ملوك الدولة القديمة: التاريخ الفرعوني المنسي في السينما الروائية

لم تنشغل السينما المصرية بتقديم القصص والروايات الأثرية، قدر انشغالها بتقديم الروايات الرومانسية والاجتماعية، فالغالبية العظمى من الأرشيف السينمائي المصري قائم على ثنائية الحب والعشق، مع إضافة الأبعاد الاجتماعية والإنسانية كإطار للصورة الرومانسية المُتخيلة في عقل الكاتب والسيناريست، وفي ضوء ما يتم الاتفاق عليه بين الكُتّاب والمخرجين والمُنتجين تتنوع الاختيارات والعروض، ما بين الكوميدي والأكشن والعاطفي كمصنفات فنية وإبداعية مضمونة الرواج، أما ذلك النوع الأثري والتاريخي من الأفلام، فهو الصناعة الثقيلة التي يتردد السينمائيون في التوجه إليها إلا في حدود ضيقة وبحسابات دقيقة للغاية.
ولو نظرنا إلى الناتج الفعلي لإنجاز السينما المصرية من الأفلام الروائية الطويلة المعنية بالرؤية الأثرية، سنجده قليلاً ولا يتناسب مع العمر الزمني لها، ولا حجم إنتاجها من الأفلام الأخرى، فما تم تقديمه على مدار مئة عام، لا يعدو كونه نقطة في محيط، فثمة تقصير واضح في هذا الجانب تدل عليه التجارب المحدودة والمعدودة على أصابع اليد الواحدة، فالبارز من الأعمال النوعية المُنتمية للصنف الأثري هو فيلم «المومياء» للمخرج شادي عبد السلام، الذي أنتج في ستينيات القرن الماضي، وصار بحكم نُدرته أيقونة من الأيقونات التاريخية، فهو الفيلم الاستثنائي الوحيد الذي قدم صاحبه رؤية مُتكاملة عن ملوك الدولة المصرية القديمة، وأظهر براعة في فن الإحاطة بالتفاصيل والشكل والمضمون، من غير أي محاولات لتدخلات خيالية، لإضافة أبعاد مجازية للحالة الدرامية ذات الطابع التاريخي.
وربما ساعد ذلك على احتفاظ الفيلم بتأثيره القوي على المُتلقي كنموذج فريد وغير متشابه مع بقية الأفلام الأخرى، التاريخية أو غيرها، ويعود الفضل لشادي عبد السلام أيضاً في إنجازه بعض الأفلام التسجيلية والوثائقية ذات الصلة، كفيلم «الفلاح الفصيح» المأخوذ عن النقوش المحفورة على الجدارية القديمة لرسائل الفلاح الفصيح للحاكم في طلب المعونة والمساعدة أو ما شابه. ويمكن أيضاً اعتبار فيلم «عروس النيل» لرشدي أباظة ولبنى عبد العزيز واحداً من الأفلام التي عطفت في سياقها الدرامي والفني على التاريخ الفرعوني، لكن تركيز الرؤية على الجانب الأسطوري لعروس النيل وافتتانها بالبطل المشغول بالبحث والتنقيب عن الكنوز الأثرية، أفقد الفيلم الكثير من خصوصيته التاريخية، حيث تم التعامل مع الأحداث بوصفها حالة ميتافيزيقية خارقة للطبيعة، فبدت الحكاية أقرب إلى الكوميديا منها إلى التوثيق السينمائي التاريخي.
وبالطريقة نفسها تقريباً، تم تقديم فيلم «غرام في الكرنك» بطولة محمود رضا وفريدة فهمي كنوع من الاستثمار السياحي، إذ ركز المخرج علي رضا على الصور الاستعراضية للبطلين داخل معبد الكرنك في مدينة الأقصر، لإثبات الحالة الجغرافية والأثرية، وتفعيل القصة العاطفية لدغدغة مشاعر الجمهور والاكتفاء بهذا القدر الفني السياحي، من دون الملامسة الحقيقة للجوهر الحضاري والإنساني الخاص بحياة الملوك الفراعنة، لا من قريب أو بعيد، ولهذا احتُسب الفيلم المذكور فيلماً استعراضياً فحسب، ولم يُدرج ضمن النوعيات السينمائية التاريخية.

وكذا جاء الفيلم المماثل «إجازة نصف السنة» للمخرج نفسه.. بطولة ماجدة ومحمود رضا ومحمد العزبي عزفاً على الأوتار نفسها، في الحكايات والاستعراضات والمُشهيات ذاتها.
وفي ما يتصل بإسهام السينما الروائية الطويلة بهذا الجانب، يمكن القول إن فيلم «توت عنخ أموت» للمخرج يوسف فرنسيس الذي أنتج في مطلع التسعينيات من القرن العشرين، كان علامة بارزة على الخط البياني السينمائي في هذا الخصوص، حيث اعتنى الفيلم بتقديم ما يشبه الوثيقة التاريخية الإبداعية عن اكتشاف مقبرة أصغر ملوك مصر توت عنخ أمون في إطار درامي مُثير ومعالجة لم تخرج عن حيز الارتباط العاطفي بين المطرب محمد منير والممثلة المُعتزلة جيهان نصر، لكن التوظيف الرومانسي للأحداث كان منطقياً إلى حد كبير، فلم يكن بعيداً عن السياق الفعلي لفكرة اكتشاف المقبرة، وما يحيط بها من تداعيات ومستويات إضافية، خدمت بشكل أساسي المضمون، وقد نجح الفنان حسين فهمي بجدارة في تجسيد شخصية العالم الأثري الإنكليزي هوارد كارتر الذي اكتشف المقبرة في وادي الملوك والملكات في مدينة الأقصر عام 1922 ومثّل اكتشافه حدثاً تاريخياً وحضارياً ضخماً ظل حديث العالم لفترة طويلة.
أما على مستوى الدراما التلفزيونية فربما يكون الأمر مُختلفاً بعض الشيء، لا سيما أن مسلسل «الجبل» المأخوذ عن رواية الأديب فتحي غانم، الذي أنتج في عام 2006 وقام ببطولته حمدي أحمد ومحمد رياض، كان حالة فنية خاصة لأحداث وقعت في صعيد مصر وما زالت تقع، وهي البحث والتنقيب عن المومياوات الأثرية الفرعونية للملوك والملكات وأفراد الحاشية، وهي القضية التي تنبه إليها الكاتب مُبكراً، وحذّر من مغبتها وخطورتها واشتغلت عليها السينما في عام 1965، حيث أنتج الفيلم الشهير المعنون بالاسم نفسه، بطولة صلاح قابيل وسميرة أحمد، لكن المحاولات الإبداعية لم تفلح في معالجة القضية الشائكة، فالجرائم التي لفت إليها فتحي غانم النظر لا تزال موجودة إلى الآن، وتُرتكب يومياً من قبل الطامعين في الثروات الفرعونية المدفونة تحت الأرض وداخل السراديب.
ومن بين التجارب القليلة للسينما الروائية، فيلم «الكنز» بجزئية الأول والثاني للمخرج شريف عرفة، إذ تم تضمين بعض القصص الفرعونية داخل الأحداث، خاصة ما يتصل بدور الكهنة وسطوتهم وتأثيرهم القوي في مسار الحُكم، وهو إلماح إلى أسس تكوين الدولة الفرعونية وطريقة الإدارة وتقدير المشاركة الإيجابية لرجال الدين.
يبقى الدور الذي لا يُمكن إغفاله للسينما التسجيلية، وهي الأكثر اهتماماً بالملف الأثري، ويبرز في هذا المجال اسم المخرج والمنتج أحمد فؤاد درويش، الذي عكف على تسجيل الاكتشافات الأثرية، وتتبع تاريخ الآثار الفرعونية والأسر الحاكمة، فهناك عدد وفير من الأفلام التسجيلية أنتجها درويش على نفقته الخاصة، وقام بإخراجها وأطلق عليها اسم فرعونيات درويش، وهو ما يُعد إنجازاً فردياً مهماً للمخرج الذي قدم نماذج مهمة من بينها فيلم «نفرتيتي ونفرتاري» و»تي وماشطة فرعون» و»توت عنخ أمون» و»أمنحوتب وحتشبسوت» و»آني ورمسيس الثاني» وغيرها من الأفلام التي تناولت مهارة المصري القديم في التحنيط والزراعة والهندسة والطب والعمارة، برؤى تسجيلية وثائقية بالغة الأهمية.
وللأسف لا توجد تجارب كثيرة من هذا النوع في أرشيف السينما التسجيلية حديثة الإنتاج، وهي الظاهرة اللافتة والمُثيرة للاستغراب والتساؤل.. لماذا لا تكون هناك خُطة إنتاجية لدى وزارة الثقافة المصرية تدعم اتجاه الدولة في اهتمامها بالآثار والترويج السياحي؟ الإجابة متروكة للمعنيين بالأمر لما بعد انتهاء موسم الاحتفالات بالحدث التاريخي العالمي لنقل المومياوات من المتحف المصري في ميدان التحرير إلى المتحف الحديث في نادي الرماية في منطقة الأهرامات، حيث الأثر المناسب في المكان المناسب.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية