بين ممسكات ووحدة الشعب الأثيوبي الذي لديه اتفاق حول هذا المشروع رغم الخلافات الحادة والتباينات الخفيفة بين الأقاليم والشعوب الأثيوبية التسعة الذين يمثلون نحو 100 مليون نسمة، يقابلهم نفس العدد في مصر التي تهدد وتزبد وشعب السودان الذي يقترب من أربعين مليون مواطن، كل ذلك يجعل القلق كبيرا من تحول الدول الثلاث إلى دول فاشلة ومنهارة تدفع بملايين المهاجرين وليس آلافا حال دخول المنطقة في حروب مباشرة أو حروب استنزاف بشكل غير مباشر عبر تغذية كل دولة عوامل الانقسام والاحتراب داخلها.
في ظل هذا الواقع المتوتر للغاية والمستقبل السوداوي حال تمسك كل طرف بموقفه، يبقى الحل الوحيد هو العودة إلى فلسفة «التعاون وتبادل المنافع» بين الدول الثلاث لانه المخرج الوحيد الذي يمكنه إطفاء هذا التوتر بشكل استراتيجي، في مقابل خيار التوتر وربما الحرب في ظل تحول السد إلى ممسك لوحدة الشعب الأثيوبي ومهدد للشعب السوداني من دون التوصل لاتفاق .
ويظل الإطار الأوحد لتحويل النقمة إلى نعمة بإحياء التعاون الاستراتيجي بأن يقدم السودان صاحب الأراضي الخصبة الشاسعة جدا التسهيلات اللازمة للمزارعين الأثيوبيين الذين ليست لديهم أرض للزراعة بعد بسط السودان سيطرته على الأراضي التي كانوا يستخدمونها في منطقة الفشقة ذات الخصوبة والإنتاجية العالية التي تمثل نحو مليون فدان بوضع اليد منذ أكثر من 25 عاما على كامل أراضي الفشقة و20 عاما لأجزاء واسعة منها لتأمين الغذاء لأثيوبيا التي كلها عبارة عن مرتفعات جبلية لا تصلح للزراعة. وهنا تبرز أهمية أخذ مسألة إعادة فلسفة التعاون هذه مأخذ الجد، لأن التعنت في مفاوضات سد النهضة وانغلاق الأفق حول حل مسألة الحدود وملكية أراضي الفشقة المحسومة للسودان بالتاريخ وإعادة الانتشار الحالي الذي سيحرم أثيوبيا من خيرات هذه الأرض التي يزرع فيها نبات الذرة الذي يمثل الغذاء الرئيسي لأثيوبيا ما سيجعل خطر المجاعة ماثلا في ظل تلويح السودان بانه ربما يغلق معبر القلابات الحدودي الذي تدخل منه غالب الواردات لأثيوبيا التي تعيش بلا منفذ بحري وتستخدم ميناء بورسودان.
نهضة صناعية
وبالمقابل يعيش السودان ترديا كبيرا لخدمات الكهرباء وإنتاجا شحيحا ان كان عبر التوليد الحراري أو عبر التوليد المائي الذي سيكون حجمه رهنا بكمية المياه التي ستخرج من بوابات سد النهضة، وفي ظل هذا التوتر البالغ فإن النتيجة الحتمية هي نقص حاد في الكهرباء ما سيعطل أي خطط للتنمية الصناعية أو حصول المواطنين على الكمية الكافية التي تجعلهم يعيشون في حد الإنسانية العادي، كما يمكن ان ينعكس أيضا على توسع السودان في رقعته الزراعية أو التحكم فيها في ظل عدم وجود اتفاق يتيح تبادل البيانات الخاصة بكمية المياه، وهو الأمر الذي سينطبق على مصر بدرجة أقل لوجود السد العالي ذي المساحة التخزينية العالية، ولكن على المدى القصير ستقل كميات المياه ما سجعلها تواجه نفس المصير السوداني في حال انقطاع حبل التعاون في منافع النهر.
لذا يظل الطرح الأمثل هو إعادة فلسفة تبادل وتشارك المنافع بين دول حوض النيل الأزرق، بأن يوفر السودان الأراضي الزراعية اللازمة لتأمين الغذاء لـ 100 مليون أثيوبي عبر اتفاقيات للتعاون مقابل حصول السودان على الكهرباء من أثيوبيا من خلال سد النهضة يتيح له توفير الحياة الكريمة لمواطنيه والحد المتوسط لقيام نهضة صناعية تساهم فيها مصر صاحبة التجربة والخبرة والعمالة المهرة ورؤس الأموال اللازمة لأي صناعات ذات عوائد مالية كبيرة للغاية في ظل وجود السوق المتمثلة في 240 مليون مستهلك يعيشون في دول السودان وأثيوبيا ومصر نفسها وهي أكبر سوق بشري في المنطقة، وبذا تكون كل شعوب المنطقة رابحة في معادلة التعاون الاستراتيجي هذه، حيث سيحصل الأثيوبيون على خدمات الكهرباء من السد وتأمين الغذاء من السودان الذي سيحصل على الكهرباء أيضا والبيانات المائية التي تتيح له التوسع في الرقعة الزراعية، وتؤمن مصر حصتها من المياه وترفع من قدرتها الاقتصادية عبر الاستثمار والتشغيل للصناعات في أراضي السودان.
سوق نهر النيل الأزرق المشتركة
وتظل فلسفة التعاون هذه بدلا عن الاحتراب والتوتر لديها حظوظ أكبر في انعدام وانسداد الأفق الماثل، حيث يمكن ان تتطور هذه التجربة على غرار ما حدث في العام 1948 عندما بدأت السوق الأوروبية المشتركة، التي حولت القارة الأوروبية من الحروب والنزاعات إلى اتحاد سياسي واقتصادي متكامل يتيح للمواطن الأوروبي الحركة والاستثمار والعمل والسكن في جميع دول الاتحاد.
وهو الأمر الذي يمكن حدوثه على أساس وحده اقتصادية عظم الظهر فيها نهر النيل الأزرق والشعوب التي تعيش على ضفافه ومنبعه «سوق نهر النيل الأزرق المشتركة» والتي يمكن ان تشارك فيها دول مختلفة مثل السعودية والإمارات وقطر الذين استثمروا في بناء سد أعالي نهر عطبرة بالقرب من منطقة الفشقة التي تشهد توترا الآن، بل يمكن جلب الشركات الاستثمارية الكبرى العابرة للقارات من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة والصين الذين يمكن ان يمثلوا مصادر التمويل الضخم الذي تتطلبه مثل هذه الحالة الخاصة من الشراكة والتعاون بين دول نهر النيل الأزرق مع العالم الذي تأثرت اقتصادياته كثيرا جراء كورونا والانكماش الاقتصادي الذي خلفته على الدول الصناعية الكبرى التي تبحث عن أسواق ناشئة تستقبل وتستهلك المنتجات التي يمكن توفيرها من خلال هذه الشراكة الجديدة وما يفيض يمكن ان يمضي إلى أسواق أفريقيا الأخرى عبر موانئ السودان على البحر الأحمر أو عبر الدروب الداخلية إلى أفريقيا المغلقة في تشاد وأفريقيا الوسطى وغيرها من الدول.
هنا يمكن تحويل أزمة سد النهضة والحدود بين السودان وأثيوبيا ومصر من مهددة بإرسال آلاف أو ملايين المهاجرين والنازحين واللاجئين، إلى مصدر للمنافع وتبادل السلع والتجارة والزراعة وتشغيل مئات الآلاف والنهضة الاقتصادية للدول الثلاث وشركائهم المرتقبين والقادرين على دعم مثل هذه المشاريع بدلا من توفير الإغاثات والمعونات للاجئين من أي حرب يمكن ان تنشب لا قدر الله في ظل هذا الاحتقان الماثل. وهنا الخيار لهذا النسق من الحلول التي تحول الكوارث إلى منافع بيد الأربعة الكبار، الفريق عبد الفتاح البرهان والفريق عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء ابي أحمد والرئيس الأرتري أسياسي أفورقي، ليختاروا ما بين حرب الاستنزاف الماثلة أو الحرب المباشرة التي تلوح بوادرها وتعميق الفشل داخل هذه الدول الهشة، وما بين خيار تبادل المنافع والخيرات عبر سوق نهر النيل الأزرق الاقتصادية المشتركة.