سد النهضة ورقة آبي أحمد لاستعادة ثقة الأثيوبيين

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس-»القدس العربي»:  وسط تزايد التوتر بشأن سد النهضة الذي تبنيه أثيوبيا على نهر النيل، حاول رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي الذي تتولى بلاده رئاسة الاتحاد الأفريقي الدورية، إحداث اختراق في هذا الملف الشائك عبر رعايته هذا الأسبوع في عاصمة بلاده كينشاسا، جولة مفاوضات جديدة بين وزراء الخارجية والموارد المائية في مصر وأثيوبيا والسودان، الدول الثلاث المعنية بهذه الأزمة. غير أن هذه المفاوضات التي استمرت ثلاثة أيام، كان مآلها الفشل، في ظل تأكيد الحكومة الأثيوبية على مواصلة ملء السد، وخلاف الأطراف حول المفاوضات، مع سعي الخرطوم والقاهرة إلى تدويل الملف عبر توسيع نطاق الوساطة في المفاوضات بين الدول الثلاث، ليشمل كلاً من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي إلى جانب الاتحاد الأفريقي، فيما تتمسك أديس آبابا بالوساطة الأفريقية لوحدها.

وبعد أن انتهت العام الماضي من عملية ملء السد الأولى بـ4.9 مليار متر مكعب من مياه النيل، ها هي حكومة رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد تمضي بكل ثقة في عملية الملء الثانية خلال موسم الأمطار المقبل الذي يفترض أن يبدأ في شهر حزيران/يونيو أو تموز/يوليو المقبلين. وقد حددت أثيوبيا لهذه السنة هدف ملء 13.5 مليار متر مكعب إضافية، ضاربة بتهديدات القاهرة والخرطوم عرض الحائط، بما في ذلك إبقاء الباب مفتوحا أمام كل الخيارات.
فوسط خشية السودان من أن تكون سدوده ضحية لملء السد الأثيوبي وقلق مصر من تبعات الخطوة الأثيوبية باعتبار أنها تمثل تهديداً لإمدادها بالمياه – إذ أن نهر النيل يؤمن لها حوالي 97 في المئة من مياه الري والشرب، وسط ذلك، تؤكد السلطات الأثيوبية على أن عملية ملء السد هي جزء لا يتجزأ من عملية بنائه، رافضة أي تأجيل، معتبرة أن أي محاولة لعرقلة عملية الملء الثانية ستسبب لها خسارة ضخمة تصل إلى مليار دولار، كما جاء على لسان وزير المياه والري الأثيوبي سيليشي بيكيلي، في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء الماضي، غداة فشل مفاوضات كينشاسا.

حجج أديس أبابا

ويعتبر الإعلامي والمحلل السياسي الأثيوبي محمد العروسي في تصريح لـ»القدس العربي» أن «الحلول المقدمة من السوادان ومصر لا يمكن تنفيذها على أرض الواقع» موضحا «أن السودان ومصر طالبتا بتمديد فترة الملء إلى سبع سنوات بعد أن كانت مقررة في ثلاث سنوات، وبعدما وافقت على ذلك استمرت اتهاماتهما لها بالتعنت والمراوغة والمماطلة، بل طالبت مصر والسودان أثيوبيا بتمديد فترة الملء مجددا إلى 15عاماً دون اعتبار للخسائر التي يسببها تمديد فترات الملء». ويشير المحلل السياسي الأثيوبي إلى أن «أديس أبابا قامت بتنفيذ توصية لجنة الخبراء الدولية التي أوصت بإجراء تعديلات على سد النهضة، وأجرت تلك التعديلات بتكلفة تقدر بحوالي 400 مليون».
علاوة على ذلك، تبرر السلطات الأثيوبية مضيها قدماً في بناء السد من جانب واحد، بالقول إنها تقوم بإصلاح «ظلم تاريخيً» إذ تعتبر أنها حُرمت خلال فترة طويلة من القدرة على بناء خزانات على نهر النيل، بموجب الاتفاق الذي تم التوصل إليه في عام 1902 مع بريطانيا، والذي سمح لمصر، في المقابل، بالانتفاع منه بلا حدود. وخصصت المعاهدة الثانية، الموقعة عام 1959 ما يصل إلى 55 مليار متر مكعب سنويًا للقاهرة مقابل 18.5 للخرطوم. ولا شيء لأديس أبابا، التي تم استبعادها مرة أخرى من التوزيع.

حلم قديم وورقة انتخابية

ويعد سد النهضة الأثيوبي حلماً أثيوبيا قديماً، بدأ مع رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي، الذي وضع حجره الأساس في ربيع عام 2011. وقد صمم لاستيعاب 74 مليار متر مكعب من المياه. وعند اكتماله وتشغيله، سيكون هذا السد أكبر مصْدر لتوليد الطاقة الكهرومائية في القارة الأفريقية، حيث من المفترض أن تصل قدرته إلى نحو 6500 ميغاوات ويدعم تنمية هذا البلد الفقير الذي يبلغ عدد سكانه نحو 110 ملايين نسمة، لا يحصل حوالي 65 في المئة منهم على الكهرباء. وتقول الحكومة الأثيوبية إن الطاقة الكهرومائية التي ينتجها هذا السد تعد ضرورية للغاية بالنسبة إلى سكان هذا البلد.
ومن هنا، يتضح أن عملية ملء سد النهضة بالنسبة إلى أثيوبيا قضية استراتيجية وأولوية يتداخل فيها السياسي مع الاقتصادي والاجتماعي. كما أن السد في أساسه مشروع يراهن عليه رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد من أجل البقاء في السلطة، خصوصا وأن أحداث إقليم تيغراي مؤخرا كان لها تأثير كبير على سمعته الخارجية، وعلى شعبيته داخليا، كما يوضح الباحث في الشؤون الأفريقية محفوظ السالك، معتبراً في تصريح لـ»القدس العربي» أن كل هذا وذاك، يؤكد أن «أثيوبيا لن تتراجع عن عملية الملء حتى وإن توقفت ربما بشكل لبعض الوقت، وتعطي للوساطة فرصة، لكنها ماضية في الملء التدريجي. والمنزلة الاستراتيجية التي يحتلها سد النهضة لدى الأثيوبيين تقابلها بالنسبة إلى المصريين تلك التي يجسدها وادي النيل مما يعني أن مصر لن تتنازل هي الأخرى عن رفض الملء، فيما تعتبر السودان أقل الأطراف الثلاثة تأثرا، ومن السهل أن تتنازل إذا تفاهم الطرفان».

خصوصية العلاقة السودانية الأثيوبية

وبالرغم من أن بلديْ مصب نهر النيل أي السودان ومصر تسعيان اليوم إلى الوقوف في جبهة واحدة أمام أثيوبيا في ما يخص سد النهضة الأثيوبي، فإن السلطات السودانية الجديدة حريصة على الإبقاء على حوار مستمر مع أثيوبيا. فهي تدرك جيدا أن العملية التنموية السودانية في العهد الجديد تحتاج قبل كل شيء إلى استقرار داخلي. ويتوقف هذا الاستقرار المنشود على عدة عوامل من أهمها ضمان حدودها الشرقية مع أثيوبيا من محاولات زعزعته. ويدرك المسؤولون السودانيون والأثيوبيون أن الإبقاء على الحوار المستمر بينهما لتطويق الخلافات العالقة أو التي قد تحصل بين الطرفين في المستقبل ضروري لكليهما.

اقتباس
رغم التهديدات، أثيوبيا ماضية في مساعي ملء السد الثانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية